موسم أصيلة الثقافي الحادي والأربعين: هل يضرب العالم العربي موعدا مع إصلاح منظومة التعليم؟

الوكالة المشرقية العالمية للاخبار

الوكالة المشرقية العالمية للاخبار

ثقافة وفن

موسم أصيلة الثقافي الحادي والأربعين: هل يضرب العالم العربي موعدا مع إصلاح منظومة التعليم؟

تمحورت ندوة «التماسك الاجتماعي والتنوع في نظم التعليم العربية»، المنعقدة في إطار موسم أصيلة الثقافي الحادي والأربعين، حول واقع التعليم العربي في علاقته بالتحولات الاجتماعية والثورة المعلوماتية. كما طرحت أشغالها رهانات المستقبل العربي في ظل انهيار المؤسسات والمشاريع التعليمية العربية.

من المخرجات الأساسية، التي طرحها المشاركون في ندوة «التماسك الاجتماعي والتنوع في نظم التعليم العربية»، إشراك المجتمعات العربية في عملية إصلاح التعليم، وتمكين المواطنين من فرص التكافؤ الاجتماعي، ومدهم بمفاتيح التنمية والنهضة، والعمل على تدارك تداعيات انهيار المشروع العربي المشترك، وانهيار المؤسسات داخل العديد من الدول العربية، وانحسار المنظومة القيمية وتآكل الهوية وتصاعد الهويات الفرعية. ففي هذا السياق، يشير عدنان بدران، رئيس الوزراء الأردني الأسبق، إلى أن نظم التعليم العربية مازالت تعيش على هامش المجتمعات، حيث لا تساعد على مواكبة التحديث وتحقيق النهضة. كما اعتبر أنه إذا كانت النظم التعليمية تروم تحقيق التماسك الاجتماعي، فعليها أن تقضي على التناقض الحاصل بين سياسة الدولة والشعوب، وأن تحيّد الفوارق بين المذاهب الفقهية بتشجيع حرية الاجتهاد والفكر، وأن ترفع التناقض بين الحضارات.

من جانبه، ينطلق عبد الله ساعف، وزير التربية السابق، في تحليله معضلة التعليم من إشكاليتين: الأولى قوامها أن القرار يؤثر فيه عدة فاعلين داخليين وخارجيين (المنظمات الدولية مثلا)، والثانية مفادها المسار اللامركزي الذي اتخذته التحولات السياسية في كثير من البلدان العربية، ليؤكد على ضرورة عدم استصغار ما يجري حاليا في البرامج التعليمية، ولو أنه ينبه إلى أن المسألة باتت صعبة بالنظر إلى الظروف الجارية، فضلا عن صعوبة التنبؤ بحاجات المرحلة المقبلة.
في هذا السياق، يميز ساعف بين مفهومين أساسيين هما: الاندماج الوطني والتماسك الوطني، حيث يشير إلى أن المفهوم الأول يمكن أن يتحقق من خلال الهوية والثقافة والدين، وكل ما من شأنه أن يوحد السكان في بلاد ما، ويجعلهم يتعايشون في ما بينهم، وأن المفهوم الثاني يرتكز، على عملية تحققه، على نمط توزيع الموارد وجبر الضرر وتصحيح أوضاع مختلة معينة… هنا، ينبه ساعف إلى أن التعليم يقع بين الاندماج والتماسك، حيث يقول إنه «قليلا ما نجد التعليم يذكر بين قضايا الاندماج الوطني، حيث اعتدنا أن نتعامل معه ضمن دائرة التماسك الاجتماعي. كما ينبه إلى أن التعليم يطلب منه على الدوام أن يواكب التحولات الاجتماعية، ويؤثر في المجتمع، ويلعب دورا أساسيا في ظهور مجتمع المعرفة والثقافة الرقمية، ويغير القيم والثقافة السائدة، ويساعد على الانتقال الديمقراطي، وينشر ثقافة المواطنة.. إذ يتساءل ساعف هنا: هل بمقدور التعليم أن يقوم بهذا؟ يجيب قائلا «إننا نحمل التعليم أكثر مما يحتمل، وننتظر من المدرسة أن تقوم بهذه الأدوار التي تتجاوز طاقته». ثمة نقطة لافتة لنظر ساعف، قوامها أن الخطاب حول التعليم خطاب أزمة، داعيا إلى الخروج من خطابات الهدر المدرسي والاكتظاظ وغياب التجهيزات… هنا، يرى المتدخل أن هذه الحالة النفسية تفسرها عوامل سوسيولوجية، منها، أن المدرسة تمثل نوعا من السلطة الاجتماعية. ومن هنا، فإن كل من ينتقد المدرسة، فهو يصفي حساباته مع السلطة السياسية، حسب قول ساعف.

هناك صعوبات كثيرة فعلا، كما يرى الوزير المغربي السابق، لكن هناك هامشا لحركة الإصلاح. إذ «يجب أن نعترف بأن هناك إصلاحات مهمة في السياسة العمومية، التي أصبح عمرها لا يتعدى خمس سنوات»، كما يقول. من جانب آخر، ينبه ساعف إلى أن المعدلات العالية لا تدل على أن الطالب الذي حصل عليها سيتفوق في دراساته الجامعية. هنا، يرى أن اختيار الطلبة في بعض الشعب والكليات بناء على النقاط المحصل عليها هو اختيار ملتبس، حيث يذكر أن الدراسات تبين «أننا خلقنا نخبوية فارغة وغولا رهيبا على المستوى الوطني»، إذ يخلص إلى أن مسألة الاستحقاق في الحالة المغربية أوصلت المجتمع إلى حالات مَرَضية خطيرة تستدعي مراجعة آنية جذرية.

