روح الفكاهة في وطن المآسي والأحزان، لبنان

 

 بقلم إيلي أنطون شويري

 

مقدّمة ومحاولة تحديد لكلمة “فكاهة”

إن روح الفكاهة صفة يتحلّى بها الإنسان حين يكون طيّب القلب، عفويا، محبّا للضحك والنكات والدعابة والترفيه عن نفسه ونفس الآخرين. إنه إنسان محبوب من سائر الناس، يطلبون صداقته، ويشتاقون إليه، ويرتاحون إلى مجالسته والحديث معه. روح الفكاهة ليست المزاح الثقيل، السمج، الجارح لشعور الناس، والمُنَفِّر لهم، ولا السخرية منهم تحت ستار المِزاح أو الفكاهة. ولا هي أن يكون الإنسان مهرِّجا يُضْحِكُ الناس. إنها، بكل بساطة، روح بريئة، واعية، ذكية، لا تخبىء نوايا سيئة لاحتقار الآخر، ولمسخه وتشويهه في روحه أو جسمه. في الحقيقة، قليلون جدا هم الذين يمتلكون هذه الموهبة الطبيعية، روح الفكاهة، بروحيتها الطيبة الصافية، ويمارسونها بوعي واعتدال، في تعامل الناس اليوميّ الطبيعيّ العفويّ مع بعضهم البعض، على مسرح الحياة الحقيقيّ، ألصّاخب، ألعابس، ألقاسي، لا المسرح الذي يقيم عليه ممثلون بارعون، بإشراف وإدارة مخرج بارع، مسرحياتِهم الفكاهية المضحكة، المسلّية، الناقدة للمجتمع وللطبقة الحاكمة، المُعَدَّة سلفا، والمدروسة عن ظهر قلب، كتابة وتمثيلا.

الرصانة

الرصانة العابسة، المُنَفِّرَة، هي نقيض روح الفكاهة الباسمة، الضاحكة، الودودة. وهي المسيطرة والطاغية على علاقات الناس في كل المجتمعات البشرية، خاصة بين قادة الشعوب، وبين القادة وشعوبهم.

ليست الرصانة، بحدّ ذاتها، عيبا، لا بل هي صفة جميلة وضرورية لنموّ شخصية الإنسان، كروح الفكاهة، إذا لم يبالغ الإنسان في تبنّيها وممارستها، كل الوقت، بشكل أنانيّ، متكبّر، تافه، فقط لفرض احترام الناس له وخوفهم منه، وكسياج يقيمه بينه وبينهم لحماية نفسه منهم، ممّا يجعل منها رصانة مُصْطَنعَة، سخيفة، ومدعاة للهزء والسخرية والنفور من صاحبها. الإعتدال في امتلاك وممارسة الصِفتَين، صفة روح الفكاهة وصفة الرصانة، دليل توازن ونضوج في شخصية الإنسان، وأمر حسن ومقبول لدى الناس.

نستطيع، إذًا، القول بأن من يملك روح الفكاهة الحقيقية هو إنسان ناضج، مَرِح، متفائل، مَرِن الطبع، سهل المِراس دون أن يكون ضعيفا، وذو شخصية مُحَبَّبَة للآخرين ومحترَمَة منهم. ونستطيع القول أيضا، أن من يملك روح الرصانة الحقيقية هو إنسان جدّيٌّ في تطلعاته وطموحاته وسلوكه، ولكنه أيضا إنسان يعرف كيف يحبّ الناس ويحترمهم، ويعرف كيف يبتسم، وكيف يضحك، وكيف يستعمل روح الفكاهة، دون أن يخسر مقامه، أو يبدو سخيفا في نظر الناس.

الشعب والساسة والإعلاميون في لبنان

ماذا عن روح الفكاهة الحقيقية في لبنان (بالمقارنة مع روح الرصانة)، بحسب ما حدّدناها؟ هل هي موجودة؟ إلى أي حدّ؟

إنها موجودة، لا شك، في الشعب اللبنانيّ، بنسب متفاوتة وبأشكال مختلفة. الشعب اللبنانيّ، رغم كل معاناته اليومية، لم يفقد، بين الفينة والفينة، روح الفكاهة، أو بالأحرى روح النكتة حول الأوضاع المقلقة، وروح الإنتقاد اللاذع للسياسيين، بالأمثال الشعبية الطريفة، ولكنْ، ليعود بسرعة إلى عبوسه كالمعتاد، في لُجّة بحار الهموم التي تغمره، من هموم المعيشة والقلق على المستقبل، وهموم النفايات والتلوث وفساد الحكام، إلى هموم الإرهاب. كلها هموم خَلَقَها له قادة لا كفاءة لديهم في إدارة شؤون الشعب، ولا مبادىء أخلاقية تحرِّكهم، ولا قِيَم روحية، ولا رؤيا واضحة صريحة، سليمة، بنّاءة، لواقع الشعب والوطن، وللمستقبل، ولا نيّة صالحة لديهم، ولا إرادة حسنة، من أجل محاولة تخفيف هموم الشعب وإسعاده، ذلك الشعب المخدوع، المغلوب على أمره، الذي أوصلهم إلى عروش العظمة والقوة والسلطة والمال والحصانة، فتنكّروا له وأهملوه، وتركوه على قارعة الطريق بين حيّ وميت ومهاجر، عِرضة للفاقة والمرض والإرهاب واليأس والموت، بانتظار “سامريّ صالح” يمرّ به لإغاثته ومداواة جراحه.

السياسيون

السياسيون عندهم كل شيء إلا روح الفكاهة الحقيقية، بعكس ما يظنون. عندهم كل شيء إلا روح البساطة والصدق والعفويّة. عندهم، بوفرة كبيرة فائضة، في تعاملهم اليوميّ مع بعضهم البعض، روح السخرية والإحتقار والهجاء والتذاكي والكيدية والباطنية. روح الفكاهة الراقية تتطلّب عفوية فطرية وبساطة وثقافة عالية وأخلاقا رفيعة وعقلا نيّرا وصفاء قلب. هذه صفات بعيدة جدا عن منال السياسيين اللبنانيين الذين لا يشعرون بأي نقص. وهم، في جوّ الجدّية المصطنعة السخيفة، المخادعَة، التي يعيشونها، والتي تعطيهم الشعور الدائم بروح العظمة، إن حاولوا أحيانا أن يُظهروا روح الفكاهة أمام عدسات التصوير في الإعلام، أو حين “يُغرِّدون” على صفحات التواصل الإجتماعيّ مقلدين سائر “عظماء” العالم، ففكاهتهم تأتي سمجة، غليظة، مُنَفِّرَة، تعكس غرورهم وكبرياءهم وأنانيتهم وجهلهم وحبّ “التذاكي”. هم، في نظر أنفسهم ونظر أتباعهم، خِفافُ الظلّ، فَكِهون. لن نعطيَ أمثلة على ذلك. كلّ يوم، يمكن للبنانيين أن يسمعوا ويقرأوا ويروا “تغريدات” وتصريحات وتشدّقات وخطابات السياسيّين على خشبات مسارح الإعلام وشاشاته.

السياسيون، في لبنان، عندهم الكثير يقولونه بتبجّح، والقليل يفعلونه، بعكس ما يفرضه عليهم واجب خدمة الشعب، أي عمل كثير، بتواضع وصمت. إنهم في حال مخاض دائم لا ينتهي، من الثرثرة والتحركات غير المُجدِية، والشعب القلِق ينتظر منهم “مولودا” ما، يحسّن حياته ويطمئنه إلى يومه وغده، ولكنهم لا يلدون شيئا مفيدا للشعب بعد صخب كل مخاضاتهم المصطنعة، ليتمّ فيهم القول المعروف: تَمَخَّضَ الجَبَلُ فَوَلَدَ فأرا. إنهم لا يكفّون عن التكرار كالببغاوات، وبرصانة كاذبة في تموّجات الصوت وفي ملامح الوجه وحركات الأيدي، (رصانة تؤثِّر جدا على أتباعهم فقط)، لأقوال جامدة مُعلّبة، هي ذاتها لا تتغيّر، لا صدق فيها ولا روح ولا حياة، ولا يعنون حرفا واحدا منها. هذه بعضها:

مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.

نعمل من أجل المصلحة الوطنية العليا.

لبنان وطن التعايش بين جميع مكوّناته.

لا أحد يستطيع أن يلغيَ الآخر.

الشعب اللبنانيّ العظيم هو مصدر السلطات.

نعمل من أجل سيادة لبنان وحريته وإستقلاله.

القرار بانتخاب كل رئيس للجمهورية أو بتأليف كل حكومة هو بيد الخارج ومتعلق بتطورات إقليمية ودولية.

