محاولة توضيح وفهم لمصطلح غامض إسمه “التاريخ”

 

بقلم إيلي أنطون شويري

 

مقدِّمة: ماهية التاريخ وصنعه

إنه أمر بسيط، معروف، لا لزوم للتشديد عليه، أن التاريخ ليس مجرّد شبح مجهول من الماضي يلاحقنا باستمرار، ونرتاح جدا حين نلقي عليه الملامة بسبب حاضرنا المأساوي والحزين، إنما هو نحن، اليوم وغدا، ومن سبقنا في الزمن الماضي على هذه الأرض. إنه نحن (بالفكر والعاطفة والإرادة والأقوال والأعمال)، فردا فردا، وعائلات ومجتمعات وشعوبا وأوطانا وحضارات. إنه ذاكرتنا الإنسانية، ذاكرة اللحم والدم، المؤرَّخَة والمحفوظة في المخطوطات والكتب وفي التقاليد المُتَوارَثَة من جيل إلى جيل.

صحيح أننا نتكلّم عن التاريخ بضمير الغائب: “هو”. ولكن لا ينبغي أن نعتبره كائنًا حيًّا، مستقلًّا عن كياننا الإنساني، وكأنه مجموعة أحداث من الماضي (“مهمة”، نسبيا، بنظر من يؤرِّخون) نفرح ونفتخر ببعضها، ونحزن لبعضها الآخر. إن تلك الأحداث الماضية هي، في الحقيقة، خارجة عن إرادتنا، ولكننا نعيش نتائجها ونعاني من ارتداداتها سلبا و/أو إيجابا. لذلك، لا ينبغي أبدا أن يغيب عن بالنا بأنه من مسؤوليتنا وواجبنا نحن، في حاضرنا، ككائنات تاريخية واعية ومسؤولة على الأرض، وخاضعة لدورة زمن لا تتوقّف، ولبيئة إنسانية معادية، ألّا نتهرب من محاولة صنع تاريخنا وتاريخ أولادنا وأحفادنا، تاريخ يكون أفضل ممّا ورثناه عمّن سبقونا.

تداول كلمة “تاريخ”

التاريخ كلمة كبيرة، رنّانة، سحرية، تتردّد كثيرا على ألسنة بعض السياسيين والإعلاميين اللبنانيين (ويردّدها، بعدهم، بعض المناصرين والمُعجَبين)، بشكل عابر، ودون فهم عميق لمعنى الكلمة وأبعادها الإنسانية والأخلاقية والروحية. إنها كلمة يعشقون ذكرها والإستشهاد بها، في أي حديث عن السياسة. لعلّها تُشعرهم بأهميتهم الذاتية لدى التلفّظ بها؟ ولعلهم أيضا يتوخَّون خلق انطباع لدى سامعيهم وقارئيهم بأنهم ذوو ثقافة واسعة ووعي كبير لسرّ الوجود والحياة؟

نودّ أن نذكر، هنا، بعض الأقوال الشائعة، المُرَدَّدَة بشكل قوالب جامدة، فاقدة لمعناها الحقيقي ولحيويّتها الطبيعية: “التاريخ لا يرحم”، “مزبلة التاريخ”، “دخول التاريخ من بابه العريض”، “عِبَرِ التاريخ”، “التاريخ يعيد نفسه”، أخبار أو أحداث هي “ملك التاريخ”، “منطق التاريخ”، “حتميّة التاريخ”، يوم أو شخص أو حدث “تاريخي”.

مفهوم التاريخ

إن مفهوم التاريخ النظريّ هو التحديد المُعطى له من قبل عدّة مفكرين في أزمنة مختلفة، والذي يعكس طبيعة مسارّه ووجهته في الواقع الإنساني، في مجرى نهر الزمان الجارف، وفي جغرافية المكان الثابتة. ويمكن تحديده بمجموعة الأحداث المتتالية المتراكمة التي تمرّ بها الشعوب منذ فجر التاريخ وفجر وعي الإنسان، المحفوظة في الذاكرة الشعبية، أو المحفورة على صخور الكهوف بشكل رموز بشرية ولغوية وحيوانية وأدوات صيد وغيرها، أو المدوّنة-المُؤرَّخَة في المخطوطات والكتب. يتمّ التركيز، عادة، في كتابة التاريخ، على الأشخاص “المهمّين” في صنع الأحداث وتحريكها. إنها أحداث لها معناها الإنساني، الوجوديّ، الروحيّ، لا مجرّد كميات من التراكمات المادية.

نورد، هنا، بعض الأقوال المقتضبة لبعض المفكرين، في محاولاتهم لتحديد حقيقة الوجود والتاريخ، والصراع الدائم من أجل البقاء والتقدم: “إرادة الحياة”، “إرادة القوة”، “صراع الأضداد”، “صراع الطبقات”، “الجدليّة المادّية” (تحقيق الإنسانية لذاتها بدون الله)، “الجدلية الروحية” (تحقيق الإنسانية لذاتها وتحقيق أو تجسيد للروح الكبرى أو الله في التاريخ، على مراحل)، “تنازع البقاء”، “بقاء الأقوى”، “الوجود هو بُنْيَة لا واعية”. كلها عناوين وحقائق تساهم، مجتمعة، في تفسير معنى وحركة الحياة البشرية والتاريخ البشري.

