دون بناء المواطن لذاته لا بناء للوطن

 

لبنان- إيلي أنطون شويري

إن بناء الذات يبدأ منذ الطفولة، في البيئة الإنسانية الطبيعية، السليمة، على يد الأهل في البيت والمعلمين في المدرسة، من خلال تعلم النطق والقراءة والكتابة والتفكير وقواعد محبة القريب والسلوك الحسن والتربية المدنية الوطنية، ومن خلال الإحتكاك والتلاقي بشركاء الوطن الأطفال والراشدين، والتعرّف عليهم. وحين يبلغ الطفل سنّ الرشد، يستطيع أن يتّكل على نفسه ليزداد ثقافة، ومعرفة، ووعيا، وقدرة من أجل متابعة بناء ذاته بناءًا قويا، في المجتمع، كي يتمكن، وحده، من مجابهة مصاعب الحياة وتجاربها القاسية التي لا مفرّ منها، والإنتصار عليها.

بعد انتهائه من مرحلة الطفولة والمراهقة، يصبح الإنسان مالكا لقدْرٍ مُعيَّن، كافٍ، من النضوج وقوة الشخصية، وقادرا على الإتكال على نفسه في متابعة بناء ذاته، أي تربية عقله وإرادته وشخصيته، ومُلِمًّا بمبادىء وقواعد الأخلاق والسلوك القويم التي تلقّنها خلال مراحل التربية، والتي تَختصِرُ ما يُسَمّى بالقيم والمثل العليا والفضائل، والتي لا بدّ من معرفتها وممارستها في جميع أطوار نموِّهِ، من أجل السير، بخطى ثابتة، على درب تحقيق بناء ذاته الطويل والوعر.

إن بناء الذات عمل خفيّ، غير مرئيّ، صامت، يتمّ في داخل الإنسان العاقل، بنسب من الكمال متفاوتة بين إنسان وآخر، وتظهر نتائج هذا البناء الإيجابية في المجتمع المليء بضجيج بناء الأشياء المادية الظاهرة للعيان، من خلال سلوك الإنسان ونطقه.

بناء الذات هو أساس بناء الوطن. معلوم أن الوطن كيان ماديّ يعني الأرض والمدن والقرى وكل ما يبنيه الإنسان لتلبية حاجاته النفسية والجسدية. ومعلوم أيضا، أنه، و بالدرجة الأولى، كيان معنويّ، اي مجموعة أفراد. الوطن شعب وأرض. ولكنه ليس كمية ووزن عدد الأفراد، أي قوة مادية وحسب. الوطن هو مجموعة أفراد واعين، عقلاء، لكل فرد شخصيته المميَّزَة. كل فرد هو، بحدّ ذاته، “قيمة” إنسانية فكرية وأخلاقية وروحية تستحقّ الإحترام. الوطن، إذًا، كيانٌ ماديٌّ ومعنويٌّ، يكبر ويعظم ويُبنى بناءًا صلبا إذا كان أفراده موحَّدين، قد
بنوا ذواتهم بناءًا صلبا، بالوعي والإرادة، على صخرة القيم والفضائل ومبادىء الأخلاق.

إن بناء الوطن المادّي يأخذ شكلا ملموسا ومرئيا ومسموعا (بعكس بناء الذات) من خلال بناء البيوت والقصور والقلاع والقرى والمدن والمعامل والمصارف، ودور العبادة والسجون وثكنات الجيش والقوى الأمنية، وبناء المستشفيات والمستوصفات ودور الأيتام والعجزة والمدارس، وأماكن اللهو واللعب والرياضة والسياحة والمطاعم والفنادق، وبناء الجسور والسدود وشقّ الطرقات، وخلق الحدائق العامة، والحفاظ على البيئة من كل أنواع التصحّر والتشوّه والتلوث، إلخ… مع الإهتمام ببناء كل ذلك، بناء الوطن ينبغي أن يعني بناء الإنسان الذي يسكن هذا الوطن، وهو المكوّن الأساسي لهذا الوطن، وهو بانيه. إنه، كإنسان، أثمن وأهمّ من أي شيء آخر. من أجله وحده تقوم كل مشاريع البناء والعمران. ومن أجله، ثمّة دولة قد اختارها هو وسائر شركائه في الوطن، من خلال صوته في صندوق الإقتراع، لتخدمه، وتعمل لتحقيق أمنه وأمانيه وازدهاره وسعادته.

هذه حقائق بسيطة، بديهيّة لا لزوم للتأكيد عليها، غير أنها غائبة (أو مُغَيَّبة عمدا) عن ذهن معظم أفراد الشعب اللبناني، وغائبة عن ذهن معظم الساسة وحلفائهم من رجال أعمال ومال، الذين تعمي أبصارَهم أطماعُهم وروحُ الشراهة والربح، والذين يتميّزون بالأنانيّة والكبرياء والغرور والكيدية و”الثعلبة”، وبقصر النظر وانعدام الرؤيا البنّاءة، وليست أبدا تلك الحقائق مصدرَ الوحيِ المُلهِمِ والمحرّكِ لتفكيرهم وسلوكهم.

إذا كان بناء الإنسان يعني، بكل بساطة، بناء أخلاقه وعقله وثقافته وشخصيته وصحّة جسمه وسعادته، منذ الصغر، في العائلة والمدرسة (كما ألمحنا أعلاه) بناءًا صحيحا، سليما، يُؤَسَّسُ تأسيسا قويا صلبا، في بيئة نظيفة، على غذاء نظيف، وتربية واعية، متينة، على كل ما له صلة بالفضائل ومبادىء الخير والحق والجمال والصِّدق والوفاء والإخلاص والمحبة، واحترام الشخص الآخر، الإنسان الشريك في الوطن، فأين نحن، يا ترى، من كلّ ذلك؟

ما أسهل الكلام عن بناء الوطن اللبناني على لسان بعض الساسة، وهم، في الواقع، يمعنون في تهديم إنسان الوطن وبيئة الوطن، ويركزون فقط على بناء قصورهم وأسوارهم وجيوشهم الخاصة لحماية أرواحهم وعائلاتهم وممتلكاتهم وخزنات مالهم وذهبهم السرية، وإطالة أعمارهم. وما أصعب تحقيق هذا البناء في الواقع الذي يعيشه الشعب كل يوم، والذي تتفاقم فيه روح القرف والحقد والغضب والعنف، والهموم والمشاكل والمآسي، ولا تغيب عن سمائه شمس الأحزان، لدرجة أن وطننا لبنان بشعبه المسكين، وبشعبه فقط (كون السياسيين في دنيا أخرى هي أقرب إلى النعيم)، يبدو، ودون أية مبالغة، كمنطقة إنسانية منكوبة معنويّا، وصحّيّا، وأخلاقيّا، وإقتصاديّا، تماما كمشهد الكوارث التي تحلّ بالأرض حين يضربها جنون النيران والزلازل والفياضانات والأعاصير والحروب والأمراض والجوع.