الإعلاميون

أما الإعلاميون فهم، بمعظمهم، كالببغاوات، يرددون أقوال السياسيين ويعكسون آراءهم وأمزجتهم ومصالحهم، ومصالح أصحاب منابع التمويل الخفية والمعروفة في الداخل والخارج، من أفراد وشركات ومصارف وحكومات. كلها أقوال وأمزجة عابسة، لا تبتسم ولا تضحك، ولا تتفاءل بالخير بصدق، ولا تبشر الشعب بأي فرج قريب. المال يخدّر السياسيين والإعلاميين وحلفاءهم من رجال مال وأعمال ودين، ويجعلهم سعداء وحدهم. ابتساماتهم وعبساتهم واهتماماتهم بالشان العام كلها مصطنعة، كاذبة. الشعب المكبوت وحده، دائما، يتألّم بصمت، ولكنه لا يثور ولا ينفجر.

رأي الشعب بالساسة والتغيير المنشود.

لسنا ندري ماذا يحصل لو أن الإعلام ينقل لنفسه قبل كل شيء، وللسياسيين، ولكل أقربائهم ب”الروح” المعروفين، ما يقوله الشعب الواعي عنهم، بالجملة، كل لحظة. ربما لا شيء يحصل. أي لن يغيّر أحد من المعنِيِّين أداءه وطبعه وأخلاقه وتفكيره وسلوكه. والشعب يظل يكرّر أقواله بسخرية واشمئزاز وقرف وغضب، ويتابع حياته كالمعتاد دون أن يرى أيّ بصيص أمل يلوح في الأفق المُعتِم، ليعود، بمعظمه، فيما بعد، إلى انتخاب الساسة أنفسهم الذين ينتقدهم ويتهكّم عليهم.

ماذا يقول الشعب؟

الشعب يقول، بكثير من المرارة، وقليل من المرح والفكاهة:

حاميها حراميها. كلهم سرّاقون. كلهم كذابون. كلهم دجّالون، كلهم “يقبضون”. كلهم عبيد للخارج. كلهم يضحكون علينا ويعيشون هم وعيالهم على “ظهرنا”.

كلهم لا يعرفون “ربّهم”، كلهم بلا دين. على من تقرأ مزاميرك يا داوود؟ لا حياة لمن تنادي. يا طالب الدبس من قفى النمس، والعنب من الشوك، والتين من العوسج.

كلهم همّهم الوحيد أن يملأوا بطونهم، وجيوبهم، وخزناتهم المخبَّأة في أقبية قصورهم وقلاعهم، وحساباتهم الخيالية السرية في المصارف الأوروبية، وأن يسافروا إلى الغرب من أجل الوطن… والسياحة والترفيه والترويح عن النفس من عناء التعب، برفقة عيالهم وحاشيتهم، درجة أولى، أو بطائراتهم الخاصة، وينزلوا في فنادق خمس نجوم أو في قصورهم الخاصة هناك، على حساب الشعب المقهور، المعذَّب، الساكت.

لا وجود لشعب حيّ يتّحِد ويثور ضدّ الدولة-المزرعة. كما تكونون يُوَلّى عليكم.

ليت دولة أجنبية قوية تحكمنا حكما عسكريا وتكسّر كل الرؤوس الكبيرة في هذا البلد، وتفرض دولة القانون والنظام والأخلاق والمؤسسات وخاصة مؤسسة القضاء النزيه، العادل، القوي، فنرتاح وننتهي من كل هذه الفوضى وهذا الظلم.

موقف الشعب من الساسة

إننا نكتفي بهذا القدر من أقوال الشعب اللبنانيّ. ولكننا لا نستطيع، هنا، إلا أن نسأل أنفسنا:

لماذا الشعب اللبنانيّ ساكت دائما، لا يثور على نفسه وعلى زعمائه الفاسدين، المرائين إن ابتسموا أم عبسوا؟

لماذا الشعب اللبنانيّ لا يتّحد في وجه قادته الظالمين؟

إذا كانت المصيبة تجمع كما يُقال، فلماذا حتى أكبر المصائب وأفظعها (حروب، دمار، إعاقات، مجاعات، تلوث،أمراض…) لم تستطع حتى الآن أن تجمع اللبنانيين وتوحّدهم؟

إن مسألة علاقة اللبنانيّين بزعمائهم، مسألة مُحيِّرة، بالفعل.

ما هذا الذي يسكن أهل السياسة والمال والقوة والعظمة، ويسيّرهم بشكل سيّء، ويمنعهم من أن يكونوا صادقين مع أنفسهم قبل كل شيء، ثمّ مع الشعب، ويمنعهم من أن يخدموا مصالح الشعب وكل الوطن، لا مصالحهم الشخصية ومصالح عيالهم وطوائفهم (حتى طوائفهم يهملها أحيانا معظم الساسة)؟

لا جواب آخر عندنا سوى أن المانع هو سكرة المال والكبرياء والأنانية والغرور و”الرصانة” الكاذبة، سكرة تخدِّر الإحساس والعقل، وتنفخ الذات المتعبدة لذاتها، والمكتفية بذاتها. في جوّ هذه السكرة وهذا التخدير، وهذه “الرصانة”، يصبح مَنْ إسْمُهُ “الآخر”، أي الشعب الفقير، غير موجود، إلا يوم الإنتخاب.

ولكن، لماذا لا يحاولون أن يزيلوا كل هذه الموانع؟ لماذا لا يصغون إلى نصح الناصحين العقلاء وإرشاد المُرشِدين الروحيين؟

لسنا ندري. إنه أمر محيِّر بالفعل، تماما كأمر الشعب الساكت. وككل شيء آخر في لبنان.

إننا، في الحقيقة، لا نستطيع، بسبب من حبّنا للحقيقة وللحق ولشركائنا في الوطن، إلا أن نقوم بمراقبة وتحليل وانتقاد (بشكل قاس، ربما، ولكن بشكل صادق، موضوعيّ، بنّاء) ما يجري من حولنا، وما يُرتَكَب من أخطاء، ومحاولة فهمه فهما سليما، من خلال السلوك الظاهر للإنسان، والتعبير الكلاميّ الخارج من فمه، والنتائج الحتميّة لهما، إيجابا أو سلبا. من ثمارهم تعرفونهم. ثمار زعماء الطوائف، مفتعلو العبوس والرصانة والإبتسام والفكاهة وبلاغة الكلام، في لبنان، ثمار فاسدة. لا أحد يستطيع إنكار هذا الواقع. إنه واقع أبلغ من الكلام.

أما محاولة تغيير الواقع السيّء فأمر آخر، وليس في قدرة أحد التحكّم به بالسرعة المرجُوَّة. إذا، ودائما بتواضع وصدق، نحاول فهم الواقع، ثمّ تشخيص الداء، ثمّ وصف الدواء، وإعطاء الحلول الممكنة لمعالجة الأوضاع الشاذة في نظرنا، وتوعية من عنده الإستعداد للوعي من شعب وسياسيين وإعلاميين ونُخَب دنيا ودين. بعد ذلك، نترك للوقت أن يفعل فعله في النفوس. إنها مغامرة رائعة، ولكنها غير مضمونة النتائج كما يشتهيها الإنسان المحبّ، الصادق، المخلص.

إنعدام روح الفكاهة ونتائجه

نعود إلى موضوع روح الفكاهة المفقودة في لبنان. هل فقدان هذه الروح في القادة هو فعلا سبب كل المصائب التي تنزل كالصواعق على رؤوس اللبنانيّين وتنغّص حياتهم، وتفرّق صفوفهم، وتمنع وحدتهم، وتجعلهم في حالة من القلق الدائم على الوجود والمصير؟

يبدو الأمر، للوهلة الأولى، مُبَالَغا فيه، غير منطقيّ وغير واقعيّ، لا بل ساذجا، لا بل سخيفا، حين نربط مصائب اللبنانيين بفقدان السياسيين لروح الفكاهة الحقيقيّة. إن الجواب ب”نعم” أو ب”لا” رهن بالمعنى الذي نعطيه لكلمة “فكاهة”. وقد اخترنا المعنى الحقيقيّ بأبعاده اللغوية والروحية والأخلاقية والنفسية للكلمة، في بداية هذا المقال. ونودّ، هنا، أن نكمل توضيح معنى الكلمة.

إن كلمة “فكاهة” تتحمّل معانيَ كثيرة متشابهة، وأحيانا متناقضة، بحسب النيّة التي وراءها، وبحسب طريقة الأداء.

