هل شعب لبنان أهل ليكون صاحب رسالة إنسانية وحضارية- الأمل والواقع

 

 بقلم إيلي أنطون شويري

 

في خضمّ الخلافات العنيفة بين الزعماء، اليوم، حول تنازع السلطة وتحديد قوة وحجم ووزن كل زعيم، وفي خضم عجزهم عن تأليف الحكومة وفرضهم عدد ونوعية “الحقائب” الوزارية (وتصنيفهم المضحك لها بسيادية وخدماتية)، بحسب حقهم “المقدس” بحصص الحكم، يستطيع أي لبناني أن يردّ على السؤال المطروح في العنوان، بسخرية ودون تردّد: لا الشعب ولا الساسة أهل لحمل رسالة إنسانية وحضارية، لا اليوم ولا في المستقبل. الواقع تعيس جدا وميؤوس منه، والأمل بغد أفضل مفقود، ومقطوع الأمل منه.

كيف وُلِدَتْ فكرة لبنان “وطن الرسالة”؟

لقد سُمِّي لبنان، هذا الوطن الصغير بمساحته وعدد سكانه، بعد مروره بتجارب مريرة، قاسية، من حروب وفِتَن أهلية كثيرة عبر تاريخه القديم والحديث، بوطن الرسالة، رسالة المحبة والتفاهم والوفاق بين جميع أبنائه من مختلف الطوائف والمذاهب والعائلات. هذه التسمية تعطي شعب لبنان دورا إنسانيا ساميا مميّزا بين سائر الشعوب، وتجعله لها مثالا يُحتذى في حياة المحبّة والشراكة الحقيقية في الحكم والعيش معا بسلام. إنه دورٌ ضدّ العنصريّة المتكبّرة الحاقدة، ونقيضٌ فاضح لها، تلك العنصرية التي تجسِّدُها وتنتهجها منذ سبعين عاما تقريبا، وبشكل سافر، دولة تلمودية مستقوية، إسمها “إسرائيل”، قد زُرِعَت بالقوة في فلسطين بعد الحرب العالمية الثانية، على يد الدول الكبرى المنتصرة في الحرب، ونَمَت وبَنَت نفسها بالعنف، على حساب كل الدول من حولها، التي ما زالت، حتى اليوم، تمعن فيها قتلا وخرابا من خلال أعوانها وإرهابييها.

لقد حُدِّد للبنان دورُه بوضوح وبقوة من الفاتيكان، منذ عقدين ونيّف تقريبا، ومن بعض مراجعه الدينية والسياسية في القرن الماضي، في محاولة لتجنيب لبنان المزيد من تدخل الدول في شؤونه، تدخل يؤدي دائما إلى اقتتال بين أبنائه. الشعب اللبناني وزعماؤه ليسوا كلّهم مقتنعين بهذا الدور، ولا يملكون الوعي الكافي الحقيقي عينه له، ولأبعاده الإنسانية الروحية السامية التي تتخطّى كل تجاذبات وتناقضات وصراعات القوميات والأعراق والأديان والأمزجة، ولا يملكون الإرادة عينَها والحماسَ عينه لتحقيق هذا الدور. بكلمة واحدة، معظم الشعب اللبناني، ومعظم المشتغلين بالسياسة، ومعظم زعماء الطوائف وأهل الدين والفكر والإعلام والمال، لا يأخذون هذا الدور للبنان على محمل الجدّ، ويبدو واضحا من تفكيرهم ومسلكهم السياسيّ بأنهم لا يسعون إلى تحقيقه.

موقف دول العالم من لبنان

أما التعامل مع لبنان من قبل معظم الدول، فهو لا يتمّ على أساس أنه وطن حياديّ، يحمل رسالة خاصة. فلبنان لا يُحيَّد أبدا عن الصراعات الدمويّة التي تجتاح المنطقة بأسرها، ولا يُعتبَر واحة أمان وسلام، ورمزا ل”التعايش” (كما دَرَجَت التسمية) بين جماعات تتنوّع بالدين والمذهب والطائفة والعِرق والقومية، ولا يبدو أن أحدا يريد، أو يحتاج أن يحتذي بهذا المثال. ما هو جليّ وواضح أن دول “العولمة” المستقوية قد قرّرت تعميم سياسة “الفوضى الخلاقة” من خلال العنف في المشرق العربي (باستثناء بعض الدول الإقليمية المتعاونة معها والمستزلِمة لها) وخلط البشر والحجر والشجر في أتون نار يشعلونه باستمرار، لينقِّصوا من عدد البشرية، كما يعلن ذلك، دون أي خوف، دعاة فلسفة “الفوضى الخلاقة” في الغرب. أجل، هكذا، في نظر “عباقرة” التخطيط الجهنّمي، يولد “نظام عالمي جديد”، العنصر الصافي الوحيد فيه هو الكيان اليهودي القومي العنصري، نظام جديد لا يُعاني من كثافة سكانيّة، مُروَّض ومُدجَّن، لا مقاومة فيه، خاضع لسيطرتها واستعبادها.
لبنان لم ينجُ من هذه الهجمة الشرسة، ولولا تصدّي جيشه ومقاومته لجماعات التخريب والإرهاب باسم الدين، المُصَدًّرة من كل حدب وصوب، المُمَوَّلة والمُدرّبَة والمدعومة والمُسَيّرة من قبل دول “الفوضى الخلاقة”، والعدوِّ التلمودي العنصري، وبعض أتباعهم وحلفائهم من الملوك والأمراء العرب الأغنياء في المنطقة، لكان لبنان اليوم، دون مبالغة، في قبضتهم كلّيا وتحت نير وصايتهم وعبوديتهم.

