هل “يعتذر” الحريري بعد انقضاء مهلة الأيام العشرة؟

 

حسين عاصي

 

في دردشته مع الصحافيين قبل أيام، قال رئيس الحكومة المكلف ​سعد الحريري​ إنّ اعتذاره عن عدم تأليف الحكومة يعني أنّه لن يقبل بأن يُكلَّف من جديد، سواء بصيغٍ قديمة أو جديدة.

صحيحٌ أنّ الحريري كان يردّ بهذا الكلام على ما يسرَّب من أقوالٍ من هنا وهناك لدفعه نحو الاعتذار لإعادة تكليفه من جديد، ولكن بشروطٍ جديدة مختلفة عمّا سبق، قد يكون بينها ما يتعلق بشكل الحكومة نفسها، وما إذا كانت حكومة أكثرية أم حكومة وفاق وطني.

ولكنّ الصحيح أيضاً أنّها المرّة الأولى التي يتحدّث فيها الحريري صراحةً أو تلميحاً عن خيار الاعتذار، بعدما كان “منبوذاً” في المُطلَق منه ومن محيطه في المرحلة الماضية، ما يدفع إلى التساؤل عمّا إذا كان هذا الخيار أصبح “وارداً” عملياً، خصوصاً بعد انقضاء مهلة الأيام العشرة التي ألزم نفسه بها…

 

رسالة واضحة

 

في الشكل، يوجّه الحريري من خلال حديثه عن “الاعتذار”، رسالة واضحة إلى من يعنيه الأمر بأنّ الاعتذار يعني عدم العودة مجدّداً وكأنّ شيئاً لم يكن، توازياً مع إلزام نفسه بمهلة عشرة أيام قابلة للتمديد، على رغم أنّه كان يصرّ سابقاً على رفض فكرة الاعتذار والمهلة على حدّ سواء، داعياً بذلك إلى تسهيل مهمّته لا الاستمرار في وضع العصيّ في دواليبها كما هو حاصل اليوم، وبشكلٍ بات يهدّد استمراره في موقعه بشكلٍ أو بآخر.

من هنا، لا يمكن اعتبار “رسائل” الحريري المستجدّة “محض صدفة”، خصوصاً أنّها تزامنت مع تفاؤل مفرط قد يكون الأقوى منذ تكليفه تأليف الحكومة، قبل أن تُظهِر الساعات الأخيرة أنّه مفتعل، وهو ما تجلّى خصوصاً من خلال كلام رئيس “​التيار الوطني الحر​” وزير الخارجية ​جبران باسيل​ سواء في مؤتمره الصحافي قبل أسبوع، أو في حديثه التلفزيوني قبل يومين، والذي ثبّت خلاله العقد الحكومية، ناسفاً بالوقائع كلّ ما حُكي عن تقدّم هنا أو هنالك، ما أظهر بأنّ الأمور لا تزال عالقة في المربع الأول، بل إنّ هناك من أفرط في السلبية باعتبار أنّها أصبحت ما دون نقطة الصفر حتى.

ولأنّ هناك بين القريبين من الحريري والبعيدين عنه من يسرّب أنّ بعض العاملين على خط الحكومة يسعون إلى دفعه إلى الاعتذار ليُكلَّف من جديد، بما يعيد رسم الخريطة الحكومية رأساً على عقب، بعدما باتت واضحة استحالة تطبيق حكومة الوفاق الوطني كما هي مطروحة، بما يعكس نتائج ​الانتخابات النيابية​ الأخيرة، فإنّ رئيس الحكومة أراد أن يقول إنّ مثل هذه المعادلة لن تستقيم معه، وأنّه لن يشكّل سوى حكومة الوفاق التي كُلّف على أساسها، وبالتالي فإنّ اعتذاره في حال حصل سيكون بمثابة استسلام، لا تهيئة الأرضية لتكليف جديد ومعايير جديدة.

 

لا اعتذار…

 

إذا كان الحريري يصرّ على الإيحاء بأنّ الاعتذار يعني أنه لن يعود رئيساً مكلفاً للحكومة من جديد، فإنّ مؤشرات كثيرة توحي بأنّ الأمر لا يعدو كونه من باب الاستخدام والابتزاز السياسي، لأنّه إذا كان معظم الفرقاء متمسّكين ببقاء الرجل في موقعه، فإنّ الأخير ليس مستعداً بدوره للتفريط بموقعه، لاعتبارات شخصية وسياسية لا تُعَدّ ولا تُحصى.