بنظرنا، روح الفكاهة الحقيقية، خاصة في عالم السياسة، ليست مجرّد إلقاء النكات وممارسة فنّ السخرية للحطّ من مقام الآخرين ورفع شأن الذات، أو فنّ التهريج لإضحاك الأخرين والترفيه عنهم، واستحقاق تقديرهم وتصفيقهم الحادّ. إنها فنّ وأسلوب في الكلام، لتخفيف الإحتقان والتشنّج في مواقف أشخاص أو أفرقاء. إنها الروح الطيبة التي تقبل بوجود الآخر، وتحترمه، وتحبّه، ولو خالفها الرأي، وتروّح عن نفسه بطيب الكلام والسلوك. إنها الروح المتواضعة التي تعرف أن تبتسم وتضحك وتنكِّت (حتى على نفسها) بعفوية ووعي وفرح، دون أن تهين وتؤذي الآخر، ودون أن تخسر رصانتها الصادقة، غير المصطنعة. روح الفكاهة لا يمكن أن تسكن في القلب الجاف، المتحجّر، المتكبّر، اللئيم، وأن تظهر في الوجه العابس الصارم، القاسي، الذي يلامس حدود السخافة والتفاهة أحيانا، ويعكس قحطا نفسيا وأخلاقيا وفكريا مغلَّفا بروح عظمة وهمية مضحكة. ويصبح هذا المظهر وهذا السلوك طريقة حياة آليّة، ثابتة، بالنسبة لبعض الناس، خاصة القادة السياسيين والعسكريين، وهو سلوك لا ينتج عنه شيء جيّد. لا نبالغ إذا قلنا أن روح الفكاهة الحقيقية هي روح المحبة بالذات، أو ثمرة جيّدة لذيذة من ثمار المحبّة.

إن الحروب الكثيرة التي وقعت بين الشعوب عبر تاريخ البشرية، وبين اللبنانيين أنفسهم، وبينهم وبين الغزاة، قد سبّبها قادة سياسيون وعسكريون، يُدعَون في كتب التاريخ بالرجال العظماء. هؤلاء العظماء لا يملكون شيئا من روح الفكاهة بكل عناصرها ومعانيها الجميلة السامية، وأهمها المحبة والتواضع وروح التضحية والخدمة (باستثناء بعض القادة النادرين الذين أحبوا شعبهم وأخلصوا له وبذلوا جهدهم في سبيل ازدهاره وسعادته وكرامته، غير أنهم لم يستطيعوا أن يطبعوا تاريخ بلادهم والعالم بطابعهم الشخصي الخاص لفترات طويلة من التاريخ، كشارل ديغول، مثلا، وغاندي، والملك قسطنطين). إذًا، كل ما يملكه هؤلاء العظماء هو روح العبوس التافه والرصانة السخيفة والعقم النفسي والفكري، وطبعا روح الكبرياء والأنانية والغرور والعظمة والسلطة والشهرة والطمع والشراهة والسخرية. إنهم يملكون، بكل بساطة، روح الجهل لمفهوم ولجمال مبادىء المحبة والرحمة والواجب والأخلاق والخير والحق والجمال والفضيلة. إنهم يملكون روح الجنون، جنون العظمة. وماذا ينتج عن ذلك الجهل وذاك الجنون إلا الدمار والخراب والبؤس والفقر والحزن والتعاسة والتخلف والموت للشعوب؟

إن تاريخ لبنان مليء بأحداث الحروب الدامية. معظم قادته القدماء والحديثين ليسوا بأفضل من زعماء العالم. الشيء البارز في طبعهم وأخلاقهم هو روح الكبرياء والتحدّي والعبوس السخيف والجدّية المُصطَنَعَة. من هنا تبدأ مصائب الشعب اللبناني. وكل ما نشهده اليوم على الساحة اللبنانية من تباه بالثقل والحجم والحيثية ومن خلافات سخيفة حول حصص الحكم، ومن تراشق كلاميٍّ نابٍ وبذيءٍ وتافه عبر الإعلام، ومن تذاكٍ وفذلكات وتهكّم وسخرية وروح فكاهة ثقيلة، سمجة، ومن ألعاب شدّ حبال عقيمة بين كل زعماء وساسة الطوائف، ومن تعطيل لعمل مؤسسات الدولة والحكم، ولحياة الناس، هو من نتاج تراث الكبرياء المحلّي، الوطنيّ، التاريخي. إنه صناعة لبنانيّة فاخرة بامتياز وبتفوّق. إنها البيئة المثالية الحاضنة لغزو تيارات المال والفسق والسياسة والعسكر من الخارج.

كل المجازر التي حصلت بين الطوائف اللبنانية، منذ 1840 مرورا ب1860، و1920، و1958، و1975-1990، حتى اليوم، والتي نلوم الغزاة والمحتلين الطامعين الأشرارعلى افتعالها، إنما تقع الملامة الكبرى لحدوثها على زعماء الطوائف والدين. إنها الكبرياء الرصينة العابسة وما تعنيه وتجرّه من قصر النظر وقلة الحكمة وجنون العظمة، وحب المال والقوة والسيطرة والطمع، وقلة التسامح، وسائر المعاصي والخصال السيئة. إنها الكبرياء التي لا تعرف المحبة ولا تعترف بها، ولا تعرف أن تبتسم وترحم وتداري وتسامح، وترفض أن تميل مع النسيم الرقيق أو مع الريح العاصفة. إنها الكبرياء المستعدّة دائما أن تواجه الآخرين من شركاء الوطن الواحد، وتكسرهم بقوة الشخصية المزيفة والعنفوان السخيف، وبقوة السلاح والرجال والمال، وأن تضحّي بأرواح الناس من أجل بقائها واستمرارها ومجدها الباطل.

لو عرف زعماء الطوائف في لبنان، من زمان بعيد، كيف يتواضعون في تعاملهم مع بعضهم البعض، وكيف يخدمون، معا، بكل طيبة وفرح ومحبة، الشعب الذي يتطلع إليهم كقادة مخلصين ورعاة صالحين، يرعون شؤونه المعيشية والصحية والتربوية، ولو عرفوا كيف يتّحدون معا ضد الغزاة والطامعين، لما عرّضوا الشعب اللبنانيّ بأسره لحروب أهلية مدمِّرة له وحده، وهم يبقون دائما بمنأى عنها، ولما استطاع أحد على غزوه وتفرقته بالجيوش ومال الرشوة، وروح الفتنة، ولما أوصلوا أنفسهم إلى وضع مخزٍ، معيبٍ، مخجلٍ، مشينٍ، مؤلمٍ، لا يستطيعون فيه أبدا الإتفاق، وحدهم، دون الإستنجاد بوصاية وتدخل بعض دول الخارج (بلا نتيجة أو جدوى)، ودون الخلاف على الأرباح، على شيء. على سبيل المثال، نذكر:

التخلّص بسرعة من النفايات وأوبئتها وخطرها على صحة المواطنين، وحلّ مشكلة تقنين الكهرباء (بين الدولة وأصحاب المولِّدات) والمياه، ومشكلة التلوّث البيئي، ومشكلة الديون.

انتخاب أي رئيس للجمهورية أو تأليف أي حكومة.

خلق قانون إنتخابيّ جديد عادل للجميع، يكون على قياس الشعب (حرية مطلقة للإختيار وللحذف أو “التشطيب”) لا على قياس الزعماء.

إستخراج الغاز والنفط من بحر لبنان، وقد كثر الكلام وحامت الشبهات حول بعض الساسة المتورّطين في صفقات مشبوهة وعمولات، تُسَمَّى بالمُناقصات.

تسليح الجيش بغير الكلام الكاذب وقصائد وخطابات الفخر والمديح.

دعم المقاومة وتأييدها ريثما “تَسمح” بعض حكومات الخارج للجيش بأن يتسلح كما يجب، أو ريثما يقرّر أغنياء لبنان وزعماؤه وشعبه تسليح جيشهم من أموالهم الخاصة، أو ريثما تُحَلُّ مشكلة الدولة التلمودية العنصرية (الرافضة لأي حلّ) في أرض فلسطين، التي تشكل المقاومة بالنسبة لها عامل ردع قويّ.

من هو العدوّ الحقيقي للحذر من غدره، ومن هو الصديق الحقيقي لمصادقته.

إيجاد حل سريع لمشكلة النازحين السوريين، وخطر مؤامرة الأمم المتحدة لتوطينهم في لبنان (رغم كل التطمينات ومحاولات إرجاع بعضهم بدعم روسي)، مع الفلسطينيين، وضرب الكيان اللبنانيّ في صميمه، وتعزيز الكيان اليهودي العنصري.

كل ذلك (والزعماء اللبنانيون لا يدرون شيئا ولا يقلقهم أي شيء إلا كيفية ملء جيوبهم بالمال)، من أجل أن ترتاح وتفرح إسرائيل، الدولة التلمودية القومية اليهودية الصهيونية الماسونية العنصرية، وتفرح “القوة الخفية” وعائلة “روتشيلد” الفرنسية التي خلقت إسرائيل، والتي تحكم حكومات الأرض وجيوشها القوية، وتتحكم بشركات النفط ومناجم الذهب، ومعامل السلاح والأدوية والمياه العذبة، والمصارف وأسواق البورصات في عواصم العالم، وتخلق الحروب وتزرع الفوضى.

