هل ستنجح الضغوط الأمريكية في تغيير المناهج التعليمية في الشرق الأوسط؟

بعد احداث الحادي عشر من شهر سبتمبر 2001م، تكثف الغزو الثقافي الأمريكي في المنطقة العربية، حيث اعلن الرئيس الأمريكي وقتها “جورج بوش الإبن” في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 23 سبتمبر 2003م أن بلاده تعمل على إضعاف الأيديولوجيات في منطقة الشرق الأوسط التي يتهمها بتصدير الإرهاب. والخطاب كان مهما للغاية لأنه يأتي من رئيس دولة كبرى في مناسبة دولية وأمام محفل عالمي.

يهدف الغزو الثقافي الأمريكي الى احتلال العقل العربي، وتغيير معالم المنطقة العربية وفرض القيم الثقافية والمبادئ الأمريكية، وتغيير منهج التفكير العربي، حيث يتم ذلك عن طريق المطالبة بتغيير المناهج التعليمية، وتشويه الفكر التحرري لكل الحركات المناهضة للتبعية الأمريكية والصهيونية. الغزو الثقافي هو في حقيقته غزو من الداخل لا يحتاج لجيوش غازية، وهو أكثر خطورة من الغزو العسكري لأنه يضمن، في حالات الضعف الذاتي، دوام الهيمنة على الإرادة الوطنية والثروات والإمكانيات القومية برمتها.

لقد تصاعدت المطالب والضغوط الأمريكية على الدول العربية لتغيير المناهج التعليمية، وفرض مناهج تعليم جديدة تعمل على تذويب الهوية الثقافية العربية والإسلامية، والتراث الديني والتاريخي، وذلك في محاولة لإزالة العداء العربي والإسلامي لكل ما هو صهيوني أو أمريكي متصهين. المؤسف حقا، أن الكثير من الدول العربية بدأت ترضخ لهذه المطالب. إحدى دول الخليج العربي أعطت مسؤولية تطوير مناهجها الدراسية إلى مؤسسة أمريكية (Rand Corporation).

السؤال الذي يطرح نفسه: هل الأمة العربية صاحبة الحضارات العريقة، وأرض الأنبياء والرسل والديانات السماوية، قد أصابها العقم بحيث لا يوجد بها متخصصون تربويون يستطيعون تطوير المناهج الدراسية لتتماشى مع متطلبات التطور العلمي الذي يسود العالم؟ بالطبع يوجد الكثير من العرب المتخصصين والمؤهلين علميا وفكريا القادرين على إنجاز هذا العمل بكفاءة عالية، ولكن السبب الحقيقي الذي يحول دون تحقيق ذلك هو الخضوع للضغوط الأمريكية.

في اغلب الدول العربية لا تحظى مواد الفلسفة وعلم الاجتماع والمنطق بالأهمية التي تستحقها، بالرغم من أن هذه العلوم الإنسانية تعتبر القاعدة والأساس لكل العلوم الأخرى. جامعة أكسفورد البريطانية العريقة تعتبر وتعد تخصصها في تدريس العلوم الإنسانية مصدر قوتها وشهرتها. ونحن في الوطن العربي نقلل من أهمية ومكانة هذه العلوم الإنسانية التي تساهم منهجيا في تنمية مهارات وقدرات رصد وفهم وتحليل الظواهر البشرية، ومعالجة التحولات والإشكالات والقضايا السياسية والفكرية والإجتماعية.

نحن مع التطوير والتجديد لكل المناهج التعليمية بدون استثناء، ولا بد أن تتطور وتتجدد هذه المناهج بين فترة وأخرى فهذا هو ناموس الحياة، ونحن كذلك مع تجديد وتطوير الخطاب الديني لمخاطبة العقل والمنطق، ونشر ثقافة التسامح والإخاء بين الأمم، واحترام الأديان والثقافات الأخرى. ولكننا، في الوقت نفسه، ضد ان تفرض علينا مناهج تعليمية من دول أخرى تستهدف النيل من ثقافة الأمة وتراثها الحضاري والديني والفكري لتدمير ما يحتويه من قيم الحق والإيمان والعدالة، واستبداله بقيم مادية مشوهة تقطع اوصال الأمة العربية والإسلامية، وتحولها إلى قطعان ماشية تابعة إلى أمريكا وخاضعة إلى إسرائيل. ماذا يبقى للأمة (أي أمة على وجه الأرض) إذا حرف دينها وطمس تاريخها ومسخت قوميتها، إلا ان تكون أمة هزيلة وضعيفة يتقاذفها الأعداء من كل جهة، ثم تزول وتندثر.

يقول “دونالد رامسفيلد” وزير الدفاع الأمريكي في عهد الرئيس بوش الإبن: “إن قتل البعوض بعوضة بعوضة ليس الحل، يجب رفد الحرب العسكرية بحرب الأفكار، ينبغي للولايات المتحدة في النهاية ان تتمكن من تجفيف المستنقع الذي لا يمكن تجفيفه بالقوة العسكرية وحدها. إن لدى بلادنا من الترسانة الفكرية ما يمكنها من إلحاق شر هزيمة بكل تلك الأفكار والعقائد والأيديولوجيات التي يتسلح بها قادة وشبكات الإرهاب في سعيهم إلى انتاج وتجنيد مزيد من الإرهابيين في العالم، فالبنية التحتية للإرهاب العالمي تكمن الآن في رؤوس الناس الذين يعدون بالملايين وبمئات الملايين، ولا بد بالتالي من استخدام التفوق الفكري الأمريكي، وغسل أدمغتهم جميعا”. المقصود بالبعوض هم الشعوب العربية والإسلامية. الضغوط الأمريكية لتغيير المناهج التعليمية في الوطن العربي لا زالت مستمرة حتى وقتنا الحاضر.