موشيه دايان: إذا أردت أنْ تبحث عن العدل، فلن تجد إسرائيل، وإذا أردت أنْ تبحث عن إسرائيل فلن تجد العدل.

زهير أندراوس -كاتب عربي من فلسطين

(1)

رئيس الوزراء الإسرائيليّ، بنيامين نتنياهو، هو ابن المؤرّخ الصهيونيّ، بن تسيون نتنياهو، الذي آمن طيلة حياته بأنّه لا يوجد شيء اسمه الشعب الفلسطينيّ، وبالتالي فلا غرابةً من أنّ نجله، رأس الهرم السياسيّ في دولة الاحتلال، ترّبى وترعرع في بيئةٍ عنصريّةٍ، إنْ لم تكُن فاشيّةً، واكتسب مُعتقداته وأفكاره السياسيّة من البيت الذي كان سُكّانه ورُوّاده يكرهون كلّ ناطقٍ أوْ ناطقةٍ بالضاد، وربمّا هذه التربيّة أوصلت رئيس حكومة الدولة العبريّة منذ العام 2009 إلى قناعةٍ تامّةٍ بأنّ نظرية والده هي الصحيحة، وبالتالي، فإنّ الرجل يسعى من هذا المُنطلق إلى تطبيقها على أرض الواقِع، ذلك أنّ حالة الإنكار التامّة لوجود شعبٍ آخر يعيش في فلسطين، انتقلت مع السنوات من حالةٍ، وليس عاهةً، عابرةٍ إلى مُستديمةٍ، ووفقها يتّم التعامل مع “العرب في أرض إسرائيل”، وفق تسمية اليمين العنصريّ، الذي ينتمي إليه نتنياهو، لا بلْ بالأحرى يقوده ويقود كيان الاحتلال إلى دولةٍ واحدةٍ لشعبين، وهو الأمر الذي يُحذّر منه ما يُطلَق عليه اليسار الإسرائيليّ-الصهيونيّ، فهذا الأخير لا يقّل عنصريّةً عن اليمين المُتطرّف، ويتعامَل مع العرب، ومع الفلسطينيين بشكلٍ خاصٍّ، من مُنطلق الاستكبار والفوقيّة، وهو يُريد حلّ القضية الفلسطينيّة بشكلٍ أوْ بآخر، أيْ دولة منقوصة السيادة، ليس لأنّه وقع في حُب الحُريّات وغرام تقرير المصير، بل من أجل المُحافظة على الصبغة اليهوديّة لدولة إسرائيل، ومن هنا، نقول بحسرةٍ وألمٍ شديديْن، إنّ التعويل على الـ”يسار الصهيونيّ”، كما تفعل السلطة الفلسطينيّة في رام الله، هو تعويم القضية والطحن في الهواء، وللتذكير فإنّ اتفاق أوسلو، سيء الصيت والسُمعة، بين إسرائيل وبين منظمّة التحرير الفلسطينيّة، تمّ التوقيع عليه من قبل الـ”يسار الصهيونيّ”، وها بعد مرور أكثر من ربع قرنٍ على هذا الاتفاق الـ”تاريخيّ”، نرى بأمّ أعيننا بأنّ مَنْ سعى إليه من الطرف الفلسطينيّ، أعاد عقارِب الساعة إلى الوراء، ودفن النضال مع الشهداء، الذين قدّموا أنفسهم على مذبح حريّة شعب فلسطين.

(2)