وفي هذا السياق، يقول كثيرون، بينهم مقرّبون من الحريري نفسه، إنّه إذا كان العهد ومعه معظم الفرقاء مصرّين على ترؤس الحريري للحكومة، تكريساً لنظرية “الرجل القوي في طائفته” واحتراماً لنتائج الانتخابات النيابية الأخيرة التي أظهرت تفوّقه الواضح، ولو أنهت مسألة “احتكاره” التمثيل السنّي، فإنّ حاجة الحريري للبقاء في منصبه تفوق ذلك بأضعاف وأشواط.

ولعلّ علاقة الحريري التي لا تزال “ملتبسة” و”مرتبكة” مع مرجعيته الإقليمية، أي المملكة العربية السعودية، كما يؤكد البعض، بسبب العديد من التراكمات، بعضها ظهر علناً خلال وبعد أزمة استقالته من الرياض قبل عام، وبعضها الآخر تضجّ به الكواليس السياسية، تشكّل عاملاً أساسياً يدفع الحريري إلى التمسّك بالموقع الذي سيتيح له وحده إعادة ترتيب علاقاته الداخلية والخارجية بما يلائم مصلحته ومصلحة تياره السياسي.

وبالإضافة إلى ذلك، لا شكّ أنّ ما يُحكى عن أنّ “حكومة العهد الأولى” ستستمرّ طيلة السنوات الأربع المقبلة، إذا لم يطرأ طارئ بطبيعة الحال، يجعل الحريري أكثر تمسّكاً برئاستها، لكونه لن يرضى بإقصاء نفسه عن “الشراكة” التي أفرزتها التسوية الرئاسية الشهيرة، والتي ضحّى بالكثير من أجلها، منذ تبنّيه خيار انتخاب العماد ​ميشال عون​ رئيساً للجمهورية، رغم “الخصومة الشديدة” التي كانت تتّسم بها العلاقة بين الرجلين.

ولا شكّ أن ما يزيد هذا الإصرار يكمن في أدوار ووظائف الحكومة التي يبدو أنّ الملفّ الاقتصادي سيشكّل باكورة عملها، خصوصاً في ضوء مؤتمر “سيدر” وما أفرزه من هبات وقروض ميسّرة للمساعدة في نهوض الاقتصاد اللبناني، وهو ما يعتبره الحريري “إنجازاً شخصياً” حقّقه، لن يرضى بطبيعة الحال أن يعزل نفسه عنه، وبالتالي عن نتائجه وتبعاته المتوقّعة.

 

سيناريوهات بالجملة

 

سيناريوهات بالجملة إذاً يمكن أن يذهب إليها الحريري في المرحلة المقبلة، بعد انقضاء مهلة الأيام العشرة التي ألزم نفسه بها، ليس بينها واقعياً خيار “الاعتذار”، سوى من باب المناورات السياسية في أحسن الأحوال.

وإذا كان “السيناريو” الأفضل، وهو التوصّل إلى توافق يفرز تأليفاً للحكومة طال انتظاره، يبدو بعيد المنال، بالنظر إلى انقلاب الأجواء مجدّداً في الساعات الأخيرة، بل زيادة العقد تعقيداً وبروز عقد جديدة، فإنّ من “السيناريوهات” الممكنة أن يعمد الحريري إلى وضع صيغة جديدة بين يدي رئيس الجمهورية بعد انتهاء “المهلة”.

وأبعد من هذه الصيغة، وما إذا كان يمكن أن تقود إلى “الانفراج” أو “الانفجار” من جديد، فإنّ الأكيد أنّ تمديد “المهلة” التي ألزم الحريري نفسه بها لا يمكن أن يستمرّ إلى ما شاء الله، لأنّ “المصلحة” التي تقضي ببقاء الرجل في موقعه، تقضي قبل ذلك بتشكيل حكومة سريعاً، بمعزل عن كل التفاصيل الأخرى، تفادياً لخسارة كل “الامتيازات الموعودة” من “سيدر” وغيره…

حسين عاصي

 

في دردشته مع الصحافيين قبل أيام، قال رئيس الحكومة المكلف ​سعد الحريري​ إنّ اعتذاره عن عدم تأليف الحكومة يعني أنّه لن يقبل بأن يُكلَّف من جديد، سواء بصيغٍ قديمة أو جديدة.