حياد لبنان أو الدور البديل

للبنان دور سياسي، إنساني، أخلاقي، روحي، مهمّ يريد أن يلعبه. ولكنّ الدول التي تؤمن بمصلحتها الذاتية الأنانية فقط، وبالعنف لتحقيق أهدافها، والتي تتظاهر بالكلام الجميل (ويردّد بعض الساسة كلامها) بدعم لبنان وبعدم السماح للصراعات الدائرة حوله بالتمدّد إليه، في الوقت الذي يدلّ الواقع على عكس ذلك، لا تحترم، في الحقيقة، هذا الدور، ولا تسمح للبنان بلعبه. فلماذا يتابع اللبنانيون، إذا، أو الأصحّ بعض اللبنانيين القلائل، نضالهم من أجل الحفاظ على هذا الدور، بحياء وخَفَر، وضعف إيمان بالقدرة على تحقيقه؟ وهل يستطيع لبنان أن يلعب أيّ دور آخر يكون بديلا عن دوره كوطن رسالة، لفرط ما أصبحت هذه الرسالة مع مرّ الزمن ومع تتالي الأحداث المأساوية عليه، وكأنها مستحيلة التحقيق؟ وهل من دور بديل إلا دور الوطن الذليل، الممزّق، التابع لقوى متكبّرة شريرة، لا تقيم وزنا لقِيَمِ الأخلاق والروح؟

أين تكمن المشكلة؟

نستطيع دائما وعن حقّ، أن نلوم الخارج على كل مصائبنا في الداخل. الخارج يتدخل دائما في شؤون اللبنانيين ويزرع الفتن فيما بينهم، ويقوي بالمال والسلاح فريقا على فريق آخر، خدمة لمصالحه السياسية والإقتصادية، ويتدخل في كل الإنتخابات النيابية والرئاسية وفي تأليف كل حكومة أو عرقلة تأليفها.

المشكلة تكمن في أن وضع تدخل الدول الشاذّ في شؤون لبنان قد استمرّ مئات السنين، وتوارثه اللبنانيون من جيل إلى جيل، والملامة تُرْمى دائما على الخارج. والمصيبة الأكبر هي أن اللبنانيين، شعبا وزعماء، لم يتّحدوا أبدا، ولم يتفقوا أبدا على كيفية مواجهة هذه الآفة الشريرة والقضاء عليها، ولم يوجّهوا يوما الملامة إلى أنفسهم. وما زال أبناء الشعب بمعظمهم، حتى اليوم، يصطفّون هم وزعماؤهم مع معسكرات الخارج المتنافسة والمتصارعة والمتحاربة، ويفرحون بالدعم الخارجي، وبمراكز العظمة، وبالمال الحرام والسهل التحصيل دون أي تعب يذكر سوى “تعب” الخيانة (وهذا أمر بسيط جدا بالنسبة لهم) لأنفسهم ولشركاء الوطن.

لا يريد أي مخلص لوطنه أن يلعب لبنان دورا غير دور وطن الرسالة المُوَحَّد والقويّ بشعبه المقاوم وبقادته المخلصين وبجيشه، مهما بدا لعب هذا دور في الوقت الحاضر وفي المستقبل المنظور، صعب التحقيق أو مستحيله، أو، ربما، ساذجا. إن انغماس بعض السياسيين (عن إقتناع أم عن مصلحة شخصية أنانية، أم عن غرور وجهل وتعصّب، أم لكل هذه الأسباب مجتمعة) ممّن يُسَمَّوْن ب”الأقطاب”، في أوحال سياسة الخارج، يبدو أبديا، كما أنهم يبدون سعداء بهذا الإنغماس. هم متورطون حتى رؤوسهم، ويخافون، ربما (؟)، من أسياد الخارج إن هم قرروا (بأعجوبة توبة فجائية؟) أن يعودوا إلى حظيرة الوطن، ويعلنوا عصيانهم على هؤلاء الأسياد. وإن بقوا حيث هم (وهذه هي حقيقة نواياهم وسلوكهم السياسيّ)، فلبنان لن يستطيع أبدا أن يلعب دوره العظيم كوطن رسالة قويّ، إلا إذا توحّد معظم اللبنانيين، شعبا ونُخَبا، بمعزل عن رافضي هذا الدور، في هذه “اللعبة”، لعبة الحياة والعزة والكرامة والمحبة والسلام، لا لعبة أبالسة النار والمال والخيانة والذلّ والشر والموت.