عملية جراحية للساسة والشعب

لن نقضيَ وقتنا نتأسّف على الشعب اللبنانيّ المظلوم والمخدوع والمتهكِّم، ولا على الزعماء الظالمين والمخادعين والمتكبرين والعابسين. ولن نكتفيَ بترداد ما يقوله الشعب وما يقوله ويفعله الزعماء إلى ما لا نهاية. الإثنان، الشعب والزعماء، بحاجة إلى عملية جراحية فكرية وأخلاقية وروحية مؤلمة لاستئصال كبريائهما العائلية والطائفية والعرقية السخيفة، وجهلهما، ونفاقهما على بعضهما البعض، ورصانتهما المصطنعة وروح التهكم والسخرية والتذاكي، وقلة الجدّيّة في مواجهة الحقيقة ومعالجة المشاكل وإيجاد الحلول. إذا كانت الحقيقة تجرح وتؤلم كما هو معلوم، فلنبدأ بجرحهما وإيلامهما بقول الحقيقة.

الشعب جبان، لا يجرؤ على التحرك ضدّ ظالميه، ويظلّ يتملقهم ويتودّد إليهم، وفي الوقت عينه يشتمهم ويتهكّم عليهم. الشعب يحبّ ويكره ويخاف جلاديه ويؤلّههم. إنها علاقة مريضة بينه وبين زعمائه. والزعماء وقحون، كذابون، قساة القلوب، أنانيون، متكبّرون، وجَهَلَة. لا بل أكثر من ذلك، الزعماء مجرمون وقتلة بحقّ الشعب. والشعب، بسكوته الغريب العجيب عن أعمال أحبائه وآلهته ومضطهديه السياسيين، يمارس عملية قهر وتعذيب للذات لذيذة، لا بل عملية انتحار بطيئة، مؤلمة، عبثيّة، تافهة.

العملية الجراحية هدفها استئصال قلب وعقل الزعماء والشعب، وزرع عقل وقلب جديدَين، صادقَين، متواضعَين، في روحهما. تبدأ هذه العملية بالدعوة المُلحّة للشعب والسياسيين إلى الإعتراف بنقصهما الفكريّ والأخلاقيّ والروحيّ، والإقتناع بضرورة إحداث وإجراء عملية ولادة روحية جديدة. ولكن، هل يقبل أبناء الشعب؟ وهل يقبل السياسيون؟ ومن تراه يكون الطبيب الجرّاح؟

دور النخب

في أية عملية تغيير جذريّ في المجتمع، تتجه العيون دائما إلى نُخَب الشعب لتبدأ بهذه العملية وتقودها. ولكننا نعلم علم اليقين بأن النُّخَب مشتتة، مضعضعة، فقيرة، وهي، بمعظمها، غير متواضعة، وتحتاج أيضا إلى عملية جراحية. فما العمل، إذا؟

لا يمكن الإتكال إلا على النُّخَب الجيدة، مهما خفّ عددها، أو خفّت هِمَّتُها. النُّخَب الروحية، بنوع خاص، هي، في الحقيقة، المؤهَّلَة أكثر من غيرها، لتلعب دور الطبيب الروحي الجرّاح، كل يوم وكل لحظة، في مجال تحرير الناس وشفائهم من أمراضهم النفسية المزمنة، بالكلام الطيّب والمثال الصالح، وحثِّهم على وعي واكتشاف واستغلال طاقات الخير الهائلة الكامنة في داخلهم. إنها طاقات المحبة لشركاء الوطن ولكل الناس، وطاقات النموّ بالعقل والروح نموّا لا نهاية له، وطاقات الفرح الحقيقيّ باكتشاف الإنسان لكل طاقاته، ومحاولة تنميتها.

الإعلام الصادق، المتحرر من سلطان المال، يمكنه، إلى جانب النُّخب الروحية، أن يساهم كثيرا في مجال التحرّر من أغلال الذات، ومجال التوعية الدائمة الملحة لكل المواطنين على حقوقهم وواجباتهم، ووجوب وكيفيّة ممارستها على أفضل ما يُرام، خاصة حق وواجب الإقتراع الواعي المتحرر من قيود وسلاسل الطائفية والعائلية والمذهبية والعِرقية والمالية.

المعلِّمون، أيضا، يمكنهم أن يساهموا، بقوة، في بناء شخصية الطلاب من خلال جعلهم يتقنون فنّ القراءة والكتابة والتفكير، وفن التعبير الواضح الصادق عن الذات، وفنّ اللياقة والتهذيب والإحترام في تعاملهم مع كل المواطنين، وفي جعلهم يتعوّدون أن يحترموا القوانين والأنظمة من أجل خيرهم وخير المجتمع، وأن يحبوا وطنهم وأبناء وطنهم، وأن يكونوا، في نهاية الأمر، مواطنين صالحين يصنعون، هم، زعماءهم وتاريخهم، لا العكس.

ونحن لم ننس الدور الأساسيّ للأهل في تربية وتنشئة أولادهم في البيت، على مبادىء الخير والصلاح والسلام والرحمة وحب الآخر والوطن، وفرح الحياة. لم ننسَ أن العائلة هي نواة المجتمع.

على كل النُّخَب في لبنان أن تجتمع وتحزم أمرها (هل تفعل؟) في مسألة العمل معا، وبتواضع، كفريق واحد منسجم، من اجل إجراء عملية جراحية للشعب اللبنانيّ ولزعمائه، عمليّة زرع قلب جديد وعقل جديد. إنها عملية دقيقة وطويلة جدا، وعلى النُّخَّب ألّا تتعب وتقرف وتستقيل من مهمتها وتغادر غرفة العمليات، عند أقل معاكسة أو رفض من قبل المريض. الشعب وزعماؤه يملكان كبرياء هائلة، وهما غير مستعدَّين أبدا للتنازل عنها، كبرياء ليس من السهل خرقها أو تخديرها من أجل استئصالها. القول الطيّب والصادق والمتواصل هو الدواء الوحيد. ثمة دواء آخر، وهو المثال الصالح. إذا اجتمع الدواءان معا في شخص واحد أو أكثر، بشكل كامل (هل هو موجود حقا هذا الشخص؟)، تسهُل حينئذ، وتقصُر مدة العملية الجراحية، عملية إستئصال الكبرياء والجهل، وزرع قلب جديد متواضع وعقل سليم وبَصِير جديد في الإنسان اللبناني.

روح الفكاهة والرصانة

أين صرنا من مسألة روح الفكاهة الحقيقية ومسألة الرصانة الحقيقية الصادقة في لبنان؟

كما رأينا سابقا في هذا المقال، هاتان المسألتان مرتبطتان ارتباطا وثيقا بمبادىء الأخلاق الحسنة الحميدة والتربية الصحيحة. هما ثمرتان جيدتان لهذه الأخلاق وهذه التربية. وكما رأينا أيضا، أن روح الفكاهة لها سموّ في المعنى الحقيقيّ لها وفي الأداء، يرفعها عن مستوى السخرية والتهكم والإنتقاد والتجريح والتهريج والتسلية. هذا السموّ هو وليد عقل ناضج بَصير، وقلب صاف متواضع محبّ، وإرادة حسنة بنّاءة. كذلك روح الرصانة الحقيقية في الإنسان، هي وليدة هذه الشخصية (عقل وقلب وإرادة) المكتملة في الإنسان، وفوق مستوى العبوس الكاذب المصطنع المتكبّر، وتقطيب الجبين، وإطالة التحديق في الناس بقسوة، لخلق وَهْم في نفوسهم بأن لاعب هذا الدور هو إنسان مهمّ جدا، جدّيّ، مسؤول، ومرهوب. هذا هو الدور السخيف والتافه الذي يعشق أن يلعبه، وأن يتقنه خير إتقان، معظم السياسيين وحلفائهم من الطبقات “العليا” وأبناء الشعب في لبنان.

إن عملية زرع قلب وعقل في روح اللبنانيين، شعبا وزعماء (والزعماء قبل الشعب)، هي عملية ضرورية ومستعجلة، كون روحهما في حال نزاع دائم، وهي مهدّدة كل لحظة بالموت، وهذا يعني موت الوطن. الموت البطيء لروح الوطن، كل لحظة، هو موت الصدق فيها، والتواضع، والمحبة، والجدّيّة الحقيقية المنتجة، وروح الفكاهة الباسمة، المتفائلة، السمحاء، الفرِحَة. معجزة القيامة من هذا الموت الروحيّ البطيء والمستمر، تتمّ على يد نخبة صالحة تشفي بِلَمْسَةٍ روحية واحدة متواصلة، الأمراض الخبيثة، وتعيد للروح المسكونة بهذه الأمراض عافيتها وحيويتها.