صُنع التاريخ ومساره

إن التاريخ الحديث والمعاصر، بأخباره وأحداثه وتفسيراته اليومية، هو مسؤولية الإعلام المرئيّ والمسموع والمقروء. إننا نرى، على مسرح التاريخ، الممثلين واللاعبين الأساسيين، وهم قادة السياسة والعسكر والدين والمال والفكر. أما مسارّ التاريخ، بحسب بعض المفكّرين، فهو دائري، كونه يعيد نفسه باستمرار. وبحسب بعضهم الآخر، هو خطّ مستقيم لا عودة فيه إلى الوراء إلا للتحفز من أجل الوثوب مجدّدا إلى الأمام، كون التطوّر والتقدّم والإرتقاء أشياء متلازمة دائما، وبشكل جَدَلِيّ حتميّ، مع حركة التاريخ التي لا تعرف التوقّف. ويستمدّ الإنسان نظرته الفلسفية للوجود من تاريخه لأن التاريخ هو تجسيد ومرآة لوجود البشرية وحضورها على الأرض، المتوجهة صوب تحقيق كمالها، أو ذاتها الكبرى.

مكانة الشعب اللبناني وصنع التاريخ

إذا كان للتاريخ معنى، وفلسفة، ومنطق، وضوابط، ومسارّ، فأين نحن، في لبنان، من كل ذلك؟

لسنا، هنا، في معرِض سرد ومناقشة كل النظريات حول مفاهيم التاريخ ومساراته، وغاياته، ودور العقل فيه والغرائز، والمنطق واللامنطق، والوعي واللاوعي، والروح والمادّة، ومدى صوابيتها ونجاح أو فشل تطبيقاتها في تاريخ الشعوب والدول. ولكننا نحاول إلقاء بعض الضوء على موضوع مهمّ ينبغي أن يستوقفنا جميعا، نحن اللبنانيين، شعبا وسياسيين، ونخبا روحية وفكرية وتربوية وإعلامية ومالية وعمّالية، لنتعلم أخذ الأمور، أمور حياتنا ومصيرنا، بجدّية أكثر، وبروح مسؤولية أكبر.

فلنطرح على أنفسنا الأسئلة التالية:

إلى أين نحن ذاهبون؟

إلى أين يقودنا الآخرون، أي الحكومات المستقوية علينا لأننا منقسمون على بعضنا البعض، ضعفاء، ولأن زعماءنا يسمحون بذلك طمعا بالمال، ولأننا، بدورنا، وبإسم العائلة والمذهب والمصلحة الشخصية، نسمح لزعمائنا بكل شيء، ولا نلومهم على شيء، ونرفض الإعتراف بأنهم يخطئون.

هل نحن نصنع تاريخنا أم يصنعه لنا الآخرون؟

هل نملك الشجاعة الكافية لكي نعي نقصنا الفكري والروحي والأخلاقي وتقصيرنا في مفهومنا للتاريخ وفي صنعه؟

هل نقرّر نتيجة هذا الوعي، بفعل إرادة جبارة، أن نوحِّد صفوفنا المبعثرة، ونمسك نحن أنفسنا، بزمام أمور حياتنا وتاريخنا؟

مقاومة قوى الشر

إن سلامنا وازدهارنا وكرامتنا وسعادتنا ووجودنا كشعب، أشياء دائما معرّضة للخطر والزوال بسبب استلشاقنا بفهم ووعي تاريخنا الماضي والحاضر وامتلاك رؤية واضحة لمستقبلنا، وتسليمنا المطلق بأمر واقع لا نقاومه وكأنه قَدَر لا يُقاوَم، وهو إدارة الآخرين لشؤوننا وحياتنا (إدارة سيئة ومضرّة ومذِلَّة جدا لنا) من خلال بعض السياسيين المتخاذلين، الجبناء، الجهلة، غير الأوفياء لواجباتهم تجاه الشعب، الباحثين بنشاط فائق وذكاء حادّ عن القوة والعظمة والمجد والمغامرات، وعن كنوز الذهب والماس واللؤلؤ والمال المرصودة في كهوف الجنّ والسحرة ومصاصي دماء الشعوب الإقليميين والعالميين المعروفين. وهذه ظاهرة فريدة، غريبة، عجيبة، غير مسبوقة في تاريخ الشعوب قاطبة، أن يستمرّ ويزدهر “تقليد” من هذا النوع، بالوراثة أبا عن جدّ، ومن جيل إلى جيل، ليصبح تقليدا “تاريخيا” في بيع وطن، أرضا وشعبا، آلاف المرات، مقابل فتات بريق من الكنوز المرصودة.

الإعتبار من أمثولات التاريخ

في الحقيقة، إنّ مجرّد وعينا لمفهوم التاريخ، الجميل والضروري بحدّ ذاته، لا يكفي وحده. إنها مسألة جوهرية بالنسبة لكل شعب، وخاصة لكل قائد مسؤول عن مصير شعبه، أن يتعلّم شيئا من أمثولات التاريخ، لتجنب ارتكاب الأخطاء المميتة عينها، ومعاناة المآسي عينها، ولتجنب إعادة التاريخ لنفسه بكل بشاعاته. وهذا أمر نادر الحدوث، أي أخذ العبر من دروس التاريخ، من أجل صنع تاريخ جديد أفضل. فقط القادة الكبار، النادرون، يستطيعون صنع معجزة خلق تاريخ جديد.

إنّ أي إنسان رصين، عاقل، مفكر، يستطيع، بالخبرة والمراقبة للأحداث اليومية ومع شيء من المعرفة، ولو عامة وغير معمّقة، لتاريخ وطنه، أن يكوّن فهما خاصا ووعيا مقبولا للتاريخ، دون الحاجة إلى دراسة أحداث التاريخ بكل حذافيرها، وفلسفة التاريخ بكل نظرياتها. تساعد الثقافة كثيرا، لا شك، على تكوين الرأي والوعي (خاصة دراسة التاريخ وفلسفة التاريخ)، ولكنها لا تخلق دائما، وبالتأكيد، ذوقا سليما، وفهما موضوعيا، وصوابية في رؤية الأشياء والحكم عليها، والسلوك الحكيم، أي الإعتبار بخبرة الآخرين أو الذات، واتخاذ قرار بعدم تكرار أخطاء الماضي.