ما الحل؟ ما العمل؟

إنّ لعب دور الوطن الرسالة يحتاج إلى ثورة على الذات. هذا هو الحلّ الوحيد، وهذا هو العمل الوحيد. كل ما عدا ذلك باطل، وخطير، ومحزن، ومدعاة يأس:

-ثورة فريق على آخر؟ هذا شرّ كله.

-ثورة الشعب على ذاته وعلى زعمائه وهو منقسم على ذاته ويقف وراء زعمائه بشكل أعمى؟ هذا غير منطقي ولا يمكن أن يحصل.

-عصيان مدني ونزول إلى الشارع ضدّ من يحتكرون، بدعم من الخارج، الحكم؟ هذا أيضا شرّ كله، إذ إن كل زعيم في الحكم أو خارجه يهدّد بتحريك شارعه (أي جيشه الخاص) هو ضد الشارع الآخر.

-الحوار العسير، المؤقت، العقيم، بين بعض الأطراف، في جوّ يفتقر إلى الصدق والتواضع؟

-ثورة الزعماء على ذاتهم المتكبرة، الجاهلة، المغرورة؟ هذا من رابع المستحيلات، كون الزعماء، في نشوة عظمتهم الدائمة ووهم كمالهم، لا يقرّون أبدا بأن فيهم أي نقص فكري، أو أخلاقي، أو نفسي، أو روحي.

هذا النوع من الثورة على الذات يبقى، في الحقيقة المرّة، مِلكا للأقلية الواعية المتواضعة وحدها، أقلية صادقة، صامتة، حزينة، وعاجزة.

في محاولة لفهم واقعنا الغريب، نطرح على أنفسنا التساؤلات التالية:

إذا كان إصلاح من هم بحاجة إلى إصلاح في عالم السياسة مرفوضا ومستحيلا،

وإذا كان “التعايش” الكامل بين الطوائف يبقى دائما مُنَغّصا وشبه مستحيل،

وإذا كان إشعال ثورة في نفوس السياسيين والشعب معا ضدّ الضعف والنقص المعشّش فيها مستحيلا،

وإذا كانت مقاومة قوى المال والسلاح والطمع في الخارج مستحيلة، مما يجعل اللبنانيين لا يتفقون على شيء،

فما عساه يكون الخيار الواقعيّ، الممكن، المتبقّي، يا ترى، لهذا الوطن المعذّب لبنان، جرّاء تواطؤ بعض سياسيّي الداخل مع بعض حكومات الخارج، وقد سُدّت كل منافذ الخلاص في وجه شعبه الخاسر الأوحد والأكبر في لعبة القوة والسلطة والمال والمصالح بين “كبار” الداخل و”كبار” الخارج؟

هل من أيّ معنى أو جدوى للتحدث عن لبنان “وطن الرسالة” بعد اليوم، في هذا الجوّ المحموم، دائما، والذي يضرب فيه بعض السياسيين والشعب التابع لهم بعرض الحائط بمفهوم “الشراكة” و”وطن الرسالة”، ومقاومة الإرهاب؟

الخيار الوحيد

في هذا الجوّ المحموم الذي يبدو فيه كل شيء مستحيلا، لا خيار أمام زعماء الطوائف المتخاصمين على تقاسم حصص الحكم، إذا أرادوا حقّا الحياة الكريمة الحرّة، المستقرّة، المستقلّة، لهم ولجميع طوائف لبنان، والإستمرار معا في وطن واحد لا غير، هو وطن الرسالة، وطن لا تدوس ولا تدنِّس أرضَه وكرامة شعبه وزعمائه أرجلُ الغرباء بعد اليوم، أجل، لا خيار لهم، اليوم، إلا أن يجتمعوا بأسرع وقت ممكن، ويتحاوروا بكل صدق ومحبة، ويتفقوا، بكل بساطة وقبل كل شيء، على تأليف حكومة تجمع جميع الأفرقاء وتركز اهتمامها على خدمة الشعب، بغض النظر، في الوقت الحاضر، عن تناتش حصص الأوزان والأحجام المخجل، المخزي، السخيف، وخلق فريق أكثرية موالٍ وفريق أقلّية معارض، تقليدا للديمقراطيات العريقة الناضجة التي لن نصل أبدا إلى مستواها من خلال ذهنيات طائفية فاسدة، متخلفة، متحجرة، ونظام طائفي مهترىء.