في لبنان، كل الناس تصلّي إلى الله من أجل أن يعطيهم الصحة، والعافية، وجمال الجسد، والمال، والخبز اليومي، ومن أجل أن يحفظ لبنان وينجّيه من الشرور، وهذا شيء حسن. ولكن، في لبنان، عندنا تخمة في عدد المعابد والمزارات، وتخمة في المواظبين على الصلاة، تقابلها تخمة في المشاكل والمصائب والمآسي. ما ليس عندنا هو الإرادة الواحدة، القوية، من أجل ممارسة عملية تأمل صبورة، مستمرّة، بعيدا عن الضجيج والثرثرة، في ذاتنا، تشبه الصلاة، ومن أجل الإتكال، إلى جانب اتكالنا على قوة الله بالصلاة إليه والحوار معه، على أنفسنا نحن أيضا، لنجابه أنفسنا على حقيقتها، بشجاعة، ودون خوف من رهبة صمت العزلة والوحشة، ومن رؤية بشاعات روحنا، لتحقيق وعي الذات لضعفها، ووعيها لإمكانية بناء قوتها المعنوية انطلاقا من ضعفها، ووعيها لحقيقة الواقع السيّء التعيس من حولها، وللحاجة الماسة إلى تغييره. هكذا، نُحْيِي أنفسنا من جديد، ونسير بها، ونحن نبتسم وكلنا أمل ورجاء وتفاؤل بالخير، على طريق الكمال الصعب، الوعر، الشاق، والشيّق.
التأمّل وسيلة فعّالة لبناء العقل والأخلاق لعلّنا نحتاج في لبنان إلى مراكز ومعلمين لتعليم الزعماء والشعب على التأمل السليم المبنيّ على معرفة الذات وبناء الشخصية القوية والأخلاق القويمة، على طريقة “إعرَفْ نفسك بنفسك” للفيلسوف الإغريقي، سقراط، كما تعلّموا القراءة والكتابة والتفكير في المدارس، من قبل. لما لا؟ السؤال العفوي الذي يلتمع في رأسنا فجأة كالبرق، هو: هل يا ترى عندنا معلمون في لبنان مثل سقراط؟

لعله من المفيد أن نذكر، هنا والآن، بإننا نعاني، في لبنان، من أكثر من تخمة:

في عدد الأفران والمطاعم والمقاهي والفنادق والأراغيل و”علب” الليل، وفي عدد العاملين والموظفين (لا تخمة في عدد السائحين)،

وفي عدد نوادي الرياضة والجمال الجسماني وأندية التسلية والترفيه،

وفي عدد السيارات والشاحنات والدراجات النارية، وفي كمّية الضجيج وتلوّث الهواء،

وفي عدد المُجَمَّعات السكنية الضخمة المسكونة والفارغة،

وفي عدد المصارف والصرافين، ومراكز الإعلام والإعلاميين، ودور العبادة،

وفي عدد النواب والوزراء والأحزاب والتيارات والتجمعات والجمعيات، والمراكز والأبنية الحكومية والموظفين الحكوميين،

وفي عدد الأغنياء وقصورهم وسياراتهم المصفحة وطائراتهم ويخوتهم وتضخّم ثرواتهم الهائلة،

وفي عدد الفقراء والمعوِزين، والمرضى، والمعاقين والمشرَّدين والمُتَسَوِّلين على الطرقات.

بالمختصر، عندنا تخمة في كل شيء تقريبا، إلا في مراكز التأمّل وعدد معلمي وطلاب التأمّل. ما عندنا، في الواقع المرّ، هو الندرة في هذا المجال، مجال التفكير، والتأمل، والصمت، ومعرفة وبناء الذات.

إن النُّخَب الدينية يمكنها، بمساعدة النُّخَب الفكريّة والتربوية، أن تلعب دور الطبيب الجراح لزرع قلب وعقل سليمَين جديدَين للبنانيين، من خلال إنشاء مراكز للتأمل بإشرافها، لتعلِّم الشعب والزعماء (إن قبلوا بالفكرة ولم يستهزئوا بها) على فصيلة التواضع قبل كل شيء، وعلى حبّ سائر الفضائل (محبة، رحمة، صدق، وفاء، إخلاص، كرم، عطاء، شجاعة…) ووجوب ممارستها، بوعي، وتحقيق مَلَكَتِها، وعلى التفكير السليم، البنّاء، الجدّيّ، الذي يتحوّل إلى سلوك جيّد، يُنتج خيرا ماديا ونفسيا وروحيا للمجتمع ولأنفسهم، وعلى الصلاة الجدّيّة العقلانية التي تتخطّى مستوى صلاة الثرثرة العقيمة، والتكرار المُمِلّ، والدقّ على الصدور، والدوران العبثيّ حول مِحوَرِ الذات الأنانية الضيّق، المحدود. كما يمكن لهذه النخب أن تطلب، من أجل تحقيق هذا المشروع الضخم، مساعدات مالية من بعض الأغنياء الصالحين، المتواضعين، الذين لا يثقون بأحد ثقتهم برجال الدّين. إنه مُجرّد إقتراح، ولكنه اقتراح صادق، نبيل الغاية، شريف المقصد، يستحقّ الإهتمام الجدّيّ به والدراسة الرصينة له، ومحاولة تحقيقه، من قِبَلِ من بيدهم أمور الحلّ والرّبط على الأرض وفي السماء.

لا بأس إن ودَدنا، في مسك الختام، أن نُذَكِّرَ أنفسنا، بتعبير آخر، وببساطة واختصار، بأن مشروع تعليم التأمل والصلاة، هو مشروع يساعد على بناء وطن قويّ، مُعافَى، منيع، عصيّ على كل أنواع التجارب القاسية والشرور، وبأن هدف تَعَلُّم التأمل والصلاة والصمت والفضائل، هو مساعدة الإنسان على الممارسة اليومية لفعل الإرادة الصالحة، والتدرّب على أخذ القرارات القويّة الصارمة بتخطّي ضعفه ونقصه، من خلال مواجهة ومعرفة نفسه على حقيقتها البشعة المُنَفِّرَة، بشجاعة وصدق، والسّهَر اليَقِظ الدائم على حسن بنائها وتقويتها وتنميتها بممارسة الفضائل لا الرذائل، وبالإنسلاخ المستمرّ الموجِع عن روح الأنانيّة والكبرياء والغرور والشراهة والطمع والعبوس المصطنع والخبث، وعن روح التهكّم على الناس، والسخرية منهم وعدم احترامهم، والغضب عليهم، واحتقارهم، وإيذائهم، والإستلشاق بقيمة الإنسان المعنوية والروحية، وبروح الله الساكنة فيه. هذه هي بالضبط العملية الجراحية التي يحتاجها الشعب اللبنانيّ والزعماء اللبنانيون.

ليت اللبنانيين جميعا يتقبّلون بتواضع فكرة إجراء عملية زرع قلب وعقل جديدَين في روحهم المريضة، من خلال تعلّمهم لممارسة التأمّل والصلاة والصمت والفضائل ممارسة واعية، صادقة، إلى حين يصبحون هم أنفسهم أصحّاء ومعلمين أطباء يكملون مشروع مساعدة الآخرين على الشفاء الروحيّ، من الذين تثاقلَت خطواتهم وتأخروا على دروب الكمال. نحن بحاجة إلى غرفة طوارىء وعمليات في مستشفى روحيّ. ولكن، قبل كل شيء، نحن بحاجة إلى معلِّمين أطبّاء ماهرين ومُحِبّين، مستعدّين للتضحية وبذل ذواتهم من أجل خدمة أبناء الوطن وشفاء روحهم وإسعادهم، وحمايتهم، وتحصينهم فكريا وأخلاقيا وروحيا ضدّ إعصار تيار “عولمة” طاغ، لا يرحم، يدسّ في دسم حضارته التكنولوجية المتطوّرة، المتفوّقة، سُمَّ ثقافة المال والرذيلة، والخداع والخيانة والغدر، والعنف والتسلط والحقد، والعبودية لكل الشعوب.

بعد محاولتنا هذه لإلقاء بعض الأضواء على مفهومنا لروح الفكاهة ومدى تأثيرها على الأجواء السياسية في لبنان، نودّ أن ننهي موضوعنا بطرح السؤال عينه الذي طرحناه في سياق البحث، دون محاولة الإجابة عليه بالنفي أو بالإيجاب، والسؤال هو:

هل يا ترى عندنا مُعَلِّمون في لبنان مثل سقراط؟

من باب التمنّي، نطرح هذا السؤال، ونعرف، سلفا، أننا لا نطمح، ولا نتوقّع، ولا نحلم أن نكون محظوظين إلى هذا الحدّ. نحن، في الحقيقة، لا نحتاج إلى عقول وشخصيات متفوِّقة في التفكير والأخلاق، كعقل سقراط وشخصيته، من أجل تحقيق مشروع/معجزة بناء عقول اللبنانيين وقلوبهم وشخصيتهم بناءًا جديدا، صلبا. ما نحتاج إليه هو قلوب مُحِبَّة، صادقة، متواضعة، واعية، ناضجة، حكيمة، رحيمة، صبورة، مضحِّية. ما نحتاج إليه هو قلوب عاقلة، إذا صحّ التعبير، تبذل نفسها وتعمل، معا، في مهمّة إنقاذية رسولية، من أجل تحرير وتخليص اللبنانيين، شعبا ومسؤولين، من عقم وتفاهة وعبثية نير الجهل، وعبوس الكبرياء، والأنانية، وروح العظمة، وروح السخرية والتهكم، ومن لبس الأقنعة.