صحيحٌ أنّ الحريري كان يردّ بهذا الكلام على ما يسرَّب من أقوالٍ من هنا وهناك لدفعه نحو الاعتذار لإعادة تكليفه من جديد، ولكن بشروطٍ جديدة مختلفة عمّا سبق، قد يكون بينها ما يتعلق بشكل الحكومة نفسها، وما إذا كانت حكومة أكثرية أم حكومة وفاق وطني.

ولكنّ الصحيح أيضاً أنّها المرّة الأولى التي يتحدّث فيها الحريري صراحةً أو تلميحاً عن خيار الاعتذار، بعدما كان “منبوذاً” في المُطلَق منه ومن محيطه في المرحلة الماضية، ما يدفع إلى التساؤل عمّا إذا كان هذا الخيار أصبح “وارداً” عملياً، خصوصاً بعد انقضاء مهلة الأيام العشرة التي ألزم نفسه بها…

 

 

في الشكل، يوجّه الحريري من خلال حديثه عن “الاعتذار”، رسالة واضحة إلى من يعنيه الأمر بأنّ الاعتذار يعني عدم العودة مجدّداً وكأنّ شيئاً لم يكن، توازياً مع إلزام نفسه بمهلة عشرة أيام قابلة للتمديد، على رغم أنّه كان يصرّ سابقاً على رفض فكرة الاعتذار والمهلة على حدّ سواء، داعياً بذلك إلى تسهيل مهمّته لا الاستمرار في وضع العصيّ في دواليبها كما هو حاصل اليوم، وبشكلٍ بات يهدّد استمراره في موقعه بشكلٍ أو بآخر.

من هنا، لا يمكن اعتبار “رسائل” الحريري المستجدّة “محض صدفة”، خصوصاً أنّها تزامنت مع تفاؤل مفرط قد يكون الأقوى منذ تكليفه تأليف الحكومة، قبل أن تُظهِر الساعات الأخيرة أنّه مفتعل، وهو ما تجلّى خصوصاً من خلال كلام رئيس “​التيار الوطني الحر​” وزير الخارجية ​جبران باسيل​ سواء في مؤتمره الصحافي قبل أسبوع، أو في حديثه التلفزيوني قبل يومين، والذي ثبّت خلاله العقد الحكومية، ناسفاً بالوقائع كلّ ما حُكي عن تقدّم هنا أو هنالك، ما أظهر بأنّ الأمور لا تزال عالقة في المربع الأول، بل إنّ هناك من أفرط في السلبية باعتبار أنّها أصبحت ما دون نقطة الصفر حتى.

ولأنّ هناك بين القريبين من الحريري والبعيدين عنه من يسرّب أنّ بعض العاملين على خط الحكومة يسعون إلى دفعه إلى الاعتذار ليُكلَّف من جديد، بما يعيد رسم الخريطة الحكومية رأساً على عقب، بعدما باتت واضحة استحالة تطبيق حكومة الوفاق الوطني كما هي مطروحة، بما يعكس نتائج ​الانتخابات النيابية​ الأخيرة، فإنّ رئيس الحكومة أراد أن يقول إنّ مثل هذه المعادلة لن تستقيم معه، وأنّه لن يشكّل سوى حكومة الوفاق التي كُلّف على أساسها، وبالتالي فإنّ اعتذاره في حال حصل سيكون بمثابة استسلام، لا تهيئة الأرضية لتكليف جديد ومعايير جديدة.

 

 

إذا كان الحريري يصرّ على الإيحاء بأنّ الاعتذار يعني أنه لن يعود رئيساً مكلفاً للحكومة من جديد، فإنّ مؤشرات كثيرة توحي بأنّ الأمر لا يعدو كونه من باب الاستخدام والابتزاز السياسي، لأنّه إذا كان معظم الفرقاء متمسّكين ببقاء الرجل في موقعه، فإنّ الأخير ليس مستعداً بدوره للتفريط بموقعه، لاعتبارات شخصية وسياسية لا تُعَدّ ولا تُحصى.