وأما بالنسبة للأوزان والأحجام، اليوم، فلما الإفتخار ونفخ الذات، والإنتخابات قد تمّتْ بحسب قانون غير عادل للشعب وللمستقلّين، قد فُرِض فرضا على الشعب بشكل سلس وناعم (تماما كفرض زيادة الضرائب)، وكبّل حريته في الإختيار تكبيلا معيبا. على كل حال، كان ينبغي مناقشة هذا القانون ورفضه منذ البداية من جميع النخب، وعلى الشعب أن يكون حذرا في المرة القادمة.

إذًا، وبعد تأليف الحكومة دون تباطؤ، على الزعماء، بالإضافة إلى وجوب خدمة الشعب لا استعباده كالمعتاد، أن يباشروا بشجاعة (هل تراهم يملكونها؟) مناقشة نظام حكم علمانيّ جديد خارج القيد الطائفي، غير مفروض من جماعات مصّاصي الدماء في الخارج، كما فُرِضَ النظام الطائفي منذ الإستقلال حتى اليوم. فهل يفعلون ذلك ليصبحوا أحرارا من كل قيد، وأسيادا على أنفسهم وأرضهم ومصيرهم، أم أنهم يفضّلون اختيار نفخ الذات حتى الإنفجار والإندثار والزوال والعبودية وموت المذلّة في الآتي غير البعيد، وقِدْرُ الكون تغلي غليانا مخيفا بشهوات الأبالسة لحرق وابتلاع الضعفاء غير المُحَصَّنين بدرع قوة الروح؟

وطن الرسالة ممكن

إن تحقيق مشروع وطن الرسالة الموحَّد، القويّ، ليس مستحيلا على اللبنانيين، حتى لو وقف كل العالم ضدّهم. ولكنه يصبح مستحيلا حتى لو كان العالم كله مع هذا المشروع، إذا بقي اللبنانيون أنفسهم غير موحَّدين قلبا وعقلا ويدا. إذًا، الوحدة ثم الوحدة ثم الوحدة، أولا وأخيرا، بين زعماء وأبناء الشعب اللبناني، والباقي يأتي بشكل منطقيّ، طبيعيّ.

لمن يريد أن يسمع ويرى ويعي من أبناء الشعب والساسة وزعماء الطوائف: إن كل لبنان، اليوم، معرّض لخطر كبير، مخيف.

لبنان في خطر أن يخسر نفسه كوطن عادي جدا كسائر الأوطان، وهو قد فشل حتى بتحقيق ذاته كوطن عادي حتى اليوم.

لبنان في خطر أن يخسر نفسه كمشروع وطن ذات رسالة إنسانية وحضارية فريدة.

لبنان، في نهاية الأمر، في خطر أن يخسر وجوده بالذات من خلال ارتماء معظم زعمائه في أحضان أبالسة المال والقوة والشر، وإصغائهم إلى همساتهم وإيحاءاتهم الخبيثة، المخادعة، قبل أن يصبحوا، فجأة، هم ولبنانهم الفاشل، المسخ، لقمة سائغة في فم الأبالسة.

هل يعي الزعماء اللبنانيون ما يُخَطَّطُ لهم ولأتباعهم في كهوف الأبالسة، وهم يتلهون ويتبارون بقياس الأحجام والأوزان والحيثيات الشعبية الوهمية، الباطلة، وبنفخ الأنانيات وروح العظمة، وبالإكثار من تجميع العقارات والإستثمارات، ومن تكديس المال وعدِّه؟

هل يتواضعون ويتحابون ويتحدون في سبيل خدمة الشعب، قبل فوات الأوان (أي قبل أن يختفوا كليا من الوجود مع الوطن وشعب الوطن وبقرتهم الحلوب، الدولة)، ليحققوا ذاتهم الوطنية والإنسانية الواحدة، الحرّة، المستقلّة، القوية، كما يشاؤون هم والشعب اللبناني، لا كما يشاء الغرباء الأبالسة؟

إن درب الرجاء الصالح والخلاص والكمال سالك، ولكنّه غير آمن، ومحفوف دائما بالأخطار بوجود الأبالسة وقطاع الطرق والقراصنة. لا يجرؤ أحد على البدء بأول خطوة على هذا الدرب، ومتابعة المسيرة بخطى ثابتة ودون خوف، إلا الشجعان والأقوياء والواعون، وأنقياء القلوب، والودعاء والمتواضعون، ومحبّو السلام وفاعلوه.