فلنطلب ولنحاول جميعنا، أوّلا، وبإلحاح شديد، أن نخلق فينا قلبا عاقلا، حكيما، نقيا، متواضعا، باسما، خلّاقا، محبا، وإرادة صالحة قوية.

نختم بقول المسيح في إنجيل متى (متى 6: 33):

“أطلبوا ملكوت الله وبرَّه والباقي يُعْطَى لكم ويُزاد”.

 بقلم إيلي أنطون شويري

 

مقدّمة ومحاولة تحديد لكلمة “فكاهة”

إن روح الفكاهة صفة يتحلّى بها الإنسان حين يكون طيّب القلب، عفويا، محبّا للضحك والنكات والدعابة والترفيه عن نفسه ونفس الآخرين. إنه إنسان محبوب من سائر الناس، يطلبون صداقته، ويشتاقون إليه، ويرتاحون إلى مجالسته والحديث معه. روح الفكاهة ليست المزاح الثقيل، السمج، الجارح لشعور الناس، والمُنَفِّر لهم، ولا السخرية منهم تحت ستار المِزاح أو الفكاهة. ولا هي أن يكون الإنسان مهرِّجا يُضْحِكُ الناس. إنها، بكل بساطة، روح بريئة، واعية، ذكية، لا تخبىء نوايا سيئة لاحتقار الآخر، ولمسخه وتشويهه في روحه أو جسمه. في الحقيقة، قليلون جدا هم الذين يمتلكون هذه الموهبة الطبيعية، روح الفكاهة، بروحيتها الطيبة الصافية، ويمارسونها بوعي واعتدال، في تعامل الناس اليوميّ الطبيعيّ العفويّ مع بعضهم البعض، على مسرح الحياة الحقيقيّ، ألصّاخب، ألعابس، ألقاسي، لا المسرح الذي يقيم عليه ممثلون بارعون، بإشراف وإدارة مخرج بارع، مسرحياتِهم الفكاهية المضحكة، المسلّية، الناقدة للمجتمع وللطبقة الحاكمة، المُعَدَّة سلفا، والمدروسة عن ظهر قلب، كتابة وتمثيلا.

الرصانة

الرصانة العابسة، المُنَفِّرَة، هي نقيض روح الفكاهة الباسمة، الضاحكة، الودودة. وهي المسيطرة والطاغية على علاقات الناس في كل المجتمعات البشرية، خاصة بين قادة الشعوب، وبين القادة وشعوبهم.

ليست الرصانة، بحدّ ذاتها، عيبا، لا بل هي صفة جميلة وضرورية لنموّ شخصية الإنسان، كروح الفكاهة، إذا لم يبالغ الإنسان في تبنّيها وممارستها، كل الوقت، بشكل أنانيّ، متكبّر، تافه، فقط لفرض احترام الناس له وخوفهم منه، وكسياج يقيمه بينه وبينهم لحماية نفسه منهم، ممّا يجعل منها رصانة مُصْطَنعَة، سخيفة، ومدعاة للهزء والسخرية والنفور من صاحبها. الإعتدال في امتلاك وممارسة الصِفتَين، صفة روح الفكاهة وصفة الرصانة، دليل توازن ونضوج في شخصية الإنسان، وأمر حسن ومقبول لدى الناس.

نستطيع، إذًا، القول بأن من يملك روح الفكاهة الحقيقية هو إنسان ناضج، مَرِح، متفائل، مَرِن الطبع، سهل المِراس دون أن يكون ضعيفا، وذو شخصية مُحَبَّبَة للآخرين ومحترَمَة منهم. ونستطيع القول أيضا، أن من يملك روح الرصانة الحقيقية هو إنسان جدّيٌّ في تطلعاته وطموحاته وسلوكه، ولكنه أيضا إنسان يعرف كيف يحبّ الناس ويحترمهم، ويعرف كيف يبتسم، وكيف يضحك، وكيف يستعمل روح الفكاهة، دون أن يخسر مقامه، أو يبدو سخيفا في نظر الناس.

الشعب والساسة والإعلاميون في لبنان

ماذا عن روح الفكاهة الحقيقية في لبنان (بالمقارنة مع روح الرصانة)، بحسب ما حدّدناها؟ هل هي موجودة؟ إلى أي حدّ؟

إنها موجودة، لا شك، في الشعب اللبنانيّ، بنسب متفاوتة وبأشكال مختلفة. الشعب اللبنانيّ، رغم كل معاناته اليومية، لم يفقد، بين الفينة والفينة، روح الفكاهة، أو بالأحرى روح النكتة حول الأوضاع المقلقة، وروح الإنتقاد اللاذع للسياسيين، بالأمثال الشعبية الطريفة، ولكنْ، ليعود بسرعة إلى عبوسه كالمعتاد، في لُجّة بحار الهموم التي تغمره، من هموم المعيشة والقلق على المستقبل، وهموم النفايات والتلوث وفساد الحكام، إلى هموم الإرهاب. كلها هموم خَلَقَها له قادة لا كفاءة لديهم في إدارة شؤون الشعب، ولا مبادىء أخلاقية تحرِّكهم، ولا قِيَم روحية، ولا رؤيا واضحة صريحة، سليمة، بنّاءة، لواقع الشعب والوطن، وللمستقبل، ولا نيّة صالحة لديهم، ولا إرادة حسنة، من أجل محاولة تخفيف هموم الشعب وإسعاده، ذلك الشعب المخدوع، المغلوب على أمره، الذي أوصلهم إلى عروش العظمة والقوة والسلطة والمال والحصانة، فتنكّروا له وأهملوه، وتركوه على قارعة الطريق بين حيّ وميت ومهاجر، عِرضة للفاقة والمرض والإرهاب واليأس والموت، بانتظار “سامريّ صالح” يمرّ به لإغاثته ومداواة جراحه.

السياسيون

السياسيون عندهم كل شيء إلا روح الفكاهة الحقيقية، بعكس ما يظنون. عندهم كل شيء إلا روح البساطة والصدق والعفويّة. عندهم، بوفرة كبيرة فائضة، في تعاملهم اليوميّ مع بعضهم البعض، روح السخرية والإحتقار والهجاء والتذاكي والكيدية والباطنية. روح الفكاهة الراقية تتطلّب عفوية فطرية وبساطة وثقافة عالية وأخلاقا رفيعة وعقلا نيّرا وصفاء قلب. هذه صفات بعيدة جدا عن منال السياسيين اللبنانيين الذين لا يشعرون بأي نقص. وهم، في جوّ الجدّية المصطنعة السخيفة، المخادعَة، التي يعيشونها، والتي تعطيهم الشعور الدائم بروح العظمة، إن حاولوا أحيانا أن يُظهروا روح الفكاهة أمام عدسات التصوير في الإعلام، أو حين “يُغرِّدون” على صفحات التواصل الإجتماعيّ مقلدين سائر “عظماء” العالم، ففكاهتهم تأتي سمجة، غليظة، مُنَفِّرَة، تعكس غرورهم وكبرياءهم وأنانيتهم وجهلهم وحبّ “التذاكي”. هم، في نظر أنفسهم ونظر أتباعهم، خِفافُ الظلّ، فَكِهون. لن نعطيَ أمثلة على ذلك. كلّ يوم، يمكن للبنانيين أن يسمعوا ويقرأوا ويروا “تغريدات” وتصريحات وتشدّقات وخطابات السياسيّين على خشبات مسارح الإعلام وشاشاته.

السياسيون، في لبنان، عندهم الكثير يقولونه بتبجّح، والقليل يفعلونه، بعكس ما يفرضه عليهم واجب خدمة الشعب، أي عمل كثير، بتواضع وصمت. إنهم في حال مخاض دائم لا ينتهي، من الثرثرة والتحركات غير المُجدِية، والشعب القلِق ينتظر منهم “مولودا” ما، يحسّن حياته ويطمئنه إلى يومه وغده، ولكنهم لا يلدون شيئا مفيدا للشعب بعد صخب كل مخاضاتهم المصطنعة، ليتمّ فيهم القول المعروف: تَمَخَّضَ الجَبَلُ فَوَلَدَ فأرا. إنهم لا يكفّون عن التكرار كالببغاوات، وبرصانة كاذبة في تموّجات الصوت وفي ملامح الوجه وحركات الأيدي، (رصانة تؤثِّر جدا على أتباعهم فقط)، لأقوال جامدة مُعلّبة، هي ذاتها لا تتغيّر، لا صدق فيها ولا روح ولا حياة، ولا يعنون حرفا واحدا منها. هذه بعضها:

مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.

نعمل من أجل المصلحة الوطنية العليا.

لبنان وطن التعايش بين جميع مكوّناته.

لا أحد يستطيع أن يلغيَ الآخر.

الشعب اللبنانيّ العظيم هو مصدر السلطات.

