عطوان: رد عجيب للمعارضة السورية على قرار ترامب!!

عبد الباري عطوان

لم يُفاجئنا قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على هضبة الجولان السورية المحتلة، وكنا نتوقعه في ظل الهوان العربي والإسلامي الذي نعيشه حاليا، فبعد مرور اعترافه بالقدس المحتلة عاصمة أبدية لدولة إسرائيل دون أي رد فعل قوي وإجراءات عملية رادعة، لم يعد هناك أي عقبة في طريقه، ولا نستبعد أن يعترف، وقريبا جدا، بضم الضفة الغربية بالطريقة نفسها بعد أن نزع صفة الاحتلال عنها، والاستعداد للمطالبة بأراض أخرى.
مسؤول كبير في “حزب الله” قال لـ”رأي اليوم” إن هناك جوانب إيجابية في هذا القرار، أبرزها أنه أغلق كل الأبواب أمام الحكومات السورية في الحاضر والمستقبل لاستعادة أراضيها المحتلة بالمفاوضات، وإنه لم يعد هناك خيار أمامها غير المقاومة المسلحة بأشكالها كافة، مما يعني أنها ستظل في قلب محور المقاومة لسنوات، أو حتى عقود.

جميع رؤوساء وزراء الدولة العبرية حاولوا إخراج سوريا من هذا المحور وجرها إلى مائدة المفاوضات، ملوحين بورقة عودة هضبة الجولان إليها، مدعومين بعدد من الرؤوساء الأمريكيين، باستثناء الثنائي: نتنياهو وترامب، الآن اتضحت الصورة، وثبت أن المفاوضات كانت أكذوبة، والسلام سراب، وعودة هضبة الجولان خدعة كبرى، تماما مثلما حدث في أوسلو، ومعاهدة وادي عربة في الأردن وتبعاتها، وأبرزها اسقاط الوصاية الهاشمية عن القدس فعليا، وتكبيل يدي الأردن لاتفاقات الغاز لأكثر من 15 عاما، وإغراقها في الديون، وبذر بذور الفتنة لزعزعة استقراره.
ترامب بقراره هذا “شرع” نوايا، وخطط، محور المقاومة بفتح جبهة الجولان أمام عمليات المقاومة، على غرار جبهات الضفة وقطاع غزة وجنوب لبنان دون أن يدري، وردود الفعل العالمية الإجماعية الرافضة لقرار الضم الأمريكي للهضبة إلى السيادة الإسرائيلية جاءت لتؤكد مشروعية هذه الخطط، في الحاضر أو المستقبل.
إسرائيل حاولت، وتحاول استخدام القوة لفرض وقائع على الأرض، وممارسة ضغوط على حلفائها للاعتراف بها، ولكن ثبت بالدليل القاطع أن القوة نفسها هي الوحيدة القادرة على إلغاء هذا النهج، وما ترتب عليه، وثبت ذلك عمليا في جنوب لبنان، وقطاع غزة، وشريط طويل على ساحل قناة السويس الشرقي بعد حرب العاشر من رمضان عام 1973.
بعض ردود الفعل على هذا الاعتراف الأمريكي الاستفزازي والمهين كانت مؤلمة بالنسبة إلينا، أولها جاء من معظم فصائل المعارضة السورية، التي لم تدن بشكل واضح، وصريح، هذا الاعتراف الذي يقتطع جزءا عزيزا من بلدهم، دون أي مسوغات قانونية شرعية، دولية أو أخلاقية، فهضبة الجولان ليست ملكا خاصا للحكومة السورية الحالية، والرئيس بشار الأسد الذي يعارضونه، وإنما لكل السوريين، وكانت أرضا سورية لأكثر من سبعة آلاف عام، أما ثانيها، فردود الفعل العربية التي اتسم بعضها بالتلكؤ في إدانة هذه الخطوة، فلم تصدر البيانات الرافضة لبعض الحكومات الخليجية إلا في اليوم الثاني، وهذا أمرٌ معيبٌ بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى.