جدلية العلاقة بين الشعب والزعماء

في لبنان، لا حاجة لعناء شديد من أجل اكتشاف جهل معظم السياسيين لمفهوم التاريخ، ورفضهم أخذ العبر منه، في الوقت الذي نرى فيه، من وقت إلى آخر، بعض أفراد الشعب من النخب المثقفة، غير المحظوظين بإرث ماليّ وسياسيّ وغير معترف بهم في عالم السياسة، يبحثون، برصانة ومسؤولية، في مسائل تختصّ بمعنى التاريخ، وبموضوعية كتابة التاريخ، أو بتزوير الحقائق وتشويهها وطمسها لغايات خبيثة، وبضرورة منع التاريخ من إعادة نفسه بكل ويلاته، بفضل فعل إرادة شعبية قويّة وفعل تحرّر قوي، من قبضة قوى السيطرة والشرّ في العالم، من أجل تغيير مجرى الأحداث والفعل فيها، لا تلقيها، والإنفعال معها، والضعف أمامها.

أجل، إن معظم سياسيينا لا يملكون لا المعرفة الكافية ولا الرؤيا الواضحة ولا الإرادة الحسنة. فهم يكتفون بترداد الجمل المعروفة عن التاريخ تردادا ببغائيا وحسب، لإيهام الناس، ولإيهام أنفسهم بأنهم عظماء، وسوف يدخلون التاريخ، وحدهم، من أبوابه العريضة. في الحقيقة، إنه لمن واجب من يدّعون لعب دور النخبة في المجتمع اللبناني وفي أي مجتمع آخر، ويستميتون في سبيل الوصول إلى مراكز الحكم، ويفرضون أنفسهم على الشعب قادة مدى العمر، بقوة المال والحيلة، وبإسم العائلة والطائفة والمذهب والدين والوطن، من واجب هؤلاء أن يعرفوا التاريخ القديم والحديث، وأن يمتلكوا رؤيا واضحة للماضي، والحاضر، والمستقبل، يتصرّفون بموجبها وبوحي منها، وأن يأخذوا العبر من أمثولاته، وأن يحسّنوا أداءهم السياسي والقيادي باستمرار، برفض التبعية للخارج وخيانة الشعب رفضا قاطعا، وأن يملكوا الإرادة الحسنة والأخلاق الحميدة لخدمة واحترام الشعب الذي وثق بهم وانتخبهم، وأن يؤمّنوا له رفاهيته وازدهاره وراحته واستقلاله وحريته وكرامته وأمنه وسلامه وسعادته، وأن يخلقوا له تاريخا جديدا مشرِّفا، مُشْرِقا، حرّا، سعيدا، خاليا من الشرور والمآسي والأحزان والإذلال وأوهام العظمة والمجد.

نجد انفسنا، هنا، أمام حائط مسدود، من الصعب خرقه: من جهة، عندنا شعب يحبُّ أن يكون له زعماء ثابتون من جيل إلى جيل، لا يحاسبهم مهما أخطأوا. وعندنا، من جهة أخرى، زعماء (قدامى وجدد) يحبون التنعم بأمجاد المراكز والمال، وبحرّية التصرّف دون محاسبة أحد لهم. وها نحن نخاطب هؤلاء وأولئك بلغة لن يفهموها، وإذا فهموها فهم سوف يتجاهلونها.

جدوى التنبيه والصراخ

هل نُكمِلُ يا ترى الصراخ باللغة ذاتها، لعلّ صراخنا يفتح ثغرة في حيطان نفوسهم السميكة، لينفذ إلى أعماق قلوبهم المقفرة التي أسكتَ نبضَها الحرّ مخدِّرُ المال والدين والمذهب والطائفة والعائلة والعِرق والمصلحة الأنانية والخوف؟

أجل، سوف نكمل ونعيد الصراخ.

صراخنا المدوّي يقول:

آتية لا محالة، الثورة الأخلاقية والفكرية ضدّ الذات الشعبية المسترخية، وضدّ السياسيين الضعفاء، غير الصادقين، محبّي المال والجاه، والعظمة.

آتية لا محالة، الثورة الأخلاقية والفكرية ضدّ نُخَبِ قوى الشر الكونية المتفرِّعة مما يُسَمَّى ب”القوة الخفية” التلمودية، التي تقبع في ظلمات كهوفها، حيث تخطّط من أجل إخضاع العالم كله، وحكمه، واستعباده، بالمال والترغيب والترهيب والعنف.

مواجهة قوى الشرّ العالمية

لسنا، في الحقيقة، بحاجة، في سبيل إحداث ثورة من هذا النوع، وخلق تاريخ جديد، إلى عباقرة في فلسفة التاريخ والسياسة والإقتصاد والإجتماع، وفي تاريخ فلسفة كل هذه العلوم، إنما نحن بحاجة إلى شعب موحّد يملك شيئا من كرامة وشهامة وإباء وعزّة نفس، لينتفض انتفاضة واحدة، غاضبة، عنيفة، ضدّ ذاته الخانعة، المتساهلة، المستلشقة، المسلِّمة أمرها لقدريّة قاتلة، وضدّ زعماء أبديّين غير أوفياء له، وهو من أرادهم كذلك ويكرّر منحهم ثقته في كل استحقاق إنتخابي. نريد أن تخرج من الشعب نُخَب قيادية قوية في مجال المحبّة والرحمة والتواضع والإخلاص والصدق والعمل والخدمة. حينئذ، ومن منطلق القوة هذه بالذات، قوة منطق الأخلاق والروح، نستطيع ربما أن نهزم نخب قوى الشرّ العالمية المتغطرسة التي لا تُهْزَمُ، والتي تملك عقلا عبقريا شيطانيا بكل معنى الكلمة في مجال التخطيط والتنفيذ لإفساد أخلاق الشعوب وإضعافها، وإخضاعها بالقوّة واستعبادها، واستغلال مواردها. هذه هي طبيعتها، وهذا هو مفهومها للتاريخ، وهي تنجح في تحقيقه على أكمل وجه، في العصر الحاضر كما نجحت في الماضي، مستغلة ضعف معظم الحكام ومعظم نخب الشعوب تجاه المال وروح العظمة، من أجل زرع الخيانة والحقد والفتن وإفساد أخلاق المجتمعات وتفريق الشعوب وإضعافها والسيطرة عليها.