نعمل من أجل سيادة لبنان وحريته وإستقلاله.

القرار بانتخاب كل رئيس للجمهورية أو بتأليف كل حكومة هو بيد الخارج ومتعلق بتطورات إقليمية ودولية.

الإعلاميون

أما الإعلاميون فهم، بمعظمهم، كالببغاوات، يرددون أقوال السياسيين ويعكسون آراءهم وأمزجتهم ومصالحهم، ومصالح أصحاب منابع التمويل الخفية والمعروفة في الداخل والخارج، من أفراد وشركات ومصارف وحكومات. كلها أقوال وأمزجة عابسة، لا تبتسم ولا تضحك، ولا تتفاءل بالخير بصدق، ولا تبشر الشعب بأي فرج قريب. المال يخدّر السياسيين والإعلاميين وحلفاءهم من رجال مال وأعمال ودين، ويجعلهم سعداء وحدهم. ابتساماتهم وعبساتهم واهتماماتهم بالشان العام كلها مصطنعة، كاذبة. الشعب المكبوت وحده، دائما، يتألّم بصمت، ولكنه لا يثور ولا ينفجر.

رأي الشعب بالساسة والتغيير المنشود.

لسنا ندري ماذا يحصل لو أن الإعلام ينقل لنفسه قبل كل شيء، وللسياسيين، ولكل أقربائهم ب”الروح” المعروفين، ما يقوله الشعب الواعي عنهم، بالجملة، كل لحظة. ربما لا شيء يحصل. أي لن يغيّر أحد من المعنِيِّين أداءه وطبعه وأخلاقه وتفكيره وسلوكه. والشعب يظل يكرّر أقواله بسخرية واشمئزاز وقرف وغضب، ويتابع حياته كالمعتاد دون أن يرى أيّ بصيص أمل يلوح في الأفق المُعتِم، ليعود، بمعظمه، فيما بعد، إلى انتخاب الساسة أنفسهم الذين ينتقدهم ويتهكّم عليهم.

ماذا يقول الشعب؟

الشعب يقول، بكثير من المرارة، وقليل من المرح والفكاهة:

حاميها حراميها. كلهم سرّاقون. كلهم كذابون. كلهم دجّالون، كلهم “يقبضون”. كلهم عبيد للخارج. كلهم يضحكون علينا ويعيشون هم وعيالهم على “ظهرنا”.

كلهم لا يعرفون “ربّهم”، كلهم بلا دين. على من تقرأ مزاميرك يا داوود؟ لا حياة لمن تنادي. يا طالب الدبس من قفى النمس، والعنب من الشوك، والتين من العوسج.

كلهم همّهم الوحيد أن يملأوا بطونهم، وجيوبهم، وخزناتهم المخبَّأة في أقبية قصورهم وقلاعهم، وحساباتهم الخيالية السرية في المصارف الأوروبية، وأن يسافروا إلى الغرب من أجل الوطن… والسياحة والترفيه والترويح عن النفس من عناء التعب، برفقة عيالهم وحاشيتهم، درجة أولى، أو بطائراتهم الخاصة، وينزلوا في فنادق خمس نجوم أو في قصورهم الخاصة هناك، على حساب الشعب المقهور، المعذَّب، الساكت.

لا وجود لشعب حيّ يتّحِد ويثور ضدّ الدولة-المزرعة. كما تكونون يُوَلّى عليكم.

ليت دولة أجنبية قوية تحكمنا حكما عسكريا وتكسّر كل الرؤوس الكبيرة في هذا البلد، وتفرض دولة القانون والنظام والأخلاق والمؤسسات وخاصة مؤسسة القضاء النزيه، العادل، القوي، فنرتاح وننتهي من كل هذه الفوضى وهذا الظلم.

موقف الشعب من الساسة

إننا نكتفي بهذا القدر من أقوال الشعب اللبنانيّ. ولكننا لا نستطيع، هنا، إلا أن نسأل أنفسنا:

لماذا الشعب اللبنانيّ ساكت دائما، لا يثور على نفسه وعلى زعمائه الفاسدين، المرائين إن ابتسموا أم عبسوا؟

لماذا الشعب اللبنانيّ لا يتّحد في وجه قادته الظالمين؟

إذا كانت المصيبة تجمع كما يُقال، فلماذا حتى أكبر المصائب وأفظعها (حروب، دمار، إعاقات، مجاعات، تلوث،أمراض…) لم تستطع حتى الآن أن تجمع اللبنانيين وتوحّدهم؟

إن مسألة علاقة اللبنانيّين بزعمائهم، مسألة مُحيِّرة، بالفعل.

ما هذا الذي يسكن أهل السياسة والمال والقوة والعظمة، ويسيّرهم بشكل سيّء، ويمنعهم من أن يكونوا صادقين مع أنفسهم قبل كل شيء، ثمّ مع الشعب، ويمنعهم من أن يخدموا مصالح الشعب وكل الوطن، لا مصالحهم الشخصية ومصالح عيالهم وطوائفهم (حتى طوائفهم يهملها أحيانا معظم الساسة)؟

لا جواب آخر عندنا سوى أن المانع هو سكرة المال والكبرياء والأنانية والغرور و”الرصانة” الكاذبة، سكرة تخدِّر الإحساس والعقل، وتنفخ الذات المتعبدة لذاتها، والمكتفية بذاتها. في جوّ هذه السكرة وهذا التخدير، وهذه “الرصانة”، يصبح مَنْ إسْمُهُ “الآخر”، أي الشعب الفقير، غير موجود، إلا يوم الإنتخاب.

ولكن، لماذا لا يحاولون أن يزيلوا كل هذه الموانع؟ لماذا لا يصغون إلى نصح الناصحين العقلاء وإرشاد المُرشِدين الروحيين؟

لسنا ندري. إنه أمر محيِّر بالفعل، تماما كأمر الشعب الساكت. وككل شيء آخر في لبنان.

إننا، في الحقيقة، لا نستطيع، بسبب من حبّنا للحقيقة وللحق ولشركائنا في الوطن، إلا أن نقوم بمراقبة وتحليل وانتقاد (بشكل قاس، ربما، ولكن بشكل صادق، موضوعيّ، بنّاء) ما يجري من حولنا، وما يُرتَكَب من أخطاء، ومحاولة فهمه فهما سليما، من خلال السلوك الظاهر للإنسان، والتعبير الكلاميّ الخارج من فمه، والنتائج الحتميّة لهما، إيجابا أو سلبا. من ثمارهم تعرفونهم. ثمار زعماء الطوائف، مفتعلو العبوس والرصانة والإبتسام والفكاهة وبلاغة الكلام، في لبنان، ثمار فاسدة. لا أحد يستطيع إنكار هذا الواقع. إنه واقع أبلغ من الكلام.

أما محاولة تغيير الواقع السيّء فأمر آخر، وليس في قدرة أحد التحكّم به بالسرعة المرجُوَّة. إذا، ودائما بتواضع وصدق، نحاول فهم الواقع، ثمّ تشخيص الداء، ثمّ وصف الدواء، وإعطاء الحلول الممكنة لمعالجة الأوضاع الشاذة في نظرنا، وتوعية من عنده الإستعداد للوعي من شعب وسياسيين وإعلاميين ونُخَب دنيا ودين. بعد ذلك، نترك للوقت أن يفعل فعله في النفوس. إنها مغامرة رائعة، ولكنها غير مضمونة النتائج كما يشتهيها الإنسان المحبّ، الصادق، المخلص.

إنعدام روح الفكاهة ونتائجه

نعود إلى موضوع روح الفكاهة المفقودة في لبنان. هل فقدان هذه الروح في القادة هو فعلا سبب كل المصائب التي تنزل كالصواعق على رؤوس اللبنانيّين وتنغّص حياتهم، وتفرّق صفوفهم، وتمنع وحدتهم، وتجعلهم في حالة من القلق الدائم على الوجود والمصير؟

يبدو الأمر، للوهلة الأولى، مُبَالَغا فيه، غير منطقيّ وغير واقعيّ، لا بل ساذجا، لا بل سخيفا، حين نربط مصائب اللبنانيين بفقدان السياسيين لروح الفكاهة الحقيقيّة. إن الجواب ب”نعم” أو ب”لا” رهن بالمعنى الذي نعطيه لكلمة “فكاهة”. وقد اخترنا المعنى الحقيقيّ بأبعاده اللغوية والروحية والأخلاقية والنفسية للكلمة، في بداية هذا المقال. ونودّ، هنا، أن نكمل توضيح معنى الكلمة.

إن كلمة “فكاهة” تتحمّل معانيَ كثيرة متشابهة، وأحيانا متناقضة، بحسب النيّة التي وراءها، وبحسب طريقة الأداء.