يرجع كايد هاشم، عضو منتدى الفكر العربي في الأردن، إشكاليات وأزمات العالم العربي إلى تحولات المنظومة التعليمية والعولمة والثورات التكنولوجية المتلاحقة، وكذا الأوضاع الداخلية، التي تفجرت بأشكال مختلفة والتحولات العامة الناتجة عن ذلك.

أما أحمد أوزي، الباحث المغربي في كلية علوم التربية في الرباط، فقد تناول في مداخلته مجمل مظاهر الثورة الرقمية وانعكاساتها على مظاهر الحياة الثقافية والاجتماعية والاقتصادية. إذ يوضح مدى التحول العميق الذي أحدثته هذه الثورة في المجتمعات العربية والعلاقات الإنسانية، إلى جانب تركيزه على انعكاساتها على مجال التعليم وتأثيرها في بنياته ونظمه ونوع الكفاءات والمهارات المتداولة في مقرراته وبرامجه، وكذا علاقته بسوق العمل، إلخ. أضف إلى هذا تحليله لأدوار ومهام الوسائل التكنولوجية الحديثة في العملية التعليمية/ التعلمية، ودور الذكاء الصناعي في تحقيق جودة التعليم. هنا، يؤكد أوزي على ضرورة أن يعي المدرس المستجدات التعليمية الجديدة، بغية مساعدة المتعلمين على التكيف معها والمساهمة في أن تساير المدرسة التحولات التي تفرضها الثورة المذكورة.
بدوره، يرجع كايد هاشم، عضو منتدى الفكر العربي في الأردن، إشكاليات وأزمات العالم العربي إلى تحولات المنظومة التعليمية والعولمة والثورات التكنولوجية المتلاحقة، وكذا الأوضاع الداخلية، التي تفجرت بأشكال مختلفة والتحولات العامة الناتجة عن ذلك. إذ يعتبر أن هذا الواقع يؤشر إلى انخفاض جودة التعليم وانخفاض النتائج الاقتصادية وارتفاع البطالة، موضحا أن الدول العربية لا تستفيد من نسبة الشباب ممن تقل أعمارهم عن 30 سنة، التي تصل اليوم إلى 66%؛ أي ما يعادل 100 مليون شاب عربي.
وترى القاصة والروائية الجزائرية عائشة بنور أن أسباب فشل التعليم لا يعود إلى الموارد البشرية، وإنما إلى غياب المناخ الديمقراطي في البلدان العربية، وقمع الحريات، وبروز ظواهر التعصب والتطرف الديني الناتجة عن سيادة الجهل وتفشي الأمية. وفي الآن ذاته، تعتبر أن الرهان الأساس لإصلاح التعليم يكمن في التركيز على صناعة أجيال المستقبل، من خلال بناء شخصية الطفل. كما تراهن بنور على محاربة الغزو الثقافي الأجنبي الذي يضرب الهوية والقيم العربية في الصميم، لكن مع الأخذ بعين الاعتبار تطوير المنظومة التعليمية في علاقتها بالثورة التكنولوجية والبحث العلمي. فهل يمكن للعالم العربي أن يضرب موعدا مع إصلاح المنظومة التربوية؟ وهل يمكنه أن يصنعه بإمكاناته الذاتية؟ هذا الأمر ممكن، لكنه يمثل تحديا كبيرا في الوقت الراهن. يقتضي هذا التحدي الرامي إلى إصلاح المنظومة ضرورة احترام التعددية (التي تمثل خصوصية في الآن ذاته) داخل كل دولة عربية، والحرص على تحقيق الوحدة من خلال هذه التعددية وبناء الانسجام والتماسك بينها، من خلال تعميم المعرفة، حسبما يراه عبد اللطيف عبيد، وزير التربية التونسي السابق. فإلى جانب الغزو الأجنبي المتزايد، الذي يعتبره عبيد غزوا سافرا، يكمن أكبر خطر في التعليم غير الحكومي، الذي يهمش اللغة العربية في مجالات تدريس العلوم، ويرتكز في ذلك على اللغات الأجنبية، الفرنسية بالخصوص.
وينطلق الباحث المختار بنعبدلاوي، في حديثه عن معضلة التعليم من التجربة المغربية، لكونها تتقاطع كثيرا مع التجارب المغاربية، وتتشابه اليوم أكثر فأكثر مع عدد من التجارب العربية. إذ يرى أن المخاطر الكبرى التي يطرحها تغييب المقاربة الإدماجية اليوم تتمثل في أن المضي في عملية الخوصصة سوف يؤدي ليس فقط إلى تهميش مؤسسات التعليم العمومية (بسبب الفوارق في الموارد والوسائل الديداكتيكية والخبرات المتراكمة)، وإنما أيضا إلى تمكين أبناء الطبقات العليا والمتوسطة من تحسين وضعياتهم باستمرار، مقابل التهميش المتزايد للتلاميذ من الطبقات الدنيا، في ظل انعدام تكافؤ الفرص. أما الحل، فيكمن، حسب قوله، في «ألا تبقى المدرسة جزيرة معزولة داخل الحي، ترتفع أسوارها كحاجز كبير بينها وبين العالم المحيط بها، بل أن تنفتح على هذا المحيط وأن تتفاعل معه، وهذا ما يمكن أن يوفر لها تواصلا حيا مع المجتمع، وأن تستقطب عددا من الموارد، وفي الوقت نفسه، أن توفر لتلاميذها الحماية من مخاطر العنف، وترويج المخدرات، وأشكال الاستغلال التي يمكن أن يتعرض لها الأطفال، وهو أمر لا يمكن أن يتحقق إلا إذا حافظت المدرسة العمومية على موقع مركزي في المنظومة التعليمية، وإذا تم تأهيلها وإعادة الاعتبار لها».

القدس العربي

مشرق نيوز

About Author

Comment here