كلمة “وطن” قد أُفْرِغَتْ كليّا من معانيها السّامية النبيلة، لفرط استعمالها بشكلٍ آليٍّ، خالٍ من أي روح، على لسان الساسة والإعلاميين والشعب، جرّاء فقدان الإيمان الصادق والقويّ بالقِيَم الروحية والأخلاقية في عالم المادّية الملحدة الطاغية، لا بل لم تَعُدْ هذه الكلمة تُسْتَعمَلُ إلا في ما ندر. أمّا معانيها السامية النبيلة فهي تُختصَرُ بقدسية تراب الأرض ووجود الشعب، وبقدسيّة ذكرى كل من ضحّى واستشهد في سبيل بقاء الأرض الخصيبة وشعبها المقاوم من أيام الجدود حتى الساعة، وباحترام هذه القدسية، وبالمحافظة على روح الخير والبذل والعطاء والتضحية في نفوس اللبنانيين، وروح وحدة التراب والشعب والمصير، وروح المشاركة الأخوية الحارّة، الحميمَة، مع شركاء الوطن الواحد الأحياء، بالتنعم بخيرات وطن هو وطن فريد بأرضه وبمواطنيه، وبالتحضّر دائما من أجل الدفاع عنه ضدّ قوى الشرّ المستفحلة.

في لبنان، نسمع كلمة “وطن”، وبالصدفة، في نشيدنا الوطني، “كلنا للوطن”، ولا نتوقّف عندها لنتأمل في جمال معانيها. وبعض اللبنانيين يخاطبون أفراد الجيش، إحتراما وتقديرا، ب”يا وطن”. ونسمع مشتقاتها، مثل “توطين”، في تعابير تختصّ بتوطين اللاجئين إلى لبنان من الجوار هربا من الإضطهاد، أي بإبقائهم في ارض الوطن إلى الأبد. ونسمع ب”توطين” المال في المصارف أي إيداعه. ونسمع، بكثرة، كلمة “وطنية” في التعبير الذي أصبح مبتذلا، بلا معنى، لفرط ما تلوكه ألسنة معظم الساسة غير الصادقين، ألا وهو “المصلحة الوطنية العليا”، وكذلك كلمة “وطنيّ” (مقابل “غير وطنيّ”) للدّلالة، ولو كذبا، على سياسيّ ما يظنّ بأنه يحبّ وطنه وحده ويخلص له أكثر من سائر الساسة، وكلمة “مواطن” وهو إبن “الوطن” وساكنه، وشريك لسائر “المواطنين” في “المواطَنَة” أي في الإنتساب إلى الوطن الواحد في حبّه وفي بنائه، وفي ممارسة الحقوق والواجبات تجاهه، تحت جنح دولة مؤسسات وقانون ونظام عادلة، قوية، وبحماية العين الساهرة لجيش قويّ، ولقوى أمن قوية.

الكلمة البديلة ل”الوطن” المستعملة بكثرة من الشعب والإعلاميين والساسة على حدّ سواء، هي “البلد”، مع ما تتضمنه وتحويه وتعنيه من بلادة ذهن وجفاف عاطفة وموات روح. وكلمة “بلديّ” يطغى استعمالها اليوم بكثرة على منتوجات “البلد” غير المستوردَة، وغير الإصطناعية، التي لا غشّ فيها، كالخضار والفواكه، مثلا، والبيض واللحوم والحليب ومشتقاته، والعرق. وكلنا نعلم ما يُكتشَف ، كل يوم، في هذا “البلد”، من غشّ وتلوث وضرَر بصحة “المواطنين” في بعض هذه المواد الفاسدة، وفي غيرها كمياه الشرب والأدوية، وخاصة من ناحية انتهاء صلاحية الإستعمال. كلنا نعلم كم من حالات تسمّم تصيب “المواطنين”، في هذا “البلد”، مع مطلع كل شمس جرّاء طمع التجار بالربح الوفير والسريع، وجرّاء قساوة قلوبهم وانعدام الضمير فيهم، حين يروّجون ويسوّقون لبضائع “بلدية” وأجنبية فاسدة، بتغطية من بعض المسؤولين في الحكم الذين لا يجرؤ القضاء أن يطالهم، وجرّاء استهتارهم بشركاء الوطن واحتقارهم لهم، وإهمال واجباتهم تجاههم. شركاء الوطن هم الذين أوكلوا أمرهم لهؤلاء المسؤولين ووثقوا بهم، من خلال انتخابهم بحماس، ليخدموهم ويحموا مصالحهم الحيوية وصحتهم ووجودهم، لا ليغدروا بهم.

إن وطننا لبنان بحاجة إلى بناء ذاته بسرعة قبل أن ينهار، نهائيا، تحت ضربات وغزوات المعتدين، وتحت ضربات إهمال ساسته وأطماعهم، وتعاطف وتواطؤ البعض منهم مع من يحاول هدم هذا الوطن من دول الخارج وإرهابيّيهم، فيصبح من الصعب، أو حتى من المستحيل، انتشاله من أنقاضه وبناؤه من جديد.

إن وطننا لبنان بحاجة لكل أبنائه وكل نخبه القيادية في عملية البناء هذه، للعمل معا كفريق واحد، منسجم، له هدف واحد نبيل، ورؤيا مستقبلية مشرقة، واعدة، واحدة، لا كما هي الحال المعيدة لذاتها بشكل تافه، سخيف، عبثي، لا يؤذي إلا الشعب اللبناني وحده لا الزعماء السعداء دائما، من زمان بعيد حتى اليوم:

-فريق يحاول أن يبني وطنا ماديا ومعنويا، وطنا لكل أبنائه، ينسجمون فيه، معا، ويتفقون، في تنوعهم الحضاري الغني، وطنا سيدا، حرا، مستقلا، قويا، مزدهرا، ذا رسالة إنسانية فذّة.

-وفريق آخر يهدّم، وطنُه وطن وهميّ في الخارج، وقلبه في الخارج.

-فريق يقاوم ضدّ عدوّ الوطن وضدّ أصدقاء هذا العدوّ.

-فريق آخر مع العدوّ ومع أصدقاء هذا العدو،ّ يعمل، بالسر والعلن، ضدّ الفريق المقاوم.