من يقود المسيرة في لبنان؟

 بقلم إيلي أنطون شويري

 

في خضمّ الخلافات العنيفة بين الزعماء، اليوم، حول تنازع السلطة وتحديد قوة وحجم ووزن كل زعيم، وفي خضم عجزهم عن تأليف الحكومة وفرضهم عدد ونوعية “الحقائب” الوزارية (وتصنيفهم المضحك لها بسيادية وخدماتية)، بحسب حقهم “المقدس” بحصص الحكم، يستطيع أي لبناني أن يردّ على السؤال المطروح في العنوان، بسخرية ودون تردّد: لا الشعب ولا الساسة أهل لحمل رسالة إنسانية وحضارية، لا اليوم ولا في المستقبل. الواقع تعيس جدا وميؤوس منه، والأمل بغد أفضل مفقود، ومقطوع الأمل منه.

كيف وُلِدَتْ فكرة لبنان “وطن الرسالة”؟

لقد سُمِّي لبنان، هذا الوطن الصغير بمساحته وعدد سكانه، بعد مروره بتجارب مريرة، قاسية، من حروب وفِتَن أهلية كثيرة عبر تاريخه القديم والحديث، بوطن الرسالة، رسالة المحبة والتفاهم والوفاق بين جميع أبنائه من مختلف الطوائف والمذاهب والعائلات. هذه التسمية تعطي شعب لبنان دورا إنسانيا ساميا مميّزا بين سائر الشعوب، وتجعله لها مثالا يُحتذى في حياة المحبّة والشراكة الحقيقية في الحكم والعيش معا بسلام. إنه دورٌ ضدّ العنصريّة المتكبّرة الحاقدة، ونقيضٌ فاضح لها، تلك العنصرية التي تجسِّدُها وتنتهجها منذ سبعين عاما تقريبا، وبشكل سافر، دولة تلمودية مستقوية، إسمها “إسرائيل”، قد زُرِعَت بالقوة في فلسطين بعد الحرب العالمية الثانية، على يد الدول الكبرى المنتصرة في الحرب، ونَمَت وبَنَت نفسها بالعنف، على حساب كل الدول من حولها، التي ما زالت، حتى اليوم، تمعن فيها قتلا وخرابا من خلال أعوانها وإرهابييها.

لقد حُدِّد للبنان دورُه بوضوح وبقوة من الفاتيكان، منذ عقدين ونيّف تقريبا، ومن بعض مراجعه الدينية والسياسية في القرن الماضي، في محاولة لتجنيب لبنان المزيد من تدخل الدول في شؤونه، تدخل يؤدي دائما إلى اقتتال بين أبنائه. الشعب اللبناني وزعماؤه ليسوا كلّهم مقتنعين بهذا الدور، ولا يملكون الوعي الكافي الحقيقي عينه له، ولأبعاده الإنسانية الروحية السامية التي تتخطّى كل تجاذبات وتناقضات وصراعات القوميات والأعراق والأديان والأمزجة، ولا يملكون الإرادة عينَها والحماسَ عينه لتحقيق هذا الدور. بكلمة واحدة، معظم الشعب اللبناني، ومعظم المشتغلين بالسياسة، ومعظم زعماء الطوائف وأهل الدين والفكر والإعلام والمال، لا يأخذون هذا الدور للبنان على محمل الجدّ، ويبدو واضحا من تفكيرهم ومسلكهم السياسيّ بأنهم لا يسعون إلى تحقيقه.

موقف دول العالم من لبنان

أما التعامل مع لبنان من قبل معظم الدول، فهو لا يتمّ على أساس أنه وطن حياديّ، يحمل رسالة خاصة. فلبنان لا يُحيَّد أبدا عن الصراعات الدمويّة التي تجتاح المنطقة بأسرها، ولا يُعتبَر واحة أمان وسلام، ورمزا ل”التعايش” (كما دَرَجَت التسمية) بين جماعات تتنوّع بالدين والمذهب والطائفة والعِرق والقومية، ولا يبدو أن أحدا يريد، أو يحتاج أن يحتذي بهذا المثال. ما هو جليّ وواضح أن دول “العولمة” المستقوية قد قرّرت تعميم سياسة “الفوضى الخلاقة” من خلال العنف في المشرق العربي (باستثناء بعض الدول الإقليمية المتعاونة معها والمستزلِمة لها) وخلط البشر والحجر والشجر في أتون نار يشعلونه باستمرار، لينقِّصوا من عدد البشرية، كما يعلن ذلك، دون أي خوف، دعاة فلسفة “الفوضى الخلاقة” في الغرب. أجل، هكذا، في نظر “عباقرة” التخطيط الجهنّمي، يولد “نظام عالمي جديد”، العنصر الصافي الوحيد فيه هو الكيان اليهودي القومي العنصري، نظام جديد لا يُعاني من كثافة سكانيّة، مُروَّض ومُدجَّن، لا مقاومة فيه، خاضع لسيطرتها واستعبادها.
لبنان لم ينجُ من هذه الهجمة الشرسة، ولولا تصدّي جيشه ومقاومته لجماعات التخريب والإرهاب باسم الدين، المُصَدًّرة من كل حدب وصوب، المُمَوَّلة والمُدرّبَة والمدعومة والمُسَيّرة من قبل دول “الفوضى الخلاقة”، والعدوِّ التلمودي العنصري، وبعض أتباعهم وحلفائهم من الملوك والأمراء العرب الأغنياء في المنطقة، لكان لبنان اليوم، دون مبالغة، في قبضتهم كلّيا وتحت نير وصايتهم وعبوديتهم.