وبما أننّا أتينا على ذكر الـ”يسار”، فلا بُدّ من التذكير بأنّ المؤرّخ والنائب السابق في الكنيست الإسرائيليّ، مردخاي بار-أون، من حركة (ميرتس)، الـ”يساريّة” أصدر أخيرًا كتابًا جديدًا استعرض فيه مسيرة وزير الأمن الإسرائيليّ الأسبق، موشيه دايّان، (1915-1981)، الذي قال بعد عدوان حزيران (يونيو) من العام 1967، إذا أردت أنْ تبحث عن العدل، فلن تجد إسرائيل، وإذا أردت أنْ تبحث عن إسرائيل فلن تجد العدل. ومن الأهميّة بمكان، التشديد على أنّ دايّان، انتمى لحزب العمل الإسرائيليّ، الذي قاده فيما بعد رئيس الوزراء الأسبق، يتسحاق رابين، الذي وقّع على اتفاق أوسلو مع الفلسطينيين. وكشف الكتاب النقاب عن أنّ دايّان كان بمقدوره في عدوان حزيران (يونيو) 1967 الامتناع عن احتلال القدس الشرقيّة والضفّة الغربيّة، ذلك لأنّ الجيش الأردنيّ لم يؤثِر في معاركه على مجرى الحرب، ولكنّ دايّان لم يتمكّن من كبح غريزته، إذْ أنّ إسرائيل، بحسب المُحلّل والمؤرّخ توم سيغف من صحيفة (هآرتس)، الذي استعرض الكتاب، بقرارها احتلال الضفّة وجهّت رسالة بأنّها تنازلَت عن السلام، مُضيفًا في الوقت عينه بأنّ الكتاب يتجاهل تشريد مئات آلاف الفلسطينيين والسوريين من الضفّة ومن الجولان العربيّ السوريّ. وخصص المؤلّف جزءً من كتابه تناول فيه علاقة دايّان بفلسطينيي الداخل، حيث قال إنّه عمل من أجل تطوير حياةٍ مُشتركةٍ بين الشعبين، ولكنّ وجهة نظره لم تتعدّ التفكير الإقطاعيّ من العصور الوسطى وتعامله مع العبيد في مزرعته، وعندما كان قائد المنطقة الشماليّة في جيش الاحتلال، استغلّ الحكم العسكريّ، الذي كان مفروضًا على فلسطينيي الداخل (1948-1966) لكي يُصادِر المزيد من الأراضي العربيّة لبناء المستوطنات اليهوديّة ضمن مشروع تهويد الجليل، الذي ما زال مستمرًا حتى يومنا هذا.

(3)

المُشكلة أوْ أكثر تدقيقًا استخدام مُفردة المُعضلة، تكمن في أنّ الوطن العربيّ، من قياداتٍ وشعوبٍ، لا يفقه للأسف الشديد هذه الأمور، ويعتقد أنّ إسرائيل مُنقسِمة على نفسها بين يمين ومركز ويسار، وفي حقيقة الأمر، نحن الذين نعيش تحت الحكم الإسرائيليّ داخل الخّط الأخضر، بتنا نفهم أنّه لا فرق بين هذا الصهيونيّ أوْ ذاك، لأنّ الصهيونيّة بمفهومها المبدئيّ هي حركة استعماريّة توسّعية لا تقتصِر مطامعها على فلسطين التاريخيّة، بل تتعدّى ذلك بكثيرٍ، وتعمل على استباحة الوطن العربيّ من مُحيطه إلى خليجه إنْ كان بشكلٍ مُباشرٍ أوْ عبر طُرُقِ التفافيّةٍ، ونؤكّد أنّها استطاعت تحقيق النجاح تلو الآخر في هذه الخطّة الجهنميّة لأسبابٍ عديدةٍ، وفي مُقدّمتها الضعف والهوان العربيين، وتشرذم الأنظمة العربيّة الحاكِمة، ونميل إلى الترجيح بأنّ أكبر انتصارٍ حققته الصهيونيّة بدون قتالٍ، يبرُز بوضوحٍ في أنّها تمكّنت من إقناع الدول العربيّة، المُصنفّة إسرائيليًا وأمريكيًا بالدول العربيّة السُنيّة، بأنّ عدوّ الأمّة العربيّة ليست إسرائيل، إنمّا الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة، وهذا التغيير الإستراتيجيّ في رؤية العرب، وتحديدًا دول الخليج، بقيادة المملكة العربيّة السعوديّة، وَضَعَ القضيّة الفلسطينيّة في الثلاجّة، وأصبحت “قضية العرب الأولى” مسألةً هامشيّةً في الصراع الصهيونيّ-العربيّ. بكلماتٍ أخرى، قدّم العرب من أجل الحفاظ على أنظمتهم واستمرارية حكمِهم قضية فلسطين قُربانًا على مذبح التطبيع مع الدولة التي أُقيمت على أنقاض هذا الشعب، ولا نتجنّى على أحدٍ إذا جزمنا بأنّ العديد من الأنظمة العربيّة، وهي بطبيعة الحال رجعية وتابعة بالمُطلَق لسيّد البيت الأسود، دونالد ترامب، تَصرُف الغالي والنفيس من أجل وقف التمدّد الشيعيّ، وفق المُعجم الرجعيّ-الإمبرياليّ-الصهيونيّ، المُتمثّل في إيران وحليفاتها من سوريّة وحزب الله اللبنانيّ وقوى “شيعيّة” أخرى، وبشكلٍ خاصٍّ في العراق، ويُمكننا القول الفصل إنّ الطائفيّة هي من موبقات الاستعمار، لكنّ المذهبيّة هي من صُنع البيت العربيّ، وهنا تتجلّي المأساة بكلّ بشاعتها، إذْ أنّ الطائفيّة هزمتنا دون قتالٍ، والمذهبيّة في طريقها لدحرِنا بالحديد والنار، أيْ أنّ الأمّة العربيّة أصبحت على مُفترق طُرُقٍ، من الصعب، إنْ لم يكُن مُستحيلاً، أنْ تلتقي فيه الأطراف العربيّة المُتنازِعة، وهذه النكسة، لا تقّل خطورةً عن النكسة التي لحقت بنا في عدوان حزيران (يونيو) من العام 1967