نتيجة لذلك الوضع الشاذّ، تتم عرقلة كل المشاريع وشلّ كل التشريع، ويكثر العباقرة والفلاسفة والفقهاء بين الساسة والإعلاميين والأتباع، وكلهم على حقّ، ولا أحد على خطأ، وتنتعش وتزدهر فنون النقاش والتأويل والتفسير حول جنس الملائكة والأبالسة والقوانين والدساتير والأعراف، ولا أحد يعترف برأي أحد. وتسهل، في جوّ اللغط والفوضى المفتعل هذا، عملية كسر القوانين بوقاحة لا حدود لها، وباقتناع كامل، من قبل بعض المستقوين في الحكم بألسنتهم السليطة، وبغناهم الفاحش بفضل سكناهم الأبدية في مزرعة الدولة-البقرة الحلوب، وبكثرة عدد أتباعهم وسلاحهم، وبدعم الخارج المالي والمعنوي. ويكثر الحديث دائما، بشكل مضخَّم، عن الظروف الأمنية الإستثنائية التي يمرّ بها هذا “البلد”، والمخاطر الكبرى على أشياء وهمية ك”الوجود” و”الكيان” و”الإستقلال”، وعن ضرورة الإتفاق، ولا يتفقون، وعن ضرورة تنفيذ المشاريع ولا ينفذون شيئا، وعن ضرورة تأليف الحكومة بأسرع وقت وهم يختلفون على الحصص والأوزان والأحجام، ويتقاذفون التهم بالتعطيل مرفقة بقصائد هجاء لبعضهم البعض وقصائد فخر بأنفسهم.

إن المرة الوحيدة التي اتفق فيها الساسة فيما بينهم، ومروا بشهر عسل قصير، ولكن نادر الجمال، والشعب يتجرّع المرارات من القهر والخوف وغلاء المعيشة، كانت حين اقتنعوا جميعهم، بوحي فجائيّ من “الروح القدس”، بضرورة التمديد لولاية المجلس النيابي، وتأخير الإنتخابات النيابية، وزيادة رواتبهم، وزيادة الضرائب على الشعب، وإبقاء الحدّ الأدنى للأجور على حاله. وهذا هو الشيء الوحيد الذي يتفقون عليه (يعني يتفقون على الشعب لا من أجله) بأسرع من البرق ورمشة العين ولمح البصر.

كل ذلك السلوك المرائي، الخبيث، المستهجَن، الهدام لحياة الشعب والوطن، والبنّاء لعزّ ومجد وعظمة وبحبوحة الساسة وحدهم، الذين تحركهم روح الطمع والكبرياء والتملّك والسيطرة والنكاية والكيدية والإنتقام، في كل ما يعني مصلحة الشعب، إنما هو من أجل إثبات الوجود، وتمرير أو تعطيل مصالح وصفقات ومشاريع، بقناع “وطني”. سلوكهم لا يمتّ بأية صلة إلى المعنى الأصيل لكلمة “وطنيّ”، ولا للمعنى الحقيقيّ ل”بناء الوطن”.

إن الجوّ الذي يروق للساسةُ أن يُغرِقُوا فيه الوطنَ اللبناني، ليس جوّ بناء وعمران وسلام وثقة وأمل بمستقبل أفضل. إن مزاج “المواطنين” دائما عكر، سيّء. أما مزاج الساسة فيتعكّر ويسوء ويصفو بحسب رياح و”مناخ” مصالحهم الخاصة، غير أنهم دائما سعداء وحدهم. أما الشعب فهو دائما، بعكس زعمائه، غير سعيد.

إن الزمن ليس زمن مواعظ وعتاب واتهام اللبنانيين بعضهم لبعض بالتقصير في أداء الواجب “الوطني”. إنه زمن البناء وحسب. والبناء هذا لن يتمّ ودول الخارج تتحكم بشكل ظاهر، علنيّ، وقح، برقاب زعمائنا الخاضعين لمشيئتها، وبإرادتنا الوطنية. هذه الدول لا تريد خيرنا، وهي تدّعي معرفة ما هو خير للوطن اللبناني أكثر من أبنائه. هي تريد فقط، وبقوة المال، أن تسود على الوطن وتفرض عليه مشيئتها من خلال فريق عملها اللبناني الناشط، ومن خلال مبدأ “فرِّقْ تسُدْ”، لإرضاء وإراحة وتقوية الكيان العنصري التلمودي في أرض فلسطين، وتحقيق مشروع “شرق أوسط جديد” بعد إشعاله وتخريبه وتهديمه وإذلاله، تابع لمنظومة “النظام العالمي الجديد”، تحت حكم أهل التلمود. والشعب اللبناني هو وحده الضحيّة، وبعض ساسته القلائل جدا، الصادقين.

إن دعوة المواطنين اللبنانيين بكل فئاتهم وكل نخبهم لبناء وطنهم معا، ولتحقيق الوحدة فيما بينهم، أمرٌ لا مفرّ منه، ولا ضرر منه، ولو لو لم يُؤتِ بثمار جيدة في فترة زمنية قصيرة. في الحقيقة، إن الدعوة موجهة أكثر، وبنوع خاص، إلى “النخبة” السياسية الفاعلة اليوم على الساحة اللبنانية. علينا أن نقبل بهذه النخبة على علاتها، رغم انتقادنا لها، لأنها أمرّ واقع، أو “شرٌّ” لا بدّ منه (إذا صح التعبير، وهو، بالفعل، يصحّ) لا يمكن التخلص منه بسهولة وبسرعة حتى في صناديق الإقتراع، على ما يبدو(بعد نتائج الإنتخابات الأخيرة “المعلبة” بحسب قانون طائفيّ سيّء جدا، قد سُمِّيَ، بخبث، للتمويه، بال”نسبيّ”)، ولأننا نفكر ونتكلم ونكتب ونتصرف بوحي من روح المحبة للوطن بشعبه وأرضه. هذه النخبة، كما هو معروف من الجميع، ومنها هي بنوع خاص، مهما قرّرَتْ ومهما فعَلتْ، فالشعب الذي حدَّدَ بمعظمه ولاءاته واصطفافاته السياسية والمذهبية والطائفية سلفا، سوف يوافق، دون نقاش، على أي شيء يقرّره أو يفعله زعماؤه. لذلك يسهل جدا تقاسم الشعب بين الزعماء قبل الإنتخابات، ويسهل جدا إرضاء الشعب بعد الإنتخابات التي تحصل ضمن قانون مدروس بدقة لصالح الزعماء التقليديين والجدد، وضمن لوائح وتحالفات ذكية، محدّدة، تمنع حرية الحذف والتشطيب والإختيار، في كل زاوية من لبنان وبلدان الإغتراب. غير أن الشعب المخلص لزعمائه ولطوائفه مشتاق أيضا، وبقوة، إلى الخلاص من حالات القهر التي يعيشها بسبب النفور بين زعماء الوطن الواحد، والسلام الحقيقي الدائم في داخل الوطن اللبناني، وإلى بناء الثقة والإتفاق والوئام والمحبة بين كل المواطنين اللبنانيين. لذلك، فإن أمر بناء الوطن، وأمر بناء وحدته واستقلاله وحريته وأمنه وازدهاره، متعلق، بالدرجة الأولى، بالزعماء وبمدى حسن نيتهم وصدقهم، وبدوائر الإعلام التابعة لهم.

