اختفاء خاشقجي: الفخ وفرصة الإستثمار

قيس السعيدي
عدد من الصحفيين والسياسيين في العالم اختفوا في مثلث برمودا السياسة والمصالح الدولية. لكن لم تلقى تلك الحوادث والأحداث ما لاقته قضية اختفاء الصحفي جمال خاشقجي السعودي الجنسية ذي الأصول التركية والكاتب في صحيفة الواشنطن بوست الأمريكية واسعة الإنتشار . في الثاني من اكتوبر الجاري دخل خاشقجي قنصلية بلاده في اسطنبول للحصول على وثيقة تسمح له بالزواج بسيدة تركية حسب القانون المدني التركي. لكنه لم يخرج منها حتى اليوم. سال حبر كثير عن مصيره.
تمر الأيام متثاقلة على المراقبين والمتابعين حتى تنجلي الصورة ويتم الفصل حول مصيره وخصوصا أن الأخبار الرسمية تكاد تكون معدومة وقد تكفلت الصحافة ووسائل الإعلام الأخرى عبء تسريب الأدلة وإطلاق التكهنات . وصمتت الدوائر الرسمية المعنية خصوصا من الجانب التركي ولا أظن هذا الصمت إلا مقدمة لإتاحة فرصة للتسويات والمساومات.
فلا يخفى على أحد أن العلاقات السياسية التركية السعودية تمر بحالة برود بسبب الحلم العثماني الذي يداعب مخيلة الرئيس التركي رجب طيب اردوغان والذي جعل تركيا في موقع المنافس الحقيقي للزعامة السعودية في الإقليم بالإضافة إلى موقف تركيا الداعم لجماعة الإخوان المسلمين التي تعتبرها السعودية مصدر تهديد لنظام الحكم وقد أدرجها النظام السعودي  في قائمة المنظمات الإرهابية. وفاقم هذا الفتور الأزمة الخليجية بين السعودية والإمارات والبحرين من جهة وقطر من جهة أخرى، فقد اختارت تركيا الوقوف الى جانب قطر وأرسلت ثلاثين الف جندي تركي بكامل عتادهم إلى قطر، ساهمت هذه القوة بمنع التدخل العسكري ضد قطر.
على الجانب السعودي تخبط يعكس الورطة التي وقع فيها النظام السعودي. ابتداء بإعلانه خروج خاشقجي من القنصلية فور إكمال معاملته التي حضر من أجلها إلى القنصلية  ولم تدعم ذلك بدليل. وتقديمها تبرير عدم امتلاكها دليل خروجه أن كاميرات المراقبة تصور ولا تسجل، تبرير أثار سخرية المناوئين  و أحرج المتضامنين مع النظام السعودي كما دفع نحو احتمال التصفية.
خاشقجي إبن النظام السعودي، وقد تقلد مناصب حساسة في النظام السعودي، ولا يقدم نفسه كمعارض للنظام وإنما ناصح أمين. وقد وقف مع المملكة وسياساتها الخارجية في الأزمة السورية، والعدوان على اليمن، وموقفها من مواجهة إيران. لكنه بدا منتقدا للسياسات الدخلية في المملكة في ظل قيادة ولي العهد محمد بن سلمان، التي دشنها بقمع المعارضة وتكميم الأفواه وسجن الخصوم. فقد ظن ابن سلمان  أن سلطته مطلقة، في غياب المعارضة، والتأييد الأمريكي الواضح، وضعف المعارضة داخل الاسرة الحاكمة أو إنعدام معارضة شعبية فاعلة. وأن أمر اغتيال صحافي سعودي سيمرّ كما تمرّ جرائم النظام السعودي في اليمن او اغتيالات العدوّ الإسرائيلي في دول العالم وجرائمه ضد الشعب الفلسطيني الأعزل.