حياد لبنان أو الدور البديل

للبنان دور سياسي، إنساني، أخلاقي، روحي، مهمّ يريد أن يلعبه. ولكنّ الدول التي تؤمن بمصلحتها الذاتية الأنانية فقط، وبالعنف لتحقيق أهدافها، والتي تتظاهر بالكلام الجميل (ويردّد بعض الساسة كلامها) بدعم لبنان وبعدم السماح للصراعات الدائرة حوله بالتمدّد إليه، في الوقت الذي يدلّ الواقع على عكس ذلك، لا تحترم، في الحقيقة، هذا الدور، ولا تسمح للبنان بلعبه. فلماذا يتابع اللبنانيون، إذا، أو الأصحّ بعض اللبنانيين القلائل، نضالهم من أجل الحفاظ على هذا الدور، بحياء وخَفَر، وضعف إيمان بالقدرة على تحقيقه؟ وهل يستطيع لبنان أن يلعب أيّ دور آخر يكون بديلا عن دوره كوطن رسالة، لفرط ما أصبحت هذه الرسالة مع مرّ الزمن ومع تتالي الأحداث المأساوية عليه، وكأنها مستحيلة التحقيق؟ وهل من دور بديل إلا دور الوطن الذليل، الممزّق، التابع لقوى متكبّرة شريرة، لا تقيم وزنا لقِيَمِ الأخلاق والروح؟

أين تكمن المشكلة؟

نستطيع دائما وعن حقّ، أن نلوم الخارج على كل مصائبنا في الداخل. الخارج يتدخل دائما في شؤون اللبنانيين ويزرع الفتن فيما بينهم، ويقوي بالمال والسلاح فريقا على فريق آخر، خدمة لمصالحه السياسية والإقتصادية، ويتدخل في كل الإنتخابات النيابية والرئاسية وفي تأليف كل حكومة أو عرقلة تأليفها.

المشكلة تكمن في أن وضع تدخل الدول الشاذّ في شؤون لبنان قد استمرّ مئات السنين، وتوارثه اللبنانيون من جيل إلى جيل، والملامة تُرْمى دائما على الخارج. والمصيبة الأكبر هي أن اللبنانيين، شعبا وزعماء، لم يتّحدوا أبدا، ولم يتفقوا أبدا على كيفية مواجهة هذه الآفة الشريرة والقضاء عليها، ولم يوجّهوا يوما الملامة إلى أنفسهم. وما زال أبناء الشعب بمعظمهم، حتى اليوم، يصطفّون هم وزعماؤهم مع معسكرات الخارج المتنافسة والمتصارعة والمتحاربة، ويفرحون بالدعم الخارجي، وبمراكز العظمة، وبالمال الحرام والسهل التحصيل دون أي تعب يذكر سوى “تعب” الخيانة (وهذا أمر بسيط جدا بالنسبة لهم) لأنفسهم ولشركاء الوطن.

لا يريد أي مخلص لوطنه أن يلعب لبنان دورا غير دور وطن الرسالة المُوَحَّد والقويّ بشعبه المقاوم وبقادته المخلصين وبجيشه، مهما بدا لعب هذا دور في الوقت الحاضر وفي المستقبل المنظور، صعب التحقيق أو مستحيله، أو، ربما، ساذجا. إن انغماس بعض السياسيين (عن إقتناع أم عن مصلحة شخصية أنانية، أم عن غرور وجهل وتعصّب، أم لكل هذه الأسباب مجتمعة) ممّن يُسَمَّوْن ب”الأقطاب”، في أوحال سياسة الخارج، يبدو أبديا، كما أنهم يبدون سعداء بهذا الإنغماس. هم متورطون حتى رؤوسهم، ويخافون، ربما (؟)، من أسياد الخارج إن هم قرروا (بأعجوبة توبة فجائية؟) أن يعودوا إلى حظيرة الوطن، ويعلنوا عصيانهم على هؤلاء الأسياد. وإن بقوا حيث هم (وهذه هي حقيقة نواياهم وسلوكهم السياسيّ)، فلبنان لن يستطيع أبدا أن يلعب دوره العظيم كوطن رسالة قويّ، إلا إذا توحّد معظم اللبنانيين، شعبا ونُخَبا، بمعزل عن رافضي هذا الدور، في هذه “اللعبة”، لعبة الحياة والعزة والكرامة والمحبة والسلام، لا لعبة أبالسة النار والمال والخيانة والذلّ والشر والموت.