إنه مشروع بناء للوطن عظيم، ينبغي على زعماء الطوائف والإعلاميّين وكل النّخب، إن كانوا يريدون، حقا، الخير للمواطنين اللبنانيين ولأنفسهم، البدء بالتخلي عن كبريائهم وعنفوانهم، وبالتضحية بمصالحهم الخاصة، والبدء بمشروع البناء بسرعة، بناء البشر والحجر والشجر، لأنّ الأوان يفوت كل لحظة. على الزعماء أن يكفوا عن اختزال الوطن بهم وحدهم. وليفهموا بأن الوطن شراكة إنسانية محبّة، ملؤها الثقة المُتَبادَلَة ووحدة المصير، بينهم وبين الشعب.

باستطاعة الزعماء أن يبنوا ويجددوا ذواتهم، دون أن يفقدوا زعامتهم وثروتهم ليعيشوا في العراء ويبردوا ويجوعوا ويمرضوا ويتشردوا في البراري. هذه الولادة الجديد لهم بالروح لن تكلفهم شيئا. لا بل سوف يربحون أنفسهم دون أن يخسروا “العالم”. بناء الشعب لذاته، ساسة وشعبا، لا يعني أنه يتوجّب على كل فرد أن ينكر نفسه ويتقشف ويتقن فنون التأمل والصلاة ليصبح كاملا بالقداسة والطهارة، وجهته الوحيدة هي السماء، ولا تهمه أشياء الأرض. يكفي أن ينمّي كل فرد شخصيته ووعيه منذ الصغر، بالتربية والتعلم والتأمّل، على تحقيق ما تكتنزه إنسانيته من محبة وخير، بفعل إيمان قوي بنفسه، يتجدِّد كل يوم، وإرادة صلبة من أجل بناء الذات والوطن.

إن الحوار الدائم والصادق والمتواضع بين التيارات الطائفية والسياسية في الوطن، هو البداية الجيدة الوحيدة لمشروع بناء الوطن، مهما رافق هذا الحوار وشَابَهُ، أحيانا، من مناورات وكيدية وتذاكٍ وقلة ثقة بين الساسة المتحاورين، هي أشياء متوقعة نتيجة أطباعهم وأمزجتهم وعنفوانهم وكبريائهم، ونتيجة تأصّل الإرتباطات المالية والسياسية والمذهبية القديمة والجديدة في نفوسهم، مع بعض حكومات الخارج، والتي يصعب التملّص منها أو اجتثاثها من جذورها بسهولة، إن أراد ونوى أصحاب هذه الإرتباطات أن يفعلوا ذلك.

يستحق الشعب اللبناني الطيّب والمعذّب أن يعلن ساستُه وزعماؤه، وكلُّ نخبه الروحية والتربوية والفكرية والطلابية والسياسية والإعلامية والمالية والإقتصادية والنقابية، حالة طوارىء في الوطن اللبناني كله، لتوعية هذا الشعب على ما يجري، ولطمأنته على مصيره المهدّد كل لحظة (بسبب ساسته)، ولشدّ أزره وتوحيده، ولتسريع عملية بناء وحدته وتخليصه من شرذمته وانقساماته، ومن كل أخطار الإرهابيين المُحْدِقَةِ به من كل جانب، وحماية وجوده وبيئته ومياهه وهوائه وغذائه، وتحقيق كل المشاريع الآيلة إلى ازدهاره وسعادته. ولْيَعْرِفْ، ساعتئذ، العدوّ والصديق، أنه عندنا وطنٌ منيعٌ، لا مجرّد “بلد”-سلعة يُشرى ويُباع.

أجل، عندنا وطنٌ منيعٌ لا تُدَنَّسُ أرضُه، ولا يُعبَثُ بأمنه، وطنٌ موحّدٌ قويٌّ يستحقّ الإحترام، لا بل يَفرُضُ احترامه فرضا على المجتمع الدولي (الذي يحترم، بمعظمه، القوة فقط)، ويُصِرّ على لعب دوره كوطن موحَّد، قويّ، قادر على الدفاع عن نفسه، وفي الوقت عينه يحمل رسالة إنسانية خاصة، وهي أن يكون منارة خير وحبّ وسلام لسائر الدول والشعوب، في جوّ جحيم مرعب من خَلْقِ نُخَب عالمية شريرة أصبحت معروفة، يوشك أن يغلّف الأرض كلها.

إن عملية بناء الوطن اللبناني ينبغي أن تكون عقلانية، ثابتة، تملك المناعة ضدّ أية محاولة تهديم، لا مجرد فورة عاطفية مؤقتة، تذهب بعدها كل جهود البناء سُدى. ينبغي أن يكون لدى النُخَبِ اللبنانية مشروع إعادة بناء الدولة الحديثة على أسس واقعية، متوازنة، عادلة، تعكس حقيقة البنية الإجتماعية اللبنانية، وترضي، قدر الإمكان، جميع المكوِّنات اللبنانية. على أيّ مشروع أن يتضمّن رؤية جديدة موضوعية للواقع اللبنانيّ، رؤية علميّة إذا صحّ التعبير، أي رؤية مبنيّة على معطيات واقعية ملموسة تفرض نتائج شبه حتميّة حين التطبيق والإختبار، وأن يتضمّن المشروع أيضا رؤيا مستقبليّة مشرقة، بعيدة المدى، للبنان الغد. إن المشروع برؤيته ورؤياه، ينطلق من تبنّي حسنات اتفاق الطائف، وإلغاء كل شوائب هذا الإتفاق، بعد اختباره لمدة ربع قرن ونيِّف، واكتشاف نواحي القوة والضعف فيه. المشروع ينبغي أن يكون قابلا وخاضعا للدرس والنقاش والتحسين، في حوار بين كل التيارات اللبنانية، وينبغي أن يُهَيِّء اللبنانيين، تدريجيا وعلى مراحل، من أجل القبول بنظام حكم مدنيّ-علماني في المستقبل، لا مفرّ منه مهما طال الزمن، إن أراد اللبنانيون البقاء مكرَّمين، أحرارا، في وطن إسمه “لبنان”.

لن نتعب من التكرار: لا خلاص أبدا لهذا الوطن المُعذَّب دون الحوار بين جميع أبنائه وأجياله وطبقاته ونخبه، حوار صادق، متواضع، محبّ، مستمرّ، لا ينقطع، ولا يشوبه أي سوء نية وأي سوء تفاهم، يبني الثقة المتبادلة بين جميع عائلاته الروحية، يحضِّره ويؤهّله للعب دوره السامي الكبير في عالم يكثر الأشرار فيه بشكل مرعب، كوطن رسالة، رسالة محبّة وسلام وازدهار.

