خلاف في الأمم المتحدة بين باكستان و الهند سببه طالبان!

حركة طالبان التي سيطرت على أفغانستان بقوة السلاح تحولت إلى واجهة لخلاف جديد بين باكستان والهند، فالأولى تريد أن تستثمر فوز حليفتها لتحقيق مكاسب استراتيجية فيما تعتبر الثانية، التي سبق أن دعمت الحكومة الأفغانية السابقة، أن إسلام أباد ترعى الإرهاب

انتقدت الهند باكستان في الأمم المتحدة وفي واشنطن فيما ناشد رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان العالم للعمل مع حركة طالبان الأفغانية المنتصرة، وهذا الخلاف كان متوقعا بسبب تناقض الأجندات في أفغانستان، فالهند كانت تدعم الحكومة الأفغانية السابقة فيما ظلت باكستان وفية لنهجها الداعم لطالبان منذ ظهورها.

وأثار رئيس الوزراء ناريندرا مودي مخاوف بشأن باكستان خلال محادثات مع الرئيس الأميركي جو بايدن وكذلك خلال قمة رباعية أوسع مع زعيمي أستراليا واليابان، وفقا لمسؤولين هنود.

وقال وزير الخارجية الهندي هارش فاردهان شرينغلا للصحافيين بعد انتهاء المحادثات إنه “كان هناك شعور واضح بأنه ينبغي الإبقاء على نظرة أكثر دقةً وتدقيق وثيق ومراقبة لدور باكستان في أفغانستان، دور باكستان في مسألة الإرهاب”.

ودأب المسؤولون في الهند وباكستان على إطلاق تصريحات واتهامات قوية، ما يجعل من الصعوبة بمكان على المراقبين قياس درجة التوتر بين البلدين خاصة بعد صعود طالبان إلى الحكم في أفغانستان.

طالبان أولوية لعمران خان

من جهته، أشار عمران خان في الخطاب الذي ألقاه عبر الفيديو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى أن طالبان وعدت باحترام حقوق الإنسان وتأليف حكومة شاملة منذ سيطرتها على البلاد الشهر الماضي، رغم خيبة الأمل العالمية في الحكومة الموقتة التي شكّلتها الحركة.

وقال خان “إذا قام المجتمع الدولي بتحفيزها وشجّعها على المضي قدما في هذا الحوار، سيكون الوضع مربحا للجميع”. وشدد على أنه “علينا تعزيز الحكومة الحالية وتحقيق استقرارها من أجل مصلحة الشعب الأفغاني”.

كذلك، دافع خان عن موقف بلده، الداعم الرئيسي لنظام طالبان بين عامي 1996 و2001 الذي فرض تفسيرها المتشدد للشريعة الإسلامية وآوى تنظيم القاعدة، ما أدى إلى الغزو الأميركي لأفغانستان عقب هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001.

وألقى خان المنتقد الشرس للحرب الأميركية التي استمرت 20 عاما وأنهاها الرئيس جو بايدن، باللوم على الضربات الأميركية غير الدقيقة بطائرات مسيّرة في تصاعد التطرف داخل باكستان، وأشار إلى تعاون إسلام أباد مع القوات الأميركية.

وقال خان في الخطاب الذي سجّل مسبقا بسبب التدابير الوقائية المرتبطة بمكافحة وباء كورونا “هناك قلق كبير في الولايات المتحدة إزاء المترجمين الفوريين وكل الأشخاص الذين ساعدوا الولايات المتحدة. ماذا عنا نحن؟”.

وتابع “على الأقل كان يجب أن تكون هناك كلمة تقدير. لكن بدلا من ذلك، تخيلوا كيف نشعر عندما يلقى باللوم علينا في تحول الأحداث في أفغانستان”.

ولطالما اتهم مسؤولون أميركيون أجهزة الاستخبارات النافذة في إسلام أباد باستمرارها في دعم طالبان ما دفع الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب إلى خفض المساعدات العسكرية.

مواجهة محتدمة

لم يتحدث بايدن إلى خان بعد وبالطبع لم يدعه إلى واشنطن، رغم أن وزير الخارجية أنطوني بلينكن التقى الخميس على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة نظيره الباكستاني وشكره للمساعدة في إعادة المواطنين الأميركيين من أفغانستان.

وفي خطابه المشحون، اتهم خان العالم الذي لديه مطامع في الهند التي تزيد قيمة سوقها عن مليار دولار، بمنح مودي فرصة “الإفلات من العقاب”.