ما الحل؟ ما العمل؟

إنّ لعب دور الوطن الرسالة يحتاج إلى ثورة على الذات. هذا هو الحلّ الوحيد، وهذا هو العمل الوحيد. كل ما عدا ذلك باطل، وخطير، ومحزن، ومدعاة يأس:

-ثورة فريق على آخر؟ هذا شرّ كله.

-ثورة الشعب على ذاته وعلى زعمائه وهو منقسم على ذاته ويقف وراء زعمائه بشكل أعمى؟ هذا غير منطقي ولا يمكن أن يحصل.

-عصيان مدني ونزول إلى الشارع ضدّ من يحتكرون، بدعم من الخارج، الحكم؟ هذا أيضا شرّ كله، إذ إن كل زعيم في الحكم أو خارجه يهدّد بتحريك شارعه (أي جيشه الخاص) هو ضد الشارع الآخر.

-الحوار العسير، المؤقت، العقيم، بين بعض الأطراف، في جوّ يفتقر إلى الصدق والتواضع؟

-ثورة الزعماء على ذاتهم المتكبرة، الجاهلة، المغرورة؟ هذا من رابع المستحيلات، كون الزعماء، في نشوة عظمتهم الدائمة ووهم كمالهم، لا يقرّون أبدا بأن فيهم أي نقص فكري، أو أخلاقي، أو نفسي، أو روحي.

هذا النوع من الثورة على الذات يبقى، في الحقيقة المرّة، مِلكا للأقلية الواعية المتواضعة وحدها، أقلية صادقة، صامتة، حزينة، وعاجزة.

في محاولة لفهم واقعنا الغريب، نطرح على أنفسنا التساؤلات التالية:

إذا كان إصلاح من هم بحاجة إلى إصلاح في عالم السياسة مرفوضا ومستحيلا،

وإذا كان “التعايش” الكامل بين الطوائف يبقى دائما مُنَغّصا وشبه مستحيل،

وإذا كان إشعال ثورة في نفوس السياسيين والشعب معا ضدّ الضعف والنقص المعشّش فيها مستحيلا،

وإذا كانت مقاومة قوى المال والسلاح والطمع في الخارج مستحيلة، مما يجعل اللبنانيين لا يتفقون على شيء،

فما عساه يكون الخيار الواقعيّ، الممكن، المتبقّي، يا ترى، لهذا الوطن المعذّب لبنان، جرّاء تواطؤ بعض سياسيّي الداخل مع بعض حكومات الخارج، وقد سُدّت كل منافذ الخلاص في وجه شعبه الخاسر الأوحد والأكبر في لعبة القوة والسلطة والمال والمصالح بين “كبار” الداخل و”كبار” الخارج؟

هل من أيّ معنى أو جدوى للتحدث عن لبنان “وطن الرسالة” بعد اليوم، في هذا الجوّ المحموم، دائما، والذي يضرب فيه بعض السياسيين والشعب التابع لهم بعرض الحائط بمفهوم “الشراكة” و”وطن الرسالة”، ومقاومة الإرهاب؟

الخيار الوحيد

في هذا الجوّ المحموم الذي يبدو فيه كل شيء مستحيلا، لا خيار أمام زعماء الطوائف المتخاصمين على تقاسم حصص الحكم، إذا أرادوا حقّا الحياة الكريمة الحرّة، المستقرّة، المستقلّة، لهم ولجميع طوائف لبنان، والإستمرار معا في وطن واحد لا غير، هو وطن الرسالة، وطن لا تدوس ولا تدنِّس أرضَه وكرامة شعبه وزعمائه أرجلُ الغرباء بعد اليوم، أجل، لا خيار لهم، اليوم، إلا أن يجتمعوا بأسرع وقت ممكن، ويتحاوروا بكل صدق ومحبة، ويتفقوا، بكل بساطة وقبل كل شيء، على تأليف حكومة تجمع جميع الأفرقاء وتركز اهتمامها على خدمة الشعب، بغض النظر، في الوقت الحاضر، عن تناتش حصص الأوزان والأحجام المخجل، المخزي، السخيف، وخلق فريق أكثرية موالٍ وفريق أقلّية معارض، تقليدا للديمقراطيات العريقة الناضجة التي لن نصل أبدا إلى مستواها من خلال ذهنيات طائفية فاسدة، متخلفة، متحجرة، ونظام طائفي مهترىء.