لبنان- إيلي أنطون شويري

إن بناء الذات يبدأ منذ الطفولة، في البيئة الإنسانية الطبيعية، السليمة، على يد الأهل في البيت والمعلمين في المدرسة، من خلال تعلم النطق والقراءة والكتابة والتفكير وقواعد محبة القريب والسلوك الحسن والتربية المدنية الوطنية، ومن خلال الإحتكاك والتلاقي بشركاء الوطن الأطفال والراشدين، والتعرّف عليهم. وحين يبلغ الطفل سنّ الرشد، يستطيع أن يتّكل على نفسه ليزداد ثقافة، ومعرفة، ووعيا، وقدرة من أجل متابعة بناء ذاته بناءًا قويا، في المجتمع، كي يتمكن، وحده، من مجابهة مصاعب الحياة وتجاربها القاسية التي لا مفرّ منها، والإنتصار عليها.

بعد انتهائه من مرحلة الطفولة والمراهقة، يصبح الإنسان مالكا لقدْرٍ مُعيَّن، كافٍ، من النضوج وقوة الشخصية، وقادرا على الإتكال على نفسه في متابعة بناء ذاته، أي تربية عقله وإرادته وشخصيته، ومُلِمًّا بمبادىء وقواعد الأخلاق والسلوك القويم التي تلقّنها خلال مراحل التربية، والتي تَختصِرُ ما يُسَمّى بالقيم والمثل العليا والفضائل، والتي لا بدّ من معرفتها وممارستها في جميع أطوار نموِّهِ، من أجل السير، بخطى ثابتة، على درب تحقيق بناء ذاته الطويل والوعر.

إن بناء الذات عمل خفيّ، غير مرئيّ، صامت، يتمّ في داخل الإنسان العاقل، بنسب من الكمال متفاوتة بين إنسان وآخر، وتظهر نتائج هذا البناء الإيجابية في المجتمع المليء بضجيج بناء الأشياء المادية الظاهرة للعيان، من خلال سلوك الإنسان ونطقه.

بناء الذات هو أساس بناء الوطن. معلوم أن الوطن كيان ماديّ يعني الأرض والمدن والقرى وكل ما يبنيه الإنسان لتلبية حاجاته النفسية والجسدية. ومعلوم أيضا، أنه، و بالدرجة الأولى، كيان معنويّ، اي مجموعة أفراد. الوطن شعب وأرض. ولكنه ليس كمية ووزن عدد الأفراد، أي قوة مادية وحسب. الوطن هو مجموعة أفراد واعين، عقلاء، لكل فرد شخصيته المميَّزَة. كل فرد هو، بحدّ ذاته، “قيمة” إنسانية فكرية وأخلاقية وروحية تستحقّ الإحترام. الوطن، إذًا، كيانٌ ماديٌّ ومعنويٌّ، يكبر ويعظم ويُبنى بناءًا صلبا إذا كان أفراده موحَّدين، قد
بنوا ذواتهم بناءًا صلبا، بالوعي والإرادة، على صخرة القيم والفضائل ومبادىء الأخلاق.

إن بناء الوطن المادّي يأخذ شكلا ملموسا ومرئيا ومسموعا (بعكس بناء الذات) من خلال بناء البيوت والقصور والقلاع والقرى والمدن والمعامل والمصارف، ودور العبادة والسجون وثكنات الجيش والقوى الأمنية، وبناء المستشفيات والمستوصفات ودور الأيتام والعجزة والمدارس، وأماكن اللهو واللعب والرياضة والسياحة والمطاعم والفنادق، وبناء الجسور والسدود وشقّ الطرقات، وخلق الحدائق العامة، والحفاظ على البيئة من كل أنواع التصحّر والتشوّه والتلوث، إلخ… مع الإهتمام ببناء كل ذلك، بناء الوطن ينبغي أن يعني بناء الإنسان الذي يسكن هذا الوطن، وهو المكوّن الأساسي لهذا الوطن، وهو بانيه. إنه، كإنسان، أثمن وأهمّ من أي شيء آخر. من أجله وحده تقوم كل مشاريع البناء والعمران. ومن أجله، ثمّة دولة قد اختارها هو وسائر شركائه في الوطن، من خلال صوته في صندوق الإقتراع، لتخدمه، وتعمل لتحقيق أمنه وأمانيه وازدهاره وسعادته.

هذه حقائق بسيطة، بديهيّة لا لزوم للتأكيد عليها، غير أنها غائبة (أو مُغَيَّبة عمدا) عن ذهن معظم أفراد الشعب اللبناني، وغائبة عن ذهن معظم الساسة وحلفائهم من رجال أعمال ومال، الذين تعمي أبصارَهم أطماعُهم وروحُ الشراهة والربح، والذين يتميّزون بالأنانيّة والكبرياء والغرور والكيدية و”الثعلبة”، وبقصر النظر وانعدام الرؤيا البنّاءة، وليست أبدا تلك الحقائق مصدرَ الوحيِ المُلهِمِ والمحرّكِ لتفكيرهم وسلوكهم.

إذا كان بناء الإنسان يعني، بكل بساطة، بناء أخلاقه وعقله وثقافته وشخصيته وصحّة جسمه وسعادته، منذ الصغر، في العائلة والمدرسة (كما ألمحنا أعلاه) بناءًا صحيحا، سليما، يُؤَسَّسُ تأسيسا قويا صلبا، في بيئة نظيفة، على غذاء نظيف، وتربية واعية، متينة، على كل ما له صلة بالفضائل ومبادىء الخير والحق والجمال والصِّدق والوفاء والإخلاص والمحبة، واحترام الشخص الآخر، الإنسان الشريك في الوطن، فأين نحن، يا ترى، من كلّ ذلك؟

ما أسهل الكلام عن بناء الوطن اللبناني على لسان بعض الساسة، وهم، في الواقع، يمعنون في تهديم إنسان الوطن وبيئة الوطن، ويركزون فقط على بناء قصورهم وأسوارهم وجيوشهم الخاصة لحماية أرواحهم وعائلاتهم وممتلكاتهم وخزنات مالهم وذهبهم السرية، وإطالة أعمارهم. وما أصعب تحقيق هذا البناء في الواقع الذي يعيشه الشعب كل يوم، والذي تتفاقم فيه روح القرف والحقد والغضب والعنف، والهموم والمشاكل والمآسي، ولا تغيب عن سمائه شمس الأحزان، لدرجة أن وطننا لبنان بشعبه المسكين، وبشعبه فقط (كون السياسيين في دنيا أخرى هي أقرب إلى النعيم)، يبدو، ودون أية مبالغة، كمنطقة إنسانية منكوبة معنويّا، وصحّيّا، وأخلاقيّا، وإقتصاديّا، تماما كمشهد الكوارث التي تحلّ بالأرض حين يضربها جنون النيران والزلازل والفياضانات والأعاصير والحروب والأمراض والجوع.