وقال “إن أيديولوجية الهندوتفا (الشكل السائد للقومية الهندوسية في الهند) المليئة بالكراهية والتي روج لها نظام حزب بهاراتيا جاناتا – منظمة التطوع الوطنية الفاشي، أطلقت العنان لعهد من الخوف والعنف ضد المجتمع المسلم في الهند الذي يبلغ تعداده 200 مليون نسمة”.

في عهد مودي، ألغت الهند الحكم شبه الذاتي في كشمير، المنطقة الوحيدة ذات الأغلبية المسلمة، وأقرت قانون الجنسية الذي يصفه نقاد بأنه تمييزي، وشهدت تصعيدا متكررا للعنف الديني.
ويعتقد مراقبون أن الخلاف بشأن طالبان يعكس تناقض المصالح بين الطرفين في أفغانستان، وهو امتداد للخلاف بينهما على قضايا أخرى، لافتين إلى أن باكستان تريد أن تستفيد لوحدها من سقوط نظام الرئيس الأفغاني السابق أشرف غني، الذي هو صديق للهند.

وكانت الهند أرسلت أواخر حكم غني إشارات عن رغبتها في الانفتاح على طالبان. وقال السفير الهندي السابق في أفغانستان عمار سينها “كان من المفترض أن نتواصل مع طالبان، بمجرد جلوس الحكومة الأفغانية وطالبان معا للتفاوض، فلماذا نمتنع عن ذلك والجميع يتحدث معهم؟ يجب أن نتعامل معهم، كما نفعل مع أيّ فصيل آخر”.

وتساءل المتحدث باسم المكتب السياسي لطالبان سهيل شاهين “كيف يريدون (الهند) التحدث إلى طالبان بينما يزودون كابول بالأسلحة والطائرات المسيّرة وكل شيء؟ هذا تناقض واضح”.

وآخر أغسطس، التقى السفير الهندي لدى قطر ديباك ميتال ممثل المكتب السياسي لحركة طالبان الأفغانية في الدوحة شير محمد عباس ستانيكزاي، وذلك وفقا لما أعلنته الخارجية الهندية.

لكن المراقبين يعتقدون أن باكستان والهند لا يمكن أن يجتمعا على دعم جهة مهما كانت، وهو ما يعني أن قرب طالبان من إسلام أباد سيجعلها آليا في الصف المقابل لنيودلهي.

باكستان الإرهاب

فيما تتجاهل الهند في كثير من الأحيان تصريحات باكستان، ردت دبلوماسية هندية شابة من قاعة الجمعية العامة على خان.

واتّهمت السكرتيرة الأولى في البعثة الهندية لدى الأمم المتحدة سنيها دوبي باكستان بإيواء أسامة بن لادن الذي قتلته القوات الأميركية الخاصة في العام 2011 بغارة على مدينة أبوت أباد حيث كان يختبئ.

وقالت “ما زلنا نسمع أن باكستان ضحية للإرهاب. إنها بلاد تشعل الحرائق وتقدم نفسها على أنها رجل إطفاء”. وأضافت “باكستان ترعى الإرهابيين في حديقتها الخلفية آملة بأن يلحقوا الضرر بجيرانها فقط”.

وتحدثت أيضا عن العنف الذي يمارس بحق الأقليات في باكستان مشيرة إلى “الإبادة الثقافية والدينية” التي ارتكبت في العام 1971 عندما حصلت بنغلادش على استقلالها.

وقالت دوبي “بخلاف باكستان، فإن الهند ديمقراطية تعددية تضم عددا كبيرا من الأقليات التي تولى المنتسبون إليها مناصب عليا في البلاد”. وأثار كلامها ردا من جانب الدبلوماسية الباكستانية صائمة سليم التي قالت إن كشمير التي تسيطر عليها إسلام أباد جزئيا، هي قضية داخلية للهند.

وتخشى نيودلهي من أن يشجع استيلاء طالبان على أفغانستان الجماعات الإسلامية على استهدافها. ويمكن للجماعات الإرهابية المناهضة للهند مثل “عسكر طيبة” و”جيش محمد” التي تتخذ من باكستان مقرا لها وتجمعها صلات بطالبان، في نهاية المطاف، استخدام كابول كقاعدة لشن هجمات في كشمير أو أجزاء أخرى من الهند، كما فعلت في تسعينات القرن الماضي حينما كانت طالبان تحكم أفغانستان.

وعلى مدى سنوات تنشط تلك الجماعات على الحدود الأفغانية – الباكستانية وتتدرب في معسكرات هناك. وانطلاقا من المنطقة الحدودية تشن هجمات في الهند. وفي أعقاب سيطرة طالبان على أفغانستان فإن مسلحي هذه الجماعات قد يكتسبون جرأة أكثر ويحصلون على مناطق نفوذ أكبر لتنفيذ هجماتهم.