صاروخ واحد أطلقه المقاومون المحاصرون في قطاع غزة أربك دولة الاحتلال الإسرائيلي لأنه وصل إلى شمال تل أبيب، وحمل رأسا متفجرا نجح في تدمير عمارتين، وعلينا أن نتصور كيف سيكون الحال لو انطلقت صواريخ مماثلة، وربما أكثر كفاءة، وقدرات تفجيرية من القنيطرة السورية الموازية للهضبة المحتلة، أو قواعد أخرى على طول الشريط السوري المقابل لها في ظل تآكل قدرات القبب الحديدية؟
ربما يجادل البعض، بأن ما نقوله هو أضعاث أحلام، ويضربون مثلا بأن جبهة الجولان ظلت “صامتة” لأكثر من أربعين عاما، وهذا صحيح، ولكن بعد ضم الهضبة بمباركة أمريكية، وهزيمة المشروع الأمريكي التفتيتي لسوريا بعد ثماني سنوات من القتال المتواصل للجيش العربي وصمود الدولة السورية، تغيرت وتتغير كل المعادلات، والتفوق الجوي الإسرائيلي الغى بالسلاح الصاروخي الفعال على الأرض، وحالة الرعب التي تسود الأوساط الإسرائيلية، الشعبية والحكومية، من وجود مئات الآلاف من هذه الصواريخ في الجبهتين الشمالية الجنوبية هي الدليل الذي يؤكد ما نقول.
الجيش الذي استعاد معظم المدن السورية سيكون قادرا حتما على استعادة هضبة الجولان، فهذا الجيش هو جيش سوريا كلها، واكتسب خبرات وكفاءة قتالية غير مسبوقتين، ولسنا وحدنا الذين نتحدث عن هذه الحقيقة، وإنما الخبراء العسكريين الإسرائيليين أنفسهم.
نقطة أخيرة لا يمكن إلا أن نتوقف عندها، وهي أن هذا الدعم غير المحدود والفاضح، من قبل ترامب لنتنياهو، والتدخل السافر في الانتخابات الإسرائيلية لصالحه، يوجبان بوجود خطة سرية لهما ربما تتبلور وتظهر على السطح، بعد انتهاء هذه الانتخابات، واحتمال خروج نتنياهو منتصرا فيها بفضل هذا الدعم من رئيس القوة الأعظم في العالم.
إذا كانت هذه الخطة موجودة فعلا، فما هي عناصرها؟ هل من ضمنها شن الحرب على إيران وحلفائها مع بدء تنفيذ المرحلة الثانية من العقوبات التي تهدف إلى منع الصادرات النفطية الإيرانية كليا؟ أم إعادة احتلال قطاع غزة؟ أم هجوم على جنوب لبنان في محاولة يائسة لتدمير “حزب الله”؟ أم اجتياح سورية عسكريا؟
لا نملك إجابات على هذه الأسئلة الافتراضية، ولكن ما يمكن أن نقوله بكل ثقة أن كل الخطط الأمريكية الإسرائيلية في سوريا وإيران ولبنان وفلسطين ستفشل وستكون نتائجها كارثية على أصحابها، فعندما يستجدي نتنياهو وساطة مصرية لوقف إطلاق الصواريخ من قطاع غزة للمرة الثالثة في أقل من شهرين، وتقصف طائراته مناطق مهجورة، وتفشل 200 غارة على سوريا في تحقيق أي من أهدافها سواء إخراج القوات الإيرانية منها، أو منع وصول الصواريخ إلى “حزب الله” كليا، فإن الكتابة واضحة على الحائط ويمكن قراءتها بالعين المجردة.
مرة أخرى نقول “قد يأتي الخير من باطن الشر” والله أعلم.

رأي اليوم

ف/خ