أجل، ربما نستطيع أن نهزم هذه القوى التي لا يمكن التحاور معها في الوقت الحاضر، ولا في أي وقت. من السذاجة التوهم بأية إمكانية حوار مع قوى من هذا النوع، حوار “عاقل” بين عقلَين متناقضَين في كيفية رؤيتهما للواقع الإنساني ولمفهوم التاريخ وفي المصالح والأهداف والأساليب. إنها قوى لا تحترم أحدا، ولن تغيّر فلسفتها، فلسفة السيطرة والعنف. جلّ ما يمكننا فعله هو أن نقاوم هذه القوى معنويا ودون استعمال أي سلاح، سوى سلاح الحقيقة، حقيقتها الشريرة، نُشْهِرُه في وجهها بلا خوف حتى إسقاط القناع عن ذلك الوجه، وسلاح وعينا لأنفسنا ولقدراتنا الذاتية على النموّ والتطور بحرّية وكرامة، وعلى الإستعداد الدائم، كل لحظة، للدفاع عن أنفسنا، إذا دعت الحاجة، ببناء شعب قويّ، مقاوم، وجيش قويّ عددا وعدّة، وبناء سلاح وحدتنا بالروح والرؤيا المستقبلية والمصير، وسلاح مناعتنا ضدّ الفساد الأخلاقي وضدّ الفتنة والحقد والرشوات، وضدّ الغرق في لجّة الإغراءات الثقافية والتكنولوجية الساحرة التي تحملها إلينا كل يوم أمواج تيار “العولمة” الهادرة العاتية، تيار هو وجه من وجوه هذه القوى، فنمنع، بوعي كامل، وبإرادة قوية، تمدّدَها في نفوسنا وفي نفوس أبناء شعبنا وسياسيينا وإعلاميّينا، في بيوتنا ومدارسنا وجامعاتنا وأماكن عملنا ولهونا، وعلى الطرقات وفي الساحات العامة، وفي كل مكان.

المواجهة في الداخل

الثورة الكبرى، في نظرنا، بعد ثورة الوعي والمقاومة الروحية للشر العالميّ الزاحف دون هوادة نحونا، تكمن في صناديق الإقتراع.

هناك نقرّر مصيرنا، ونحيي تاريخنا من جديد، إذا عرفنا أن نختار ممثلينا الأحرار، الأمناء، الشرفاء، الصادقين، الأوفياء، المتواضعين، في الحكم، وإذا راقبنا أداءهم وحاسبناهم حين يصرون على الارتكاب الأخطاء وتجاهل الشعب.

هناك يتحرر الشعب اللبناني، إذا أراد حقا أن يتحرّر:

ممّن سبّبوا له الإنقسام والفرقة والبطالة وغلاء المعيشة وتدنّي الأجور وارتفاع الضرائب والهجرة، وتفشي النفايات والتلوث والأمراض والفقر والعوز والقهر والقرف،

وممّن استدانوا المال بإسمه من أجل بناء مشاريع عمرانية كثيرة، خاصة تأمين المياه والكهرباء، فتبخّر المال، وحرموه من التنعم بها، وأثقلوا كاهله بالديون، وسرقوا خزينة الدولة، خزينته التي ملأها من جيبه ومن عرق جبينه، وزاد ثراؤهم وزادت سعادتهم وعظمتهم بشكل غير طبيعيّ، مخيف، وسرقوا ازدهاره ووحدته وسعادته، وشوّهوا طبيعة وطنه لبنان وإسمَه وسمعته بين الشعوب والدول،

وممّن وعدوه بالجنّة وكذبوا عليه وخدعوه واحتقروه، ثم يعودون إليه، كل أربع سنوات، يتملّقونه ويعيدون تكرار وعودهم الكاذبة عليه، ويقبّلون أياديه وأرجله لينتخبهم من جديد.

وممّن، بكل بساطة، وبكلمة واحدة، فاقت وقاحتُهم كل وقاحات الساسة مجتمعة في تاريخ البشرية.

خاتمة: أن نكون أو لا نكون

إنها مسألة وجود أو فناء بالنسبة لنا كشعب لبنانيّ قد خدَعَه سياسيوه وخانوه كثيرا، على مرّ التاريخ المليء بالغزوات والعنف والمآسي حتى اليوم، وجعلوا حياته جحيما لا تطفأ نارها، وهو أيضا قد خدع نفسه بموازاة خداع سياسييه له، وظلّ يحبهم ويمدحهم ويستر عيوبهم، حتى العبادة. إنها مسألة لا يجوز المزاح فيها بعد اليوم.

سوف نكمل الصراخ، إذًا، لعلّ هناك، في محراب صمت الذات، من يتلقّف صراخنا بآذان سامعة، متنصّتة، واعية، ولعلّه يكون لصدى الصراخ هذا ترداد وترجيع وفعل في قلوب اللبنانيين أجمعين. ولعلّه يكون لنا، هذه المرة، تاريخ حرّ نفتخر وتفتخر به الأجيال بعدنا، من صنع عقولنا وأيادينا نحن، لا من صنع الأبالسة وأتباعهم.