وأما بالنسبة للأوزان والأحجام، اليوم، فلما الإفتخار ونفخ الذات، والإنتخابات قد تمّتْ بحسب قانون غير عادل للشعب وللمستقلّين، قد فُرِض فرضا على الشعب بشكل سلس وناعم (تماما كفرض زيادة الضرائب)، وكبّل حريته في الإختيار تكبيلا معيبا. على كل حال، كان ينبغي مناقشة هذا القانون ورفضه منذ البداية من جميع النخب، وعلى الشعب أن يكون حذرا في المرة القادمة.

إذًا، وبعد تأليف الحكومة دون تباطؤ، على الزعماء، بالإضافة إلى وجوب خدمة الشعب لا استعباده كالمعتاد، أن يباشروا بشجاعة (هل تراهم يملكونها؟) مناقشة نظام حكم علمانيّ جديد خارج القيد الطائفي، غير مفروض من جماعات مصّاصي الدماء في الخارج، كما فُرِضَ النظام الطائفي منذ الإستقلال حتى اليوم. فهل يفعلون ذلك ليصبحوا أحرارا من كل قيد، وأسيادا على أنفسهم وأرضهم ومصيرهم، أم أنهم يفضّلون اختيار نفخ الذات حتى الإنفجار والإندثار والزوال والعبودية وموت المذلّة في الآتي غير البعيد، وقِدْرُ الكون تغلي غليانا مخيفا بشهوات الأبالسة لحرق وابتلاع الضعفاء غير المُحَصَّنين بدرع قوة الروح؟

وطن الرسالة ممكن

إن تحقيق مشروع وطن الرسالة الموحَّد، القويّ، ليس مستحيلا على اللبنانيين، حتى لو وقف كل العالم ضدّهم. ولكنه يصبح مستحيلا حتى لو كان العالم كله مع هذا المشروع، إذا بقي اللبنانيون أنفسهم غير موحَّدين قلبا وعقلا ويدا. إذًا، الوحدة ثم الوحدة ثم الوحدة، أولا وأخيرا، بين زعماء وأبناء الشعب اللبناني، والباقي يأتي بشكل منطقيّ، طبيعيّ.

لمن يريد أن يسمع ويرى ويعي من أبناء الشعب والساسة وزعماء الطوائف: إن كل لبنان، اليوم، معرّض لخطر كبير، مخيف.

لبنان في خطر أن يخسر نفسه كوطن عادي جدا كسائر الأوطان، وهو قد فشل حتى بتحقيق ذاته كوطن عادي حتى اليوم.

لبنان في خطر أن يخسر نفسه كمشروع وطن ذات رسالة إنسانية وحضارية فريدة.

لبنان، في نهاية الأمر، في خطر أن يخسر وجوده بالذات من خلال ارتماء معظم زعمائه في أحضان أبالسة المال والقوة والشر، وإصغائهم إلى همساتهم وإيحاءاتهم الخبيثة، المخادعة، قبل أن يصبحوا، فجأة، هم ولبنانهم الفاشل، المسخ، لقمة سائغة في فم الأبالسة.

هل يعي الزعماء اللبنانيون ما يُخَطَّطُ لهم ولأتباعهم في كهوف الأبالسة، وهم يتلهون ويتبارون بقياس الأحجام والأوزان والحيثيات الشعبية الوهمية، الباطلة، وبنفخ الأنانيات وروح العظمة، وبالإكثار من تجميع العقارات والإستثمارات، ومن تكديس المال وعدِّه؟

هل يتواضعون ويتحابون ويتحدون في سبيل خدمة الشعب، قبل فوات الأوان (أي قبل أن يختفوا كليا من الوجود مع الوطن وشعب الوطن وبقرتهم الحلوب، الدولة)، ليحققوا ذاتهم الوطنية والإنسانية الواحدة، الحرّة، المستقلّة، القوية، كما يشاؤون هم والشعب اللبناني، لا كما يشاء الغرباء الأبالسة؟

إن درب الرجاء الصالح والخلاص والكمال سالك، ولكنّه غير آمن، ومحفوف دائما بالأخطار بوجود الأبالسة وقطاع الطرق والقراصنة. لا يجرؤ أحد على البدء بأول خطوة على هذا الدرب، ومتابعة المسيرة بخطى ثابتة ودون خوف، إلا الشجعان والأقوياء والواعون، وأنقياء القلوب، والودعاء والمتواضعون، ومحبّو السلام وفاعلوه.

من يقود المسيرة في لبنان؟

المصدر:  النهضة نيوز

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

النهضة موقع عربي إخباري ثقافي إقتصادي, يهتم بقضايا الإنسان العادلة وينتصر لها بأي أرض وميدان كانت, ننشد النهضة لشعوبنا بعدما استوطنت أمية الحرف والفكر فيها وتم إستلاب وعيها, النهضة هي منبر لكل فكر حر يسعى للتنوير ولنشر المعرفة المنشودة لإستعادة الوعي الجمعيِ العربيِ المسلوب.

Copyright © 2018 Alnahda News

Powered BY