كلمة “وطن” قد أُفْرِغَتْ كليّا من معانيها السّامية النبيلة، لفرط استعمالها بشكلٍ آليٍّ، خالٍ من أي روح، على لسان الساسة والإعلاميين والشعب، جرّاء فقدان الإيمان الصادق والقويّ بالقِيَم الروحية والأخلاقية في عالم المادّية الملحدة الطاغية، لا بل لم تَعُدْ هذه الكلمة تُسْتَعمَلُ إلا في ما ندر. أمّا معانيها السامية النبيلة فهي تُختصَرُ بقدسية تراب الأرض ووجود الشعب، وبقدسيّة ذكرى كل من ضحّى واستشهد في سبيل بقاء الأرض الخصيبة وشعبها المقاوم من أيام الجدود حتى الساعة، وباحترام هذه القدسية، وبالمحافظة على روح الخير والبذل والعطاء والتضحية في نفوس اللبنانيين، وروح وحدة التراب والشعب والمصير، وروح المشاركة الأخوية الحارّة، الحميمَة، مع شركاء الوطن الواحد الأحياء، بالتنعم بخيرات وطن هو وطن فريد بأرضه وبمواطنيه، وبالتحضّر دائما من أجل الدفاع عنه ضدّ قوى الشرّ المستفحلة.

في لبنان، نسمع كلمة “وطن”، وبالصدفة، في نشيدنا الوطني، “كلنا للوطن”، ولا نتوقّف عندها لنتأمل في جمال معانيها. وبعض اللبنانيين يخاطبون أفراد الجيش، إحتراما وتقديرا، ب”يا وطن”. ونسمع مشتقاتها، مثل “توطين”، في تعابير تختصّ بتوطين اللاجئين إلى لبنان من الجوار هربا من الإضطهاد، أي بإبقائهم في ارض الوطن إلى الأبد. ونسمع ب”توطين” المال في المصارف أي إيداعه. ونسمع، بكثرة، كلمة “وطنية” في التعبير الذي أصبح مبتذلا، بلا معنى، لفرط ما تلوكه ألسنة معظم الساسة غير الصادقين، ألا وهو “المصلحة الوطنية العليا”، وكذلك كلمة “وطنيّ” (مقابل “غير وطنيّ”) للدّلالة، ولو كذبا، على سياسيّ ما يظنّ بأنه يحبّ وطنه وحده ويخلص له أكثر من سائر الساسة، وكلمة “مواطن” وهو إبن “الوطن” وساكنه، وشريك لسائر “المواطنين” في “المواطَنَة” أي في الإنتساب إلى الوطن الواحد في حبّه وفي بنائه، وفي ممارسة الحقوق والواجبات تجاهه، تحت جنح دولة مؤسسات وقانون ونظام عادلة، قوية، وبحماية العين الساهرة لجيش قويّ، ولقوى أمن قوية.

الكلمة البديلة ل”الوطن” المستعملة بكثرة من الشعب والإعلاميين والساسة على حدّ سواء، هي “البلد”، مع ما تتضمنه وتحويه وتعنيه من بلادة ذهن وجفاف عاطفة وموات روح. وكلمة “بلديّ” يطغى استعمالها اليوم بكثرة على منتوجات “البلد” غير المستوردَة، وغير الإصطناعية، التي لا غشّ فيها، كالخضار والفواكه، مثلا، والبيض واللحوم والحليب ومشتقاته، والعرق. وكلنا نعلم ما يُكتشَف ، كل يوم، في هذا “البلد”، من غشّ وتلوث وضرَر بصحة “المواطنين” في بعض هذه المواد الفاسدة، وفي غيرها كمياه الشرب والأدوية، وخاصة من ناحية انتهاء صلاحية الإستعمال. كلنا نعلم كم من حالات تسمّم تصيب “المواطنين”، في هذا “البلد”، مع مطلع كل شمس جرّاء طمع التجار بالربح الوفير والسريع، وجرّاء قساوة قلوبهم وانعدام الضمير فيهم، حين يروّجون ويسوّقون لبضائع “بلدية” وأجنبية فاسدة، بتغطية من بعض المسؤولين في الحكم الذين لا يجرؤ القضاء أن يطالهم، وجرّاء استهتارهم بشركاء الوطن واحتقارهم لهم، وإهمال واجباتهم تجاههم. شركاء الوطن هم الذين أوكلوا أمرهم لهؤلاء المسؤولين ووثقوا بهم، من خلال انتخابهم بحماس، ليخدموهم ويحموا مصالحهم الحيوية وصحتهم ووجودهم، لا ليغدروا بهم.

إن وطننا لبنان بحاجة إلى بناء ذاته بسرعة قبل أن ينهار، نهائيا، تحت ضربات وغزوات المعتدين، وتحت ضربات إهمال ساسته وأطماعهم، وتعاطف وتواطؤ البعض منهم مع من يحاول هدم هذا الوطن من دول الخارج وإرهابيّيهم، فيصبح من الصعب، أو حتى من المستحيل، انتشاله من أنقاضه وبناؤه من جديد.

إن وطننا لبنان بحاجة لكل أبنائه وكل نخبه القيادية في عملية البناء هذه، للعمل معا كفريق واحد، منسجم، له هدف واحد نبيل، ورؤيا مستقبلية مشرقة، واعدة، واحدة، لا كما هي الحال المعيدة لذاتها بشكل تافه، سخيف، عبثي، لا يؤذي إلا الشعب اللبناني وحده لا الزعماء السعداء دائما، من زمان بعيد حتى اليوم:

-فريق يحاول أن يبني وطنا ماديا ومعنويا، وطنا لكل أبنائه، ينسجمون فيه، معا، ويتفقون، في تنوعهم الحضاري الغني، وطنا سيدا، حرا، مستقلا، قويا، مزدهرا، ذا رسالة إنسانية فذّة.

-وفريق آخر يهدّم، وطنُه وطن وهميّ في الخارج، وقلبه في الخارج.

-فريق يقاوم ضدّ عدوّ الوطن وضدّ أصدقاء هذا العدوّ.

-فريق آخر مع العدوّ ومع أصدقاء هذا العدو،ّ يعمل، بالسر والعلن، ضدّ الفريق المقاوم.

نتيجة لذلك الوضع الشاذّ، تتم عرقلة كل المشاريع وشلّ كل التشريع، ويكثر العباقرة والفلاسفة والفقهاء بين الساسة والإعلاميين والأتباع، وكلهم على حقّ، ولا أحد على خطأ، وتنتعش وتزدهر فنون النقاش والتأويل والتفسير حول جنس الملائكة والأبالسة والقوانين والدساتير والأعراف، ولا أحد يعترف برأي أحد. وتسهل، في جوّ اللغط والفوضى المفتعل هذا، عملية كسر القوانين بوقاحة لا حدود لها، وباقتناع كامل، من قبل بعض المستقوين في الحكم بألسنتهم السليطة، وبغناهم الفاحش بفضل سكناهم الأبدية في مزرعة الدولة-البقرة الحلوب، وبكثرة عدد أتباعهم وسلاحهم، وبدعم الخارج المالي والمعنوي. ويكثر الحديث دائما، بشكل مضخَّم، عن الظروف الأمنية الإستثنائية التي يمرّ بها هذا “البلد”، والمخاطر الكبرى على أشياء وهمية ك”الوجود” و”الكيان” و”الإستقلال”، وعن ضرورة الإتفاق، ولا يتفقون، وعن ضرورة تنفيذ المشاريع ولا ينفذون شيئا، وعن ضرورة تأليف الحكومة بأسرع وقت وهم يختلفون على الحصص والأوزان والأحجام، ويتقاذفون التهم بالتعطيل مرفقة بقصائد هجاء لبعضهم البعض وقصائد فخر بأنفسهم.