بقلم إيلي أنطون شويري

 

مقدِّمة: ماهية التاريخ وصنعه

إنه أمر بسيط، معروف، لا لزوم للتشديد عليه، أن التاريخ ليس مجرّد شبح مجهول من الماضي يلاحقنا باستمرار، ونرتاح جدا حين نلقي عليه الملامة بسبب حاضرنا المأساوي والحزين، إنما هو نحن، اليوم وغدا، ومن سبقنا في الزمن الماضي على هذه الأرض. إنه نحن (بالفكر والعاطفة والإرادة والأقوال والأعمال)، فردا فردا، وعائلات ومجتمعات وشعوبا وأوطانا وحضارات. إنه ذاكرتنا الإنسانية، ذاكرة اللحم والدم، المؤرَّخَة والمحفوظة في المخطوطات والكتب وفي التقاليد المُتَوارَثَة من جيل إلى جيل.

صحيح أننا نتكلّم عن التاريخ بضمير الغائب: “هو”. ولكن لا ينبغي أن نعتبره كائنًا حيًّا، مستقلًّا عن كياننا الإنساني، وكأنه مجموعة أحداث من الماضي (“مهمة”، نسبيا، بنظر من يؤرِّخون) نفرح ونفتخر ببعضها، ونحزن لبعضها الآخر. إن تلك الأحداث الماضية هي، في الحقيقة، خارجة عن إرادتنا، ولكننا نعيش نتائجها ونعاني من ارتداداتها سلبا و/أو إيجابا. لذلك، لا ينبغي أبدا أن يغيب عن بالنا بأنه من مسؤوليتنا وواجبنا نحن، في حاضرنا، ككائنات تاريخية واعية ومسؤولة على الأرض، وخاضعة لدورة زمن لا تتوقّف، ولبيئة إنسانية معادية، ألّا نتهرب من محاولة صنع تاريخنا وتاريخ أولادنا وأحفادنا، تاريخ يكون أفضل ممّا ورثناه عمّن سبقونا.

تداول كلمة “تاريخ”

التاريخ كلمة كبيرة، رنّانة، سحرية، تتردّد كثيرا على ألسنة بعض السياسيين والإعلاميين اللبنانيين (ويردّدها، بعدهم، بعض المناصرين والمُعجَبين)، بشكل عابر، ودون فهم عميق لمعنى الكلمة وأبعادها الإنسانية والأخلاقية والروحية. إنها كلمة يعشقون ذكرها والإستشهاد بها، في أي حديث عن السياسة. لعلّها تُشعرهم بأهميتهم الذاتية لدى التلفّظ بها؟ ولعلهم أيضا يتوخَّون خلق انطباع لدى سامعيهم وقارئيهم بأنهم ذوو ثقافة واسعة ووعي كبير لسرّ الوجود والحياة؟

نودّ أن نذكر، هنا، بعض الأقوال الشائعة، المُرَدَّدَة بشكل قوالب جامدة، فاقدة لمعناها الحقيقي ولحيويّتها الطبيعية: “التاريخ لا يرحم”، “مزبلة التاريخ”، “دخول التاريخ من بابه العريض”، “عِبَرِ التاريخ”، “التاريخ يعيد نفسه”، أخبار أو أحداث هي “ملك التاريخ”، “منطق التاريخ”، “حتميّة التاريخ”، يوم أو شخص أو حدث “تاريخي”.

مفهوم التاريخ

إن مفهوم التاريخ النظريّ هو التحديد المُعطى له من قبل عدّة مفكرين في أزمنة مختلفة، والذي يعكس طبيعة مسارّه ووجهته في الواقع الإنساني، في مجرى نهر الزمان الجارف، وفي جغرافية المكان الثابتة. ويمكن تحديده بمجموعة الأحداث المتتالية المتراكمة التي تمرّ بها الشعوب منذ فجر التاريخ وفجر وعي الإنسان، المحفوظة في الذاكرة الشعبية، أو المحفورة على صخور الكهوف بشكل رموز بشرية ولغوية وحيوانية وأدوات صيد وغيرها، أو المدوّنة-المُؤرَّخَة في المخطوطات والكتب. يتمّ التركيز، عادة، في كتابة التاريخ، على الأشخاص “المهمّين” في صنع الأحداث وتحريكها. إنها أحداث لها معناها الإنساني، الوجوديّ، الروحيّ، لا مجرّد كميات من التراكمات المادية.

نورد، هنا، بعض الأقوال المقتضبة لبعض المفكرين، في محاولاتهم لتحديد حقيقة الوجود والتاريخ، والصراع الدائم من أجل البقاء والتقدم: “إرادة الحياة”، “إرادة القوة”، “صراع الأضداد”، “صراع الطبقات”، “الجدليّة المادّية” (تحقيق الإنسانية لذاتها بدون الله)، “الجدلية الروحية” (تحقيق الإنسانية لذاتها وتحقيق أو تجسيد للروح الكبرى أو الله في التاريخ، على مراحل)، “تنازع البقاء”، “بقاء الأقوى”، “الوجود هو بُنْيَة لا واعية”. كلها عناوين وحقائق تساهم، مجتمعة، في تفسير معنى وحركة الحياة البشرية والتاريخ البشري.

صُنع التاريخ ومساره

إن التاريخ الحديث والمعاصر، بأخباره وأحداثه وتفسيراته اليومية، هو مسؤولية الإعلام المرئيّ والمسموع والمقروء. إننا نرى، على مسرح التاريخ، الممثلين واللاعبين الأساسيين، وهم قادة السياسة والعسكر والدين والمال والفكر. أما مسارّ التاريخ، بحسب بعض المفكّرين، فهو دائري، كونه يعيد نفسه باستمرار. وبحسب بعضهم الآخر، هو خطّ مستقيم لا عودة فيه إلى الوراء إلا للتحفز من أجل الوثوب مجدّدا إلى الأمام، كون التطوّر والتقدّم والإرتقاء أشياء متلازمة دائما، وبشكل جَدَلِيّ حتميّ، مع حركة التاريخ التي لا تعرف التوقّف. ويستمدّ الإنسان نظرته الفلسفية للوجود من تاريخه لأن التاريخ هو تجسيد ومرآة لوجود البشرية وحضورها على الأرض، المتوجهة صوب تحقيق كمالها، أو ذاتها الكبرى.

