لماذا تراجعت تركيا أمام تقدم الجيش السوري في إدلب؟

0

بعد التصريحات الحامية التي كان النظام التركي يطلقها خلال السنوات الماضية، وبعد احتلاله شريطاً حدودياً في شمال وشمال شرق سورية، وتثبيته نقاط احتلال أساسية تحت مسمى “نقاط مراقبة” في مناطق مختلفة من إدلب وريف حلب الجنوبي الغربي، تبدو ردود الفعل التركية تجاه تقدم الجيش السوري في منطقتي ريف حلب وإدلب أقل بكثير مما كان متوقعاً.

فبينما يتقدم الجيش السوري بسرعة في إدلب، محرراً معرة النعمان الاستراتيجية، ومقترباً من سراقب، كما يفعل في أطراف حلب وريفها، بالكاد يرد اسم سورية في الإعلام التركي! حتى وكالة أنباء الأناضول ومحطة تي آر تي التركية اللتان اعتادتا أن تكونا رأس الحربة في الدعاية ضد سورية، وفي الدفاع عن الميليشيات الإرهابية، وحتى في التغطية على إرهابيي داعش والنصرة.

فوكالة أنباء الأناضول همشت الأخبار عن سورية، واكتفت خلال الأيام الماضية بنقل “الحقائق” البسيطة مثل دخول الجيش السوري إلى معرة النعمان. بالطبع مع القليل القليل من الإدانات والتذكير بمحنة اللاجئين! ولم يتجاوز اهتمامها بالحدث البارز، اندحار ميليشيات الإرهابيين (القاعدة والأخوان ومن لف لفهم) في معرة النعمان وغرب حلب، القول بأن “قوات النظام السوري وروسيا” تفعل كذا وكذا بالمدنيين!

وكان لافتاً أن اجتماع “مجلس الأمن القومي” التركي بالكاد تطرق إلى سورية! مهدداً بأن أنقرة ستتخذ “إجراءات إضافية” إذا استمر الجيش السوري في تحرير أرضه من الميليشيات الإرهابية. دون أن يأتي على ذكر أي “إجرءات إضافية” سيتم اتخاذها ولا ما طبيعتها، أو حدودها الزمنية! بل اكتفى الرئيس التركي نفسه بالتهديد بالرد في حال “استهدفت” نقاط المراقبة التي وضعها جيش الاحتلال التركي في إدلب. بما يشير إلى أنه لن يتخذ أي إجراء ما لم يتعرض جنوده أنفسهم لنيران الجيش السوري!

ولا يخرج عن السياق تهديد الرئيس التركي بـ”نسف” اتفاق سوتشي (بين روسيا وتركيا وإيران، وبموافقة دمشق)، إذا لم يتوقف الجيش السوري عن تحرير المزيد من أراضي إدلب وحلب من سيطرة الميليشيات الإرهابية.

ومن الواضح أن هناك اختلافات أساسية بين واقع اليوم، والواقع قبل عام أو عامين، فيما يخص قدرة النظام التركي على فعل شيئ لحماية إرهابييه في سورية.

فمن جهة، لم يعد لدى النظام التركي حلفاء في مشروعه لتدمير الدولة السورية وتقسيمها. فقد أدى احتلاله لمناطق شمال شرق سورية (المسمى “نبع السلام”) إلى انفضاض الولايات المتحدة الأمريكية عنه، خاصة بعد أن تابع بشراء منظومة الدفاع الصاروخي الروسية، ضارباً عرض الحائط بتهديدات ترامب.

وكذلك انفضت عنه ألمانيا وفرنسا وبريطانيا بعد أن بدأ يحاول تعكير صفو امتصاصهم لخيرات ليبيا، عن طريق دعمه لـ”حكومة الوفاق المعترف بها دولياً في طرابلس”، إذ تدعم تلك الدول، إلى جانب الخليج العربي ومصر، قوات الجنرال خليفة حفتر التي ضمنت إمدادات النفط إلى تلك الدول، وضمنت مصالحها في المناطق التي يسيطر عليها في ليبيا.

ومع تزايد الدعم التركي لحكومة الوفاق، عبر نقل الإرهابيين السوريين من إدلب وريف حلب إلى طرابلس، وإرسال شحنات أسلحة وعربات مدرعة كما أثبت اليوم فيديو يوثق الآليات العسكرية التي وصلت طرابلس من تركيا على متن سفينة تحمل العلم اللبناني، باتت جميع الدول الغربية في موقف العداء لنظام أردوغان، إلى حد أن النائب عن اليونان في مجلس الإتحاد الأوروبي قام بتمزيق العلم التركي في القاعة!

ومن جهة أخرى، فشلت الميليشيات التي اعتنى بها النظام التركي طوال السنوات الماضية، وتلك التي ما زالت تدين بالولاء لبعض أعدائه المؤقتين مثل السعودية، في الحفاظ على “مكتسباتها” سواء كانت أرض احتلتها، أو مدنيين تسيطر عليهم، ولم يعد بإمكانها الوقوف بوجه الجيش السوري الذي أمضى أكثر من عام حتى الآن في الاستعداد لمعركة تحرير إدلب وريف حلب، حشد خلالها الكثير من قواه، وكثف من تدريباته.

وحتى دولياً، يبدو الاهتمام الغربي بخدعة “المدنيين” في إدلب قد تراجعت كثيراً إلى الوراء، مع تقدم قضايا أكثر أولوية لتلك الدول، مثل ليبيا، فيروس كورونا، وصفقة القرن.

لكل هذه الأسباب، إضافة إلى التأكيد الروسي الحازم بأن من لم يلتزم باتفاق سوتشي هي تركيا التي رفضت الفصل بين إرهابيي داعش والقاعدة (هيئة تحرير الشام) ومن لف لفها، وإرهابيين آخرين يطلق عليهم صفة “معتدلين”، أمثال الأخوان المسلمين، وجدت تركيا نفسها في ورطة أمام تقدم الجيش السوري.

وقد تكون هذه “الورطة” لنظام أردوغان، عاملاً معززاً ومساعداً للجيش السوري في مواصلة تحريره المزيد من الأراضي، دون القلق من إمكانية الاضطرار إلى خوض حرب مباشرة مع المحتل التركي، قد لا تكون ضمن خططه العاجلة.

مشرق نيوز

اسيا نيوز