إن المرة الوحيدة التي اتفق فيها الساسة فيما بينهم، ومروا بشهر عسل قصير، ولكن نادر الجمال، والشعب يتجرّع المرارات من القهر والخوف وغلاء المعيشة، كانت حين اقتنعوا جميعهم، بوحي فجائيّ من “الروح القدس”، بضرورة التمديد لولاية المجلس النيابي، وتأخير الإنتخابات النيابية، وزيادة رواتبهم، وزيادة الضرائب على الشعب، وإبقاء الحدّ الأدنى للأجور على حاله. وهذا هو الشيء الوحيد الذي يتفقون عليه (يعني يتفقون على الشعب لا من أجله) بأسرع من البرق ورمشة العين ولمح البصر.

كل ذلك السلوك المرائي، الخبيث، المستهجَن، الهدام لحياة الشعب والوطن، والبنّاء لعزّ ومجد وعظمة وبحبوحة الساسة وحدهم، الذين تحركهم روح الطمع والكبرياء والتملّك والسيطرة والنكاية والكيدية والإنتقام، في كل ما يعني مصلحة الشعب، إنما هو من أجل إثبات الوجود، وتمرير أو تعطيل مصالح وصفقات ومشاريع، بقناع “وطني”. سلوكهم لا يمتّ بأية صلة إلى المعنى الأصيل لكلمة “وطنيّ”، ولا للمعنى الحقيقيّ ل”بناء الوطن”.

إن الجوّ الذي يروق للساسةُ أن يُغرِقُوا فيه الوطنَ اللبناني، ليس جوّ بناء وعمران وسلام وثقة وأمل بمستقبل أفضل. إن مزاج “المواطنين” دائما عكر، سيّء. أما مزاج الساسة فيتعكّر ويسوء ويصفو بحسب رياح و”مناخ” مصالحهم الخاصة، غير أنهم دائما سعداء وحدهم. أما الشعب فهو دائما، بعكس زعمائه، غير سعيد.

إن الزمن ليس زمن مواعظ وعتاب واتهام اللبنانيين بعضهم لبعض بالتقصير في أداء الواجب “الوطني”. إنه زمن البناء وحسب. والبناء هذا لن يتمّ ودول الخارج تتحكم بشكل ظاهر، علنيّ، وقح، برقاب زعمائنا الخاضعين لمشيئتها، وبإرادتنا الوطنية. هذه الدول لا تريد خيرنا، وهي تدّعي معرفة ما هو خير للوطن اللبناني أكثر من أبنائه. هي تريد فقط، وبقوة المال، أن تسود على الوطن وتفرض عليه مشيئتها من خلال فريق عملها اللبناني الناشط، ومن خلال مبدأ “فرِّقْ تسُدْ”، لإرضاء وإراحة وتقوية الكيان العنصري التلمودي في أرض فلسطين، وتحقيق مشروع “شرق أوسط جديد” بعد إشعاله وتخريبه وتهديمه وإذلاله، تابع لمنظومة “النظام العالمي الجديد”، تحت حكم أهل التلمود. والشعب اللبناني هو وحده الضحيّة، وبعض ساسته القلائل جدا، الصادقين.

إن دعوة المواطنين اللبنانيين بكل فئاتهم وكل نخبهم لبناء وطنهم معا، ولتحقيق الوحدة فيما بينهم، أمرٌ لا مفرّ منه، ولا ضرر منه، ولو لو لم يُؤتِ بثمار جيدة في فترة زمنية قصيرة. في الحقيقة، إن الدعوة موجهة أكثر، وبنوع خاص، إلى “النخبة” السياسية الفاعلة اليوم على الساحة اللبنانية. علينا أن نقبل بهذه النخبة على علاتها، رغم انتقادنا لها، لأنها أمرّ واقع، أو “شرٌّ” لا بدّ منه (إذا صح التعبير، وهو، بالفعل، يصحّ) لا يمكن التخلص منه بسهولة وبسرعة حتى في صناديق الإقتراع، على ما يبدو(بعد نتائج الإنتخابات الأخيرة “المعلبة” بحسب قانون طائفيّ سيّء جدا، قد سُمِّيَ، بخبث، للتمويه، بال”نسبيّ”)، ولأننا نفكر ونتكلم ونكتب ونتصرف بوحي من روح المحبة للوطن بشعبه وأرضه. هذه النخبة، كما هو معروف من الجميع، ومنها هي بنوع خاص، مهما قرّرَتْ ومهما فعَلتْ، فالشعب الذي حدَّدَ بمعظمه ولاءاته واصطفافاته السياسية والمذهبية والطائفية سلفا، سوف يوافق، دون نقاش، على أي شيء يقرّره أو يفعله زعماؤه. لذلك يسهل جدا تقاسم الشعب بين الزعماء قبل الإنتخابات، ويسهل جدا إرضاء الشعب بعد الإنتخابات التي تحصل ضمن قانون مدروس بدقة لصالح الزعماء التقليديين والجدد، وضمن لوائح وتحالفات ذكية، محدّدة، تمنع حرية الحذف والتشطيب والإختيار، في كل زاوية من لبنان وبلدان الإغتراب. غير أن الشعب المخلص لزعمائه ولطوائفه مشتاق أيضا، وبقوة، إلى الخلاص من حالات القهر التي يعيشها بسبب النفور بين زعماء الوطن الواحد، والسلام الحقيقي الدائم في داخل الوطن اللبناني، وإلى بناء الثقة والإتفاق والوئام والمحبة بين كل المواطنين اللبنانيين. لذلك، فإن أمر بناء الوطن، وأمر بناء وحدته واستقلاله وحريته وأمنه وازدهاره، متعلق، بالدرجة الأولى، بالزعماء وبمدى حسن نيتهم وصدقهم، وبدوائر الإعلام التابعة لهم.

إنه مشروع بناء للوطن عظيم، ينبغي على زعماء الطوائف والإعلاميّين وكل النّخب، إن كانوا يريدون، حقا، الخير للمواطنين اللبنانيين ولأنفسهم، البدء بالتخلي عن كبريائهم وعنفوانهم، وبالتضحية بمصالحهم الخاصة، والبدء بمشروع البناء بسرعة، بناء البشر والحجر والشجر، لأنّ الأوان يفوت كل لحظة. على الزعماء أن يكفوا عن اختزال الوطن بهم وحدهم. وليفهموا بأن الوطن شراكة إنسانية محبّة، ملؤها الثقة المُتَبادَلَة ووحدة المصير، بينهم وبين الشعب.