(4)

ولكي نضع الحروف على النقاط، نورِد في هذا السياق تصريح رئيس الوزراء الإسرائيليّ نتنياهو، الذي اعتبر أنّ التهديد النابع من إيران أسفر عن تطبيعٍ بين إسرائيل ودولٍ عربيّةٍ، مشيرًا إلى أنّ العديد من الدول العربيّة تنظر إلى إسرائيل الآن ليس كعدوٍ لها بل كحليفٍ في التصدّي للعدوان الإيرانيّ، وأنّه لم يكُن يتخيّل أنْ تصل العلاقات إلى ما وصلت عليه في حياته. ومن ناحيته، أكّد المُحامي الإسرائيليّ يوئيل زينغر، من مُهندسي أوسلو، أنّ الاتفاق فتح الباب على مصراعيه أمام الدولة العبريّة لتطبيع علاقاتها مع الدول العربيّة. والمزج بين التصريحين يقودنا إلى الإقرار بأنّ العداء لإيران، هو تكملة لاتفاق أوسلو، في كلّ ما يتعلّق بأمن إسرائيل ومصالحها الإستراتيجيّة في استباحة الوطن العربيّ والهيمنة عليه

(5)

والسؤال الذي يجب أنْ يُطرح بصراحةٍ كبيرةٍ وبشفافيّةٍ أكبر: مَنْ الذي منع الدول العربيّة، التي تتذّرع بالبرنامج النوويّ الإيرانيّ لمُعاداة هذه الدولة، مَنْ منعَ هذه الدول من تطوير البرامِج النوويّة؟ إيران، ونحن لا نُدافِع عنها، إنمّا نقول الحقيقة، اتخذّت قرارًا إستراتيجيًا بتطوير برنامجٍ نوويٍّ للحفاظ على أمنها القوميّ ومصالحها الإستراتيجيّة، قد نختلِف معها أوْ لا نؤيّدها في ذلك، لأننّا مبدئيًا مع شرق أوسطٍ خالٍ من الأسلحة غيرُ التقليديّة، ولكن بمُوازاة ذلك، نقول جازمين إنّ امتناع الدول العربيّة الـ”مُعتدلِة” عن الشروع في البرامج النوويّة، حتى السلميّة منها، هو كونها دولاً تابعةً بالمُطلَق لأمريكا، التي كانت وما زالت وستبقى رأس الأفعى، وتنشَط بكبرياءٍ واستعلاءٍ من أجل احتقار الزعماء العرب الذين يدورون في فلكها، وتُطالِبهم على الملأ بدفع فاتورة حمايتهم من قبلها، وتصريحات ترامب الأخيرة ضدّ العاهِل السعوديّ، الملك سلمان، نعتبرها انتقاصًا واستخفافًا وإذلالاً لكلّ عربيٍّ ومُسلمٍ، ذلك أنّه مهما بلغت مُعارضَتِنا لسياسات النظام السعوديّ، تبقى المملكة بلدًا عربيًا ومُسلمًا، يتحتّم على “سمسار أمريكا” أنْ يحترمه، ونُنوِه في النهاية إلى أنّ مَنْ لا يحترِم نفسه، لا يحّق له، لا أخلاقيًا ولا وطنيًا، أنْ يُطالِب الآخرين باحترامه.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة تعبّر عن رأي صاحبها حصراً