لسوف تأكلون الحجارة …

0

نبيه البرجي*

بلغة القضاء والقدر , قال لنا ديفيد شينكر “اذا ذهبتم شرقاً فلسوف تأكلون الحجارة وتنامون على الحجارة” !
لا نتصور أن الدعوة الى تنويع قنواتنا الاستثمارية يفترض احداث انقلاب في البنية الثقافية , أو في البنية الفلسفية , لـ”الظاهرة اللبنانية” , ناهيك عن النظام المالي وحيث لعبة الأشباح أودت بنا الى هذه المتاهة .
الدعوة أثارت “مرؤة” حتى الذين يرفعون شعار “الاسلام هو الحل” , والذين ينعتون الحضارة الغربية بكونها”حضارة الكفرة” . رفعوا الصوت في وجه الدعوة الى التوجه نحو الضفة الأخرى من الكرة الأرضية …
منذ مائة عام , وولادة “دولة لبنان الكبير” , ونحن على تواصل مع الثقافات الغربية . البداية ربما مع ظهور سيارة الفورد (أبو دعسة) في شوارعنا , وحتى طائرة البوينغ , وصولاً الى الشبكة العنكبوتية , وآخر صرخات الموضة .
في ذلك الحين , كان هناك من يقارن بين أفكار حسن البنا ومفاتن غريتا غاربو (هكذا حدثنا زميل زحلي عتيق) . عرفنا مارلين مونرو وبريجيت باردو , كما عرفنا الفيس بريسلي وجون ترافولتا . زياد الرحباني وصف الروك اند رول بـ “الدبكة الأميركية” .
أين تاثير كونفوشيوس علينا من تأثير هيغل , وديكارت, وسارتر , وكامو , لكأننا , ثقافياً , أطباق الهوت دوغ من مطابخ ماكدونالدز أو من أصابع كوكو شانيل !
حتى الشيوعية بضاعة غربية صنعها الألماني كارل ماركس , ناهيك عن الاشتراكية التي ترعرعت في بريطانيا وفرنسا , قبل أن يتلقفها جواهر لال نهرو وأحمد سوكارنو وجمال عبد الناصر , على أنها أقل ايديولوجية , واقل راديكالية , من الشيوعية .
لا مجال لزحزحة ذلك المخزون الجاثم في لاوعينا . الأمبراطورية الأميركية تختلف عن الأمبراطوريات الأخرى بكونها انتجت أسلوب حياة (Lifestyle ) , أو فلسفة حياة , بمدى كوني . نذكر كيف تمكنت هوليوود من اعادة تشكيل خيالنا , نحن الذين ترعرعنا كما تترعرع … الأعشاب البرية .
الصين بعيدة عن ثقافتنا , وعن طريقة حياتنا , كذلك ايران بالايديولوجيا ذات البعد الواحد . هكذا يقول المعترضون . لا ندري أي تأثير على تشكيلنا السوسيوثقافي اذا ما أقام الصينيون معامل للكهرباء في بلادنا , أو اذا ما استوردنا النفط والزعفران من ايران .
الأميركيون استثمروا في كوريا , وفي اليابان , وحتى في سنغافورة , ما مكّن هذه الدول من دخول الزمن التكنولوجي. ليقولوا لنا أين الاستثمارات الأميركية في البلدان العربية التي تستنزف حتى العظم , وأين هي الدولة العربية التي تصنع حتى الدراجات الهوائية ؟
الذين يدافعون عن النظام الاقتصادي في لبنان انما يدافعون عن اللانظام . ثلاثة عقود من الاجترار في عالم المافيات الى أن انتهينا حفاة على أرصفة الدنيا . ربما على أرصفة … الآخرة !
نعلم أن المفاوضات مع صندوق النقد الدولي شاقة , ومعقدة . حتى الساعة ما زلنا في مرحلة الاعداد لهذه المفاوضات . التناقض في الأرقام أثار ذهول خبراء الصندوق الذي لم يلاحظوا ذلك في دول مثل الصومال , او مثل جنوب السودان , وجزر القمر .
البعض من أهل الصراخ يشيعون بأن الدعوة الى التوجه شرقاً أحدثت صدمة لدى ادارة الصندوق التي توجست من عزم قوى فاعلة احداث تغيير في البنية المالية , وفي البنية المصرفية , للبنان .
لاحظنا التصريحات الاوركسترالية التي الغاية منها “تطفيش” الصندوق باعتباره السبيل الوحيد لللاستيعاب التدريجي للتداعيات الكارثية للأزمة , كما لو أن الادارة اياها لا تعلم أن الطبقة السياسية , بكل أطيافها , مسؤولة عن سقوط الدولة في لبنان .
كوميديا بابلية . لقد خسرنا كل شيء . أين المشكلة في التعاطي مع الصين اذا ما أبدت استعدادها لاقامة مشروعات استثمارية حيوية ؟ وأين هو المشروع الاستثماري الأميركي أو الأوروبي , في لبنان ؟
واشنطن منعت حتى الاسرائيليين من التعاون مع الصين. الشرق الأوسط هو الحرملك الأميركي . هكذا قال القضاء والقدر !!

*كاتب ومحلل سياسي لبناني

مشرق نيوز