مكانة الشعب اللبناني وصنع التاريخ

إذا كان للتاريخ معنى، وفلسفة، ومنطق، وضوابط، ومسارّ، فأين نحن، في لبنان، من كل ذلك؟

لسنا، هنا، في معرِض سرد ومناقشة كل النظريات حول مفاهيم التاريخ ومساراته، وغاياته، ودور العقل فيه والغرائز، والمنطق واللامنطق، والوعي واللاوعي، والروح والمادّة، ومدى صوابيتها ونجاح أو فشل تطبيقاتها في تاريخ الشعوب والدول. ولكننا نحاول إلقاء بعض الضوء على موضوع مهمّ ينبغي أن يستوقفنا جميعا، نحن اللبنانيين، شعبا وسياسيين، ونخبا روحية وفكرية وتربوية وإعلامية ومالية وعمّالية، لنتعلم أخذ الأمور، أمور حياتنا ومصيرنا، بجدّية أكثر، وبروح مسؤولية أكبر.

فلنطرح على أنفسنا الأسئلة التالية:

إلى أين نحن ذاهبون؟

إلى أين يقودنا الآخرون، أي الحكومات المستقوية علينا لأننا منقسمون على بعضنا البعض، ضعفاء، ولأن زعماءنا يسمحون بذلك طمعا بالمال، ولأننا، بدورنا، وبإسم العائلة والمذهب والمصلحة الشخصية، نسمح لزعمائنا بكل شيء، ولا نلومهم على شيء، ونرفض الإعتراف بأنهم يخطئون.

هل نحن نصنع تاريخنا أم يصنعه لنا الآخرون؟

هل نملك الشجاعة الكافية لكي نعي نقصنا الفكري والروحي والأخلاقي وتقصيرنا في مفهومنا للتاريخ وفي صنعه؟

هل نقرّر نتيجة هذا الوعي، بفعل إرادة جبارة، أن نوحِّد صفوفنا المبعثرة، ونمسك نحن أنفسنا، بزمام أمور حياتنا وتاريخنا؟

مقاومة قوى الشر

إن سلامنا وازدهارنا وكرامتنا وسعادتنا ووجودنا كشعب، أشياء دائما معرّضة للخطر والزوال بسبب استلشاقنا بفهم ووعي تاريخنا الماضي والحاضر وامتلاك رؤية واضحة لمستقبلنا، وتسليمنا المطلق بأمر واقع لا نقاومه وكأنه قَدَر لا يُقاوَم، وهو إدارة الآخرين لشؤوننا وحياتنا (إدارة سيئة ومضرّة ومذِلَّة جدا لنا) من خلال بعض السياسيين المتخاذلين، الجبناء، الجهلة، غير الأوفياء لواجباتهم تجاه الشعب، الباحثين بنشاط فائق وذكاء حادّ عن القوة والعظمة والمجد والمغامرات، وعن كنوز الذهب والماس واللؤلؤ والمال المرصودة في كهوف الجنّ والسحرة ومصاصي دماء الشعوب الإقليميين والعالميين المعروفين. وهذه ظاهرة فريدة، غريبة، عجيبة، غير مسبوقة في تاريخ الشعوب قاطبة، أن يستمرّ ويزدهر “تقليد” من هذا النوع، بالوراثة أبا عن جدّ، ومن جيل إلى جيل، ليصبح تقليدا “تاريخيا” في بيع وطن، أرضا وشعبا، آلاف المرات، مقابل فتات بريق من الكنوز المرصودة.

الإعتبار من أمثولات التاريخ

في الحقيقة، إنّ مجرّد وعينا لمفهوم التاريخ، الجميل والضروري بحدّ ذاته، لا يكفي وحده. إنها مسألة جوهرية بالنسبة لكل شعب، وخاصة لكل قائد مسؤول عن مصير شعبه، أن يتعلّم شيئا من أمثولات التاريخ، لتجنب ارتكاب الأخطاء المميتة عينها، ومعاناة المآسي عينها، ولتجنب إعادة التاريخ لنفسه بكل بشاعاته. وهذا أمر نادر الحدوث، أي أخذ العبر من دروس التاريخ، من أجل صنع تاريخ جديد أفضل. فقط القادة الكبار، النادرون، يستطيعون صنع معجزة خلق تاريخ جديد.

إنّ أي إنسان رصين، عاقل، مفكر، يستطيع، بالخبرة والمراقبة للأحداث اليومية ومع شيء من المعرفة، ولو عامة وغير معمّقة، لتاريخ وطنه، أن يكوّن فهما خاصا ووعيا مقبولا للتاريخ، دون الحاجة إلى دراسة أحداث التاريخ بكل حذافيرها، وفلسفة التاريخ بكل نظرياتها. تساعد الثقافة كثيرا، لا شك، على تكوين الرأي والوعي (خاصة دراسة التاريخ وفلسفة التاريخ)، ولكنها لا تخلق دائما، وبالتأكيد، ذوقا سليما، وفهما موضوعيا، وصوابية في رؤية الأشياء والحكم عليها، والسلوك الحكيم، أي الإعتبار بخبرة الآخرين أو الذات، واتخاذ قرار بعدم تكرار أخطاء الماضي.