باستطاعة الزعماء أن يبنوا ويجددوا ذواتهم، دون أن يفقدوا زعامتهم وثروتهم ليعيشوا في العراء ويبردوا ويجوعوا ويمرضوا ويتشردوا في البراري. هذه الولادة الجديد لهم بالروح لن تكلفهم شيئا. لا بل سوف يربحون أنفسهم دون أن يخسروا “العالم”. بناء الشعب لذاته، ساسة وشعبا، لا يعني أنه يتوجّب على كل فرد أن ينكر نفسه ويتقشف ويتقن فنون التأمل والصلاة ليصبح كاملا بالقداسة والطهارة، وجهته الوحيدة هي السماء، ولا تهمه أشياء الأرض. يكفي أن ينمّي كل فرد شخصيته ووعيه منذ الصغر، بالتربية والتعلم والتأمّل، على تحقيق ما تكتنزه إنسانيته من محبة وخير، بفعل إيمان قوي بنفسه، يتجدِّد كل يوم، وإرادة صلبة من أجل بناء الذات والوطن.

إن الحوار الدائم والصادق والمتواضع بين التيارات الطائفية والسياسية في الوطن، هو البداية الجيدة الوحيدة لمشروع بناء الوطن، مهما رافق هذا الحوار وشَابَهُ، أحيانا، من مناورات وكيدية وتذاكٍ وقلة ثقة بين الساسة المتحاورين، هي أشياء متوقعة نتيجة أطباعهم وأمزجتهم وعنفوانهم وكبريائهم، ونتيجة تأصّل الإرتباطات المالية والسياسية والمذهبية القديمة والجديدة في نفوسهم، مع بعض حكومات الخارج، والتي يصعب التملّص منها أو اجتثاثها من جذورها بسهولة، إن أراد ونوى أصحاب هذه الإرتباطات أن يفعلوا ذلك.

يستحق الشعب اللبناني الطيّب والمعذّب أن يعلن ساستُه وزعماؤه، وكلُّ نخبه الروحية والتربوية والفكرية والطلابية والسياسية والإعلامية والمالية والإقتصادية والنقابية، حالة طوارىء في الوطن اللبناني كله، لتوعية هذا الشعب على ما يجري، ولطمأنته على مصيره المهدّد كل لحظة (بسبب ساسته)، ولشدّ أزره وتوحيده، ولتسريع عملية بناء وحدته وتخليصه من شرذمته وانقساماته، ومن كل أخطار الإرهابيين المُحْدِقَةِ به من كل جانب، وحماية وجوده وبيئته ومياهه وهوائه وغذائه، وتحقيق كل المشاريع الآيلة إلى ازدهاره وسعادته. ولْيَعْرِفْ، ساعتئذ، العدوّ والصديق، أنه عندنا وطنٌ منيعٌ، لا مجرّد “بلد”-سلعة يُشرى ويُباع.

أجل، عندنا وطنٌ منيعٌ لا تُدَنَّسُ أرضُه، ولا يُعبَثُ بأمنه، وطنٌ موحّدٌ قويٌّ يستحقّ الإحترام، لا بل يَفرُضُ احترامه فرضا على المجتمع الدولي (الذي يحترم، بمعظمه، القوة فقط)، ويُصِرّ على لعب دوره كوطن موحَّد، قويّ، قادر على الدفاع عن نفسه، وفي الوقت عينه يحمل رسالة إنسانية خاصة، وهي أن يكون منارة خير وحبّ وسلام لسائر الدول والشعوب، في جوّ جحيم مرعب من خَلْقِ نُخَب عالمية شريرة أصبحت معروفة، يوشك أن يغلّف الأرض كلها.

إن عملية بناء الوطن اللبناني ينبغي أن تكون عقلانية، ثابتة، تملك المناعة ضدّ أية محاولة تهديم، لا مجرد فورة عاطفية مؤقتة، تذهب بعدها كل جهود البناء سُدى. ينبغي أن يكون لدى النُخَبِ اللبنانية مشروع إعادة بناء الدولة الحديثة على أسس واقعية، متوازنة، عادلة، تعكس حقيقة البنية الإجتماعية اللبنانية، وترضي، قدر الإمكان، جميع المكوِّنات اللبنانية. على أيّ مشروع أن يتضمّن رؤية جديدة موضوعية للواقع اللبنانيّ، رؤية علميّة إذا صحّ التعبير، أي رؤية مبنيّة على معطيات واقعية ملموسة تفرض نتائج شبه حتميّة حين التطبيق والإختبار، وأن يتضمّن المشروع أيضا رؤيا مستقبليّة مشرقة، بعيدة المدى، للبنان الغد. إن المشروع برؤيته ورؤياه، ينطلق من تبنّي حسنات اتفاق الطائف، وإلغاء كل شوائب هذا الإتفاق، بعد اختباره لمدة ربع قرن ونيِّف، واكتشاف نواحي القوة والضعف فيه. المشروع ينبغي أن يكون قابلا وخاضعا للدرس والنقاش والتحسين، في حوار بين كل التيارات اللبنانية، وينبغي أن يُهَيِّء اللبنانيين، تدريجيا وعلى مراحل، من أجل القبول بنظام حكم مدنيّ-علماني في المستقبل، لا مفرّ منه مهما طال الزمن، إن أراد اللبنانيون البقاء مكرَّمين، أحرارا، في وطن إسمه “لبنان”.

لن نتعب من التكرار: لا خلاص أبدا لهذا الوطن المُعذَّب دون الحوار بين جميع أبنائه وأجياله وطبقاته ونخبه، حوار صادق، متواضع، محبّ، مستمرّ، لا ينقطع، ولا يشوبه أي سوء نية وأي سوء تفاهم، يبني الثقة المتبادلة بين جميع عائلاته الروحية، يحضِّره ويؤهّله للعب دوره السامي الكبير في عالم يكثر الأشرار فيه بشكل مرعب، كوطن رسالة، رسالة محبّة وسلام وازدهار.

المصدر:  النهضة نيوز

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

النهضة موقع عربي إخباري ثقافي إقتصادي, يهتم بقضايا الإنسان العادلة وينتصر لها بأي أرض وميدان كانت, ننشد النهضة لشعوبنا بعدما استوطنت أمية الحرف والفكر فيها وتم إستلاب وعيها, النهضة هي منبر لكل فكر حر يسعى للتنوير ولنشر المعرفة المنشودة لإستعادة الوعي الجمعيِ العربيِ المسلوب.

Copyright © 2018 Alnahda News

Powered BY