هل حان وقت تقسيم السعودية ؟

د. جمال واكيم

في العام 1958، وعقب انهيار حكم الهاشميين في العراق وما تبعه من انهيار حلف بغداد التابع للولايات المتحدة وبريطانيا في مواجهة الاتحاد السوفياتي، ابرق رئيس الوزراء الصهيوني ديفيد بن غوريون الى الرئيس الاميركي دوايت ايزنهاور برسالة يقول فيها ان الغرب لا يمكنه ان يعول على اي دولة عربية لضمان ولاء المنطقة للغرب، وأن على الولايات المتحدة أن تتحالف مع قوى شرق أوسطية غير عربية على رأسها اسرائيل لضمان ولاء هذه المنطقة للغرب.

في هذا الوقت كان الزعيم المصري جمال عبد الناصر يقود مشروع مواجها للامبريالية الغربية في المنطقة، وكانت المملكة العربية السعودية قد جاهرت بعدائها له بعد انتصاره في حرب السويس عام 1956. وقد زاد عداء المملكة لعبد الناصر بعد دعمه الثورة اليمنية في العام 1962، ثم بعد وصول الملك فيصل الى العرش في المملكة في العام 1964. وقد نسجت المملكة علاقات سرية مع البريطانيين والفرنسيين والاسرائيليين والاردنيين لقتال المصريين في اليمن، ثم لعبت المملكة دورا في تدعيم قوى الاسلام السياسي في العالم العربي لمواجهة القوى القومية واليسارية، وقيل انها دعمت سرا الضربة الاسرائيلية للقوى التقدمية العربية وعلى رأسها مصر وسورية في العام 1967، ثم دعمت انتقال مصر من محور المواجهة مع الغرب الى كنف الولايات المتحدة في ظل حكم أنور السادات لمصر. كما دعمت توجه الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات لاقامة حل سلمي مع الكيان الصهيوني بدءا من العام 1974، ثم قيل أنه كان لها دور في الغزو الاسرائيلي للبنان في العام 1982 وفي ضرب العراق في العام 1991 تلبية للرغبات الاميركية.

وفي العقود الثلاثة الماضية شجعت المملكة عملية التسوية مع الكيان الصهيوني وحاولت التضييق على سورية ودعمت غزو العراق عام 2003 مع ما كان له من تبعات مدمرة على العراق والعرب بشكل عام، ثم دعت الى تسوية تاريخية مع الكيان الصهيوني في العام 2002 عرفت بمبادرة الامير عبد الله، لتدين بعدها المقاومة اللبنانية خلال العدوان الاسرائيلي على لبنان في العام 2006. وعند اندلاع الربيع العربي دعمت المملكة الاطاحة بزين العابدين بن علي في تونس بناء للتعليمات الاميركية والغربية، ثم ساهمت بالاطاحة بمعمر القذافي في ليبيا ودعمت القوى المعارضة للحكم المركزي في العراق وسورية واليمن وساهمت في تطويع مصر بعد ثورة يناير 2011 لتصبح الصورة كالتالي: جميع الدول العربية باستثناء المملكة العربية السعودية باتت في وضع ضعيف جدا كما باتت مهددة بالتقسيم.

في هذا الوقت بدت المملكة وكأنها الوحيدة بين الدول العربية التي تتمتع بحصانة من التغييرات التي تتعرض لها الدول العربية الاخرى. لكن المملكة كانت تواجه جملة تحديات، فالشعب السعودي نما بشكل كبير عما كان عليه الحال قبل قرن عند تأسيس المملكة على يد الملك عبد العزيز ال سعود، كما أن السعوديين باتوا بغالبيتهم سكان مدن لا سكان ريف، وبالتالي لم تعد عائدات النفط تكفي لتوزع على الشعب كما كان عليه الحال في السابق، خصوصا في ظل تدهور اسعار النفط العالمية التي تسببت بها المملكة بناء للرغبة الاميركية في الضغط الاقتصادي على روسيا وايران وفنزويلا. ناهيك عن أزمة الحكم المتمثلة ببلوغ اولاد الملك عبد العزيز سن الشيخوخة وعدم وجود صيغة لانتقال الحكم الى الاحفاد. هنا حالف الحظ الملك سلمان الذي تبوأ سدة الحكم في العام 2014 خلفا لاخيه المتوفي عبد الله. وكان لسلمان ولد فتي هو محمد بن سلمان وهو في بداية العقد الرابع من العمر ما يجعله حاكما واعدا للسعودية في حال تبوئه الحكم. وقد نجح بن سلمان في ان يسمي نفسه وليا للعهد متفوقا على المئات من الامراء من اولاد عمومته ذوي التحالفات النافذة.

لكن بما ان مناوئيه كثر، والتحديات كبيرة فلقد راهن بن سلمان على دعم الولايات المتحدة له ليتجاوز عقبة المعارضة الداخلية التي يمكن ان تنشأ بوجهه. وقد ترافق هذا مع حملات شنها بن سلمان ضد معارضيه ما جعل الكثيرين منهم يلجأون الى الخارج. في هذا الوقت كانت الولايات المتحدة بزعامة دونالد ترامب تبتز الاموال من المملكة لقاء اعطاء دعمها لولي العهد. وكان من بين معارضي بن سلمان الصحفي جمال الخاشقجي ذو الميول المؤيدة للاخوان المسلمين. وكان الاميركيون خلال عهد باراك اوباما قد فكروا في استبدال الانظمة العربية المتهالكة ومن ضمنها السعودية بالاخوان المسلمين ما جعل الاسرة الحاكمة في المملكة حساسة جدا تجاه اعضاء هذا التنظيم. هذا دفع بالخاشقجي كما غيره الى اللجوء الى الولايات المتحدة ومن ثم الى تركيا حيث اختفى في اوائل تشرين اول اكتوبر 2018 بعد دخوله الى القنصلية السعودية في اسطنبول.

وكان المفاجىء هذه المرة أن الغرب لم يسكت عن قضية الخاشقجي كما سكت عن الكثير من غيرها من القضايا. هنا يبرز التقدير الى أن هنالك رغبة أميركية وغربية لاستهداف المملكة العربية السعودية بصفتها آخر دولة عربية كبرى على الساحة الشرق أوسطية. فهل تشكل قضية الخاشقجي شرارة اشعال الفتنة في المملكة بما يؤدي الى انهيار الحكم فيها وتقسيمها أسوة بغيرها من الدول العربية، بحيث لا يبقى في الميدان غربي الفرات الا الكيان الصهيوني كلاعب اقليمي؟