جدلية العلاقة بين الشعب والزعماء

في لبنان، لا حاجة لعناء شديد من أجل اكتشاف جهل معظم السياسيين لمفهوم التاريخ، ورفضهم أخذ العبر منه، في الوقت الذي نرى فيه، من وقت إلى آخر، بعض أفراد الشعب من النخب المثقفة، غير المحظوظين بإرث ماليّ وسياسيّ وغير معترف بهم في عالم السياسة، يبحثون، برصانة ومسؤولية، في مسائل تختصّ بمعنى التاريخ، وبموضوعية كتابة التاريخ، أو بتزوير الحقائق وتشويهها وطمسها لغايات خبيثة، وبضرورة منع التاريخ من إعادة نفسه بكل ويلاته، بفضل فعل إرادة شعبية قويّة وفعل تحرّر قوي، من قبضة قوى السيطرة والشرّ في العالم، من أجل تغيير مجرى الأحداث والفعل فيها، لا تلقيها، والإنفعال معها، والضعف أمامها.

أجل، إن معظم سياسيينا لا يملكون لا المعرفة الكافية ولا الرؤيا الواضحة ولا الإرادة الحسنة. فهم يكتفون بترداد الجمل المعروفة عن التاريخ تردادا ببغائيا وحسب، لإيهام الناس، ولإيهام أنفسهم بأنهم عظماء، وسوف يدخلون التاريخ، وحدهم، من أبوابه العريضة. في الحقيقة، إنه لمن واجب من يدّعون لعب دور النخبة في المجتمع اللبناني وفي أي مجتمع آخر، ويستميتون في سبيل الوصول إلى مراكز الحكم، ويفرضون أنفسهم على الشعب قادة مدى العمر، بقوة المال والحيلة، وبإسم العائلة والطائفة والمذهب والدين والوطن، من واجب هؤلاء أن يعرفوا التاريخ القديم والحديث، وأن يمتلكوا رؤيا واضحة للماضي، والحاضر، والمستقبل، يتصرّفون بموجبها وبوحي منها، وأن يأخذوا العبر من أمثولاته، وأن يحسّنوا أداءهم السياسي والقيادي باستمرار، برفض التبعية للخارج وخيانة الشعب رفضا قاطعا، وأن يملكوا الإرادة الحسنة والأخلاق الحميدة لخدمة واحترام الشعب الذي وثق بهم وانتخبهم، وأن يؤمّنوا له رفاهيته وازدهاره وراحته واستقلاله وحريته وكرامته وأمنه وسلامه وسعادته، وأن يخلقوا له تاريخا جديدا مشرِّفا، مُشْرِقا، حرّا، سعيدا، خاليا من الشرور والمآسي والأحزان والإذلال وأوهام العظمة والمجد.

نجد انفسنا، هنا، أمام حائط مسدود، من الصعب خرقه: من جهة، عندنا شعب يحبُّ أن يكون له زعماء ثابتون من جيل إلى جيل، لا يحاسبهم مهما أخطأوا. وعندنا، من جهة أخرى، زعماء (قدامى وجدد) يحبون التنعم بأمجاد المراكز والمال، وبحرّية التصرّف دون محاسبة أحد لهم. وها نحن نخاطب هؤلاء وأولئك بلغة لن يفهموها، وإذا فهموها فهم سوف يتجاهلونها.

جدوى التنبيه والصراخ

هل نُكمِلُ يا ترى الصراخ باللغة ذاتها، لعلّ صراخنا يفتح ثغرة في حيطان نفوسهم السميكة، لينفذ إلى أعماق قلوبهم المقفرة التي أسكتَ نبضَها الحرّ مخدِّرُ المال والدين والمذهب والطائفة والعائلة والعِرق والمصلحة الأنانية والخوف؟

أجل، سوف نكمل ونعيد الصراخ.

صراخنا المدوّي يقول:

آتية لا محالة، الثورة الأخلاقية والفكرية ضدّ الذات الشعبية المسترخية، وضدّ السياسيين الضعفاء، غير الصادقين، محبّي المال والجاه، والعظمة.

آتية لا محالة، الثورة الأخلاقية والفكرية ضدّ نُخَبِ قوى الشر الكونية المتفرِّعة مما يُسَمَّى ب”القوة الخفية” التلمودية، التي تقبع في ظلمات كهوفها، حيث تخطّط من أجل إخضاع العالم كله، وحكمه، واستعباده، بالمال والترغيب والترهيب والعنف.

مواجهة قوى الشرّ العالمية

لسنا، في الحقيقة، بحاجة، في سبيل إحداث ثورة من هذا النوع، وخلق تاريخ جديد، إلى عباقرة في فلسفة التاريخ والسياسة والإقتصاد والإجتماع، وفي تاريخ فلسفة كل هذه العلوم، إنما نحن بحاجة إلى شعب موحّد يملك شيئا من كرامة وشهامة وإباء وعزّة نفس، لينتفض انتفاضة واحدة، غاضبة، عنيفة، ضدّ ذاته الخانعة، المتساهلة، المستلشقة، المسلِّمة أمرها لقدريّة قاتلة، وضدّ زعماء أبديّين غير أوفياء له، وهو من أرادهم كذلك ويكرّر منحهم ثقته في كل استحقاق إنتخابي. نريد أن تخرج من الشعب نُخَب قيادية قوية في مجال المحبّة والرحمة والتواضع والإخلاص والصدق والعمل والخدمة. حينئذ، ومن منطلق القوة هذه بالذات، قوة منطق الأخلاق والروح، نستطيع ربما أن نهزم نخب قوى الشرّ العالمية المتغطرسة التي لا تُهْزَمُ، والتي تملك عقلا عبقريا شيطانيا بكل معنى الكلمة في مجال التخطيط والتنفيذ لإفساد أخلاق الشعوب وإضعافها، وإخضاعها بالقوّة واستعبادها، واستغلال مواردها. هذه هي طبيعتها، وهذا هو مفهومها للتاريخ، وهي تنجح في تحقيقه على أكمل وجه، في العصر الحاضر كما نجحت في الماضي، مستغلة ضعف معظم الحكام ومعظم نخب الشعوب تجاه المال وروح العظمة، من أجل زرع الخيانة والحقد والفتن وإفساد أخلاق المجتمعات وتفريق الشعوب وإضعافها والسيطرة عليها.