في ظل المعطيات السابقة، هل وقع النظام السعودي في فخ نُصب له بإحكام إشترك فيه الامريكي الذي زادت شهيته للمليارات السعودية حتى وصل به الأمر لإبتزاز النظام السعودي وإهانته على الملأ، ولا يفوت أي فرصة للظهور أمام الكامرات إلا وذكّر الحكام في السعودية بأن امريكا هي من تحميهم وعليهم دفع ثمن بقائهم في مناصبهم واحتفاظهم بطائراتهم.
واشتركت فيه تركيا التي تنافس السعودية كما ذكرنا، كما إن  السعودية متهمة بالتلاعب بإقتصاد تركيا ومحاولة زعزعة استقرار الليرة التركية.
واشترك فيه الإخوان المسلمون  الذين يرون في السعودية عائق أمام طموحاتهم للوصول الى حكم بعض البلدان العربية بعد أن أفشلت السعودية التجربة المصرية وشاركت بالإطاحة بالرئيس المنتخب محمد مرسي.
لا نستبعد نظرية الفخ، وخصوصا أن التاريخ السياسي لا يبخل علينا بأمثلة ولا يمكن أن ننسى الفخ الذي نصبته الإدارة الامريكية في عهد جورج بوش الأب للرئيس العراقي صدام حسين وزينت له الاستيلاء على الكويت في الثاني من اغسطس عام 1990م.
عادة ما يستغل المخططون تهور الهدف للاقاع به. وولي العهد السعودي في حالة مثالية لجرة إلى الفخ بسهولة. فقد أحاط نفسه بمجموعة يضخمون الأنا لديه، ويمتلك وفرة مالية تغريه وسلطة مطلقة اطلقت له العنان، وفي نفس الوقت عجز في اليمن يربكه ويهز ثقته ولم يحصل  على ما يريده من حصار قطر.
ارتكب النظام السعودي الخطأ القاتل الذي كان ينتظره الخصوم. وتشكلت الزوبعة وتحولت الى عاصفة في وقت قياسي بمجرد اختفاء خاشقجي  وتشكلت قناعات الاغتيال نظرا للتاريخ الدموي لمملكة السيف الأملح، وإنكار السعودية معرفتها بمصير خاشقجي.
لم يقع النظام السعودي لوحده في الفخ وإنما وقع معه الإعلام العربي والغربي، واضاف دليلا آخر  لنفاق الإعلام وجرية وراء المال او خروجه عن مهمته خدمة للسلطة. فالمجازر بحق اليمنيين منذ أربعة أعوام لم تتوقف وآلاف الشهداء معظمهم من الأطفال والنساء والمدنيين. ولا زالت رحى الحرب على رؤوسهم ولا بواكي لهم، واصبحت كلمتي “الحرب المنسية” هي وصف للعدوان السعودي على اليمن. ولا يمكننا ان لا ندرك التعامي المتعمد لوسائل الإعلام عن الجرائم الاسرائيلية بحق الشعب الفلسطيني.
تشكل جريمة اختفاء خاشقجي فرصة لابتزاز السعودية من قبل تركيا تجلت بوادرها بتوقيع اتفاقية خطة دفاعية مع الكويت. ولن تُضيع امريكا مثل هذه الفرصة فقد خرج اندرو برونسون من سجنه في تركيا ضمن صفقة مع الجانب التركي ولا أظن ملف خاشقجي لم يكن ضمنها.
قد تأتي هذه الجريمة في إطار خطوات إنزال المملكة من برجها العاجي تمهيدا لمصير ليس بعيد عن النموذج العراقي ان لم يكن أسوأ، وخصوصا ان امريكا ترامب دخلت على خط الازمة بشكل متأني ومدروس.
وتشكل فرصة قد يستثمرها المعارضون لسياسات محمد بن سلمان داخل الأسرة الحاكمة.
وقد تجد المنظمات والشخصيات الحقوقية المستقلة والتابعة للأمم المتحدة فرصتها للضغط على النظام السعودي لإطلاق الحريات واحترام حقوق الإنسان، ومنح المغتربين حقوقهم وانتهاج سياسة غير عدوانية ضد جيرانه وخصومه.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة تعبّر عن رأي صاحبها حصراً

المصدر:  النهضة نيوز