وفي هذا السياق، يقول كثيرون، بينهم مقرّبون من الحريري نفسه، إنّه إذا كان العهد ومعه معظم الفرقاء مصرّين على ترؤس الحريري للحكومة، تكريساً لنظرية “الرجل القوي في طائفته” واحتراماً لنتائج الانتخابات النيابية الأخيرة التي أظهرت تفوّقه الواضح، ولو أنهت مسألة “احتكاره” التمثيل السنّي، فإنّ حاجة الحريري للبقاء في منصبه تفوق ذلك بأضعاف وأشواط.

ولعلّ علاقة الحريري التي لا تزال “ملتبسة” و”مرتبكة” مع مرجعيته الإقليمية، أي المملكة العربية السعودية، كما يؤكد البعض، بسبب العديد من التراكمات، بعضها ظهر علناً خلال وبعد أزمة استقالته من الرياض قبل عام، وبعضها الآخر تضجّ به الكواليس السياسية، تشكّل عاملاً أساسياً يدفع الحريري إلى التمسّك بالموقع الذي سيتيح له وحده إعادة ترتيب علاقاته الداخلية والخارجية بما يلائم مصلحته ومصلحة تياره السياسي.

وبالإضافة إلى ذلك، لا شكّ أنّ ما يُحكى عن أنّ “حكومة العهد الأولى” ستستمرّ طيلة السنوات الأربع المقبلة، إذا لم يطرأ طارئ بطبيعة الحال، يجعل الحريري أكثر تمسّكاً برئاستها، لكونه لن يرضى بإقصاء نفسه عن “الشراكة” التي أفرزتها التسوية الرئاسية الشهيرة، والتي ضحّى بالكثير من أجلها، منذ تبنّيه خيار انتخاب العماد ​ميشال عون​ رئيساً للجمهورية، رغم “الخصومة الشديدة” التي كانت تتّسم بها العلاقة بين الرجلين.

ولا شكّ أن ما يزيد هذا الإصرار يكمن في أدوار ووظائف الحكومة التي يبدو أنّ الملفّ الاقتصادي سيشكّل باكورة عملها، خصوصاً في ضوء مؤتمر “سيدر” وما أفرزه من هبات وقروض ميسّرة للمساعدة في نهوض الاقتصاد اللبناني، وهو ما يعتبره الحريري “إنجازاً شخصياً” حقّقه، لن يرضى بطبيعة الحال أن يعزل نفسه عنه، وبالتالي عن نتائجه وتبعاته المتوقّعة.

 

 

سيناريوهات بالجملة إذاً يمكن أن يذهب إليها الحريري في المرحلة المقبلة، بعد انقضاء مهلة الأيام العشرة التي ألزم نفسه بها، ليس بينها واقعياً خيار “الاعتذار”، سوى من باب المناورات السياسية في أحسن الأحوال.

وإذا كان “السيناريو” الأفضل، وهو التوصّل إلى توافق يفرز تأليفاً للحكومة طال انتظاره، يبدو بعيد المنال، بالنظر إلى انقلاب الأجواء مجدّداً في الساعات الأخيرة، بل زيادة العقد تعقيداً وبروز عقد جديدة، فإنّ من “السيناريوهات” الممكنة أن يعمد الحريري إلى وضع صيغة جديدة بين يدي رئيس الجمهورية بعد انتهاء “المهلة”.

وأبعد من هذه الصيغة، وما إذا كان يمكن أن تقود إلى “الانفراج” أو “الانفجار” من جديد، فإنّ الأكيد أنّ تمديد “المهلة” التي ألزم الحريري نفسه بها لا يمكن أن يستمرّ إلى ما شاء الله، لأنّ “المصلحة” التي تقضي ببقاء الرجل في موقعه، تقضي قبل ذلك بتشكيل حكومة سريعاً، بمعزل عن كل التفاصيل الأخرى، تفادياً لخسارة كل “الامتيازات الموعودة” من “سيدر” وغيره…

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة تعبّر عن رأي صاحبها حصراً

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

النهضة موقع عربي إخباري ثقافي إقتصادي, يهتم بقضايا الإنسان العادلة وينتصر لها بأي أرض وميدان كانت, ننشد النهضة لشعوبنا بعدما استوطنت أمية الحرف والفكر فيها وتم إستلاب وعيها, النهضة هي منبر لكل فكر حر يسعى للتنوير ولنشر المعرفة المنشودة لإستعادة الوعي الجمعيِ العربيِ المسلوب.

Copyright © 2018 Alnahda News

Powered BY