أجل، ربما نستطيع أن نهزم هذه القوى التي لا يمكن التحاور معها في الوقت الحاضر، ولا في أي وقت. من السذاجة التوهم بأية إمكانية حوار مع قوى من هذا النوع، حوار “عاقل” بين عقلَين متناقضَين في كيفية رؤيتهما للواقع الإنساني ولمفهوم التاريخ وفي المصالح والأهداف والأساليب. إنها قوى لا تحترم أحدا، ولن تغيّر فلسفتها، فلسفة السيطرة والعنف. جلّ ما يمكننا فعله هو أن نقاوم هذه القوى معنويا ودون استعمال أي سلاح، سوى سلاح الحقيقة، حقيقتها الشريرة، نُشْهِرُه في وجهها بلا خوف حتى إسقاط القناع عن ذلك الوجه، وسلاح وعينا لأنفسنا ولقدراتنا الذاتية على النموّ والتطور بحرّية وكرامة، وعلى الإستعداد الدائم، كل لحظة، للدفاع عن أنفسنا، إذا دعت الحاجة، ببناء شعب قويّ، مقاوم، وجيش قويّ عددا وعدّة، وبناء سلاح وحدتنا بالروح والرؤيا المستقبلية والمصير، وسلاح مناعتنا ضدّ الفساد الأخلاقي وضدّ الفتنة والحقد والرشوات، وضدّ الغرق في لجّة الإغراءات الثقافية والتكنولوجية الساحرة التي تحملها إلينا كل يوم أمواج تيار “العولمة” الهادرة العاتية، تيار هو وجه من وجوه هذه القوى، فنمنع، بوعي كامل، وبإرادة قوية، تمدّدَها في نفوسنا وفي نفوس أبناء شعبنا وسياسيينا وإعلاميّينا، في بيوتنا ومدارسنا وجامعاتنا وأماكن عملنا ولهونا، وعلى الطرقات وفي الساحات العامة، وفي كل مكان.

المواجهة في الداخل

الثورة الكبرى، في نظرنا، بعد ثورة الوعي والمقاومة الروحية للشر العالميّ الزاحف دون هوادة نحونا، تكمن في صناديق الإقتراع.

هناك نقرّر مصيرنا، ونحيي تاريخنا من جديد، إذا عرفنا أن نختار ممثلينا الأحرار، الأمناء، الشرفاء، الصادقين، الأوفياء، المتواضعين، في الحكم، وإذا راقبنا أداءهم وحاسبناهم حين يصرون على الارتكاب الأخطاء وتجاهل الشعب.

هناك يتحرر الشعب اللبناني، إذا أراد حقا أن يتحرّر:

ممّن سبّبوا له الإنقسام والفرقة والبطالة وغلاء المعيشة وتدنّي الأجور وارتفاع الضرائب والهجرة، وتفشي النفايات والتلوث والأمراض والفقر والعوز والقهر والقرف،

وممّن استدانوا المال بإسمه من أجل بناء مشاريع عمرانية كثيرة، خاصة تأمين المياه والكهرباء، فتبخّر المال، وحرموه من التنعم بها، وأثقلوا كاهله بالديون، وسرقوا خزينة الدولة، خزينته التي ملأها من جيبه ومن عرق جبينه، وزاد ثراؤهم وزادت سعادتهم وعظمتهم بشكل غير طبيعيّ، مخيف، وسرقوا ازدهاره ووحدته وسعادته، وشوّهوا طبيعة وطنه لبنان وإسمَه وسمعته بين الشعوب والدول،

وممّن وعدوه بالجنّة وكذبوا عليه وخدعوه واحتقروه، ثم يعودون إليه، كل أربع سنوات، يتملّقونه ويعيدون تكرار وعودهم الكاذبة عليه، ويقبّلون أياديه وأرجله لينتخبهم من جديد.

وممّن، بكل بساطة، وبكلمة واحدة، فاقت وقاحتُهم كل وقاحات الساسة مجتمعة في تاريخ البشرية.

خاتمة: أن نكون أو لا نكون

إنها مسألة وجود أو فناء بالنسبة لنا كشعب لبنانيّ قد خدَعَه سياسيوه وخانوه كثيرا، على مرّ التاريخ المليء بالغزوات والعنف والمآسي حتى اليوم، وجعلوا حياته جحيما لا تطفأ نارها، وهو أيضا قد خدع نفسه بموازاة خداع سياسييه له، وظلّ يحبهم ويمدحهم ويستر عيوبهم، حتى العبادة. إنها مسألة لا يجوز المزاح فيها بعد اليوم.

سوف نكمل الصراخ، إذًا، لعلّ هناك، في محراب صمت الذات، من يتلقّف صراخنا بآذان سامعة، متنصّتة، واعية، ولعلّه يكون لصدى الصراخ هذا ترداد وترجيع وفعل في قلوب اللبنانيين أجمعين. ولعلّه يكون لنا، هذه المرة، تاريخ حرّ نفتخر وتفتخر به الأجيال بعدنا، من صنع عقولنا وأيادينا نحن، لا من صنع الأبالسة وأتباعهم.

المصدر:  النهضة نيوز

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

النهضة موقع عربي إخباري ثقافي إقتصادي, يهتم بقضايا الإنسان العادلة وينتصر لها بأي أرض وميدان كانت, ننشد النهضة لشعوبنا بعدما استوطنت أمية الحرف والفكر فيها وتم إستلاب وعيها, النهضة هي منبر لكل فكر حر يسعى للتنوير ولنشر المعرفة المنشودة لإستعادة الوعي الجمعيِ العربيِ المسلوب.

Copyright © 2018 Alnahda News

Powered BY