بنظرنا، روح الفكاهة الحقيقية، خاصة في عالم السياسة، ليست مجرّد إلقاء النكات وممارسة فنّ السخرية للحطّ من مقام الآخرين ورفع شأن الذات، أو فنّ التهريج لإضحاك الأخرين والترفيه عنهم، واستحقاق تقديرهم وتصفيقهم الحادّ. إنها فنّ وأسلوب في الكلام، لتخفيف الإحتقان والتشنّج في مواقف أشخاص أو أفرقاء. إنها الروح الطيبة التي تقبل بوجود الآخر، وتحترمه، وتحبّه، ولو خالفها الرأي، وتروّح عن نفسه بطيب الكلام والسلوك. إنها الروح المتواضعة التي تعرف أن تبتسم وتضحك وتنكِّت (حتى على نفسها) بعفوية ووعي وفرح، دون أن تهين وتؤذي الآخر، ودون أن تخسر رصانتها الصادقة، غير المصطنعة. روح الفكاهة لا يمكن أن تسكن في القلب الجاف، المتحجّر، المتكبّر، اللئيم، وأن تظهر في الوجه العابس الصارم، القاسي، الذي يلامس حدود السخافة والتفاهة أحيانا، ويعكس قحطا نفسيا وأخلاقيا وفكريا مغلَّفا بروح عظمة وهمية مضحكة. ويصبح هذا المظهر وهذا السلوك طريقة حياة آليّة، ثابتة، بالنسبة لبعض الناس، خاصة القادة السياسيين والعسكريين، وهو سلوك لا ينتج عنه شيء جيّد. لا نبالغ إذا قلنا أن روح الفكاهة الحقيقية هي روح المحبة بالذات، أو ثمرة جيّدة لذيذة من ثمار المحبّة.

إن الحروب الكثيرة التي وقعت بين الشعوب عبر تاريخ البشرية، وبين اللبنانيين أنفسهم، وبينهم وبين الغزاة، قد سبّبها قادة سياسيون وعسكريون، يُدعَون في كتب التاريخ بالرجال العظماء. هؤلاء العظماء لا يملكون شيئا من روح الفكاهة بكل عناصرها ومعانيها الجميلة السامية، وأهمها المحبة والتواضع وروح التضحية والخدمة (باستثناء بعض القادة النادرين الذين أحبوا شعبهم وأخلصوا له وبذلوا جهدهم في سبيل ازدهاره وسعادته وكرامته، غير أنهم لم يستطيعوا أن يطبعوا تاريخ بلادهم والعالم بطابعهم الشخصي الخاص لفترات طويلة من التاريخ، كشارل ديغول، مثلا، وغاندي، والملك قسطنطين). إذًا، كل ما يملكه هؤلاء العظماء هو روح العبوس التافه والرصانة السخيفة والعقم النفسي والفكري، وطبعا روح الكبرياء والأنانية والغرور والعظمة والسلطة والشهرة والطمع والشراهة والسخرية. إنهم يملكون، بكل بساطة، روح الجهل لمفهوم ولجمال مبادىء المحبة والرحمة والواجب والأخلاق والخير والحق والجمال والفضيلة. إنهم يملكون روح الجنون، جنون العظمة. وماذا ينتج عن ذلك الجهل وذاك الجنون إلا الدمار والخراب والبؤس والفقر والحزن والتعاسة والتخلف والموت للشعوب؟

إن تاريخ لبنان مليء بأحداث الحروب الدامية. معظم قادته القدماء والحديثين ليسوا بأفضل من زعماء العالم. الشيء البارز في طبعهم وأخلاقهم هو روح الكبرياء والتحدّي والعبوس السخيف والجدّية المُصطَنَعَة. من هنا تبدأ مصائب الشعب اللبناني. وكل ما نشهده اليوم على الساحة اللبنانية من تباه بالثقل والحجم والحيثية ومن خلافات سخيفة حول حصص الحكم، ومن تراشق كلاميٍّ نابٍ وبذيءٍ وتافه عبر الإعلام، ومن تذاكٍ وفذلكات وتهكّم وسخرية وروح فكاهة ثقيلة، سمجة، ومن ألعاب شدّ حبال عقيمة بين كل زعماء وساسة الطوائف، ومن تعطيل لعمل مؤسسات الدولة والحكم، ولحياة الناس، هو من نتاج تراث الكبرياء المحلّي، الوطنيّ، التاريخي. إنه صناعة لبنانيّة فاخرة بامتياز وبتفوّق. إنها البيئة المثالية الحاضنة لغزو تيارات المال والفسق والسياسة والعسكر من الخارج.

كل المجازر التي حصلت بين الطوائف اللبنانية، منذ 1840 مرورا ب1860، و1920، و1958، و1975-1990، حتى اليوم، والتي نلوم الغزاة والمحتلين الطامعين الأشرارعلى افتعالها، إنما تقع الملامة الكبرى لحدوثها على زعماء الطوائف والدين. إنها الكبرياء الرصينة العابسة وما تعنيه وتجرّه من قصر النظر وقلة الحكمة وجنون العظمة، وحب المال والقوة والسيطرة والطمع، وقلة التسامح، وسائر المعاصي والخصال السيئة. إنها الكبرياء التي لا تعرف المحبة ولا تعترف بها، ولا تعرف أن تبتسم وترحم وتداري وتسامح، وترفض أن تميل مع النسيم الرقيق أو مع الريح العاصفة. إنها الكبرياء المستعدّة دائما أن تواجه الآخرين من شركاء الوطن الواحد، وتكسرهم بقوة الشخصية المزيفة والعنفوان السخيف، وبقوة السلاح والرجال والمال، وأن تضحّي بأرواح الناس من أجل بقائها واستمرارها ومجدها الباطل.

لو عرف زعماء الطوائف في لبنان، من زمان بعيد، كيف يتواضعون في تعاملهم مع بعضهم البعض، وكيف يخدمون، معا، بكل طيبة وفرح ومحبة، الشعب الذي يتطلع إليهم كقادة مخلصين ورعاة صالحين، يرعون شؤونه المعيشية والصحية والتربوية، ولو عرفوا كيف يتّحدون معا ضد الغزاة والطامعين، لما عرّضوا الشعب اللبنانيّ بأسره لحروب أهلية مدمِّرة له وحده، وهم يبقون دائما بمنأى عنها، ولما استطاع أحد على غزوه وتفرقته بالجيوش ومال الرشوة، وروح الفتنة، ولما أوصلوا أنفسهم إلى وضع مخزٍ، معيبٍ، مخجلٍ، مشينٍ، مؤلمٍ، لا يستطيعون فيه أبدا الإتفاق، وحدهم، دون الإستنجاد بوصاية وتدخل بعض دول الخارج (بلا نتيجة أو جدوى)، ودون الخلاف على الأرباح، على شيء. على سبيل المثال، نذكر:

التخلّص بسرعة من النفايات وأوبئتها وخطرها على صحة المواطنين، وحلّ مشكلة تقنين الكهرباء (بين الدولة وأصحاب المولِّدات) والمياه، ومشكلة التلوّث البيئي، ومشكلة الديون.

انتخاب أي رئيس للجمهورية أو تأليف أي حكومة.

خلق قانون إنتخابيّ جديد عادل للجميع، يكون على قياس الشعب (حرية مطلقة للإختيار وللحذف أو “التشطيب”) لا على قياس الزعماء.

إستخراج الغاز والنفط من بحر لبنان، وقد كثر الكلام وحامت الشبهات حول بعض الساسة المتورّطين في صفقات مشبوهة وعمولات، تُسَمَّى بالمُناقصات.

تسليح الجيش بغير الكلام الكاذب وقصائد وخطابات الفخر والمديح.

دعم المقاومة وتأييدها ريثما “تَسمح” بعض حكومات الخارج للجيش بأن يتسلح كما يجب، أو ريثما يقرّر أغنياء لبنان وزعماؤه وشعبه تسليح جيشهم من أموالهم الخاصة، أو ريثما تُحَلُّ مشكلة الدولة التلمودية العنصرية (الرافضة لأي حلّ) في أرض فلسطين، التي تشكل المقاومة بالنسبة لها عامل ردع قويّ.

من هو العدوّ الحقيقي للحذر من غدره، ومن هو الصديق الحقيقي لمصادقته.

إيجاد حل سريع لمشكلة النازحين السوريين، وخطر مؤامرة الأمم المتحدة لتوطينهم في لبنان (رغم كل التطمينات ومحاولات إرجاع بعضهم بدعم روسي)، مع الفلسطينيين، وضرب الكيان اللبنانيّ في صميمه، وتعزيز الكيان اليهودي العنصري.

كل ذلك (والزعماء اللبنانيون لا يدرون شيئا ولا يقلقهم أي شيء إلا كيفية ملء جيوبهم بالمال)، من أجل أن ترتاح وتفرح إسرائيل، الدولة التلمودية القومية اليهودية الصهيونية الماسونية العنصرية، وتفرح “القوة الخفية” وعائلة “روتشيلد” الفرنسية التي خلقت إسرائيل، والتي تحكم حكومات الأرض وجيوشها القوية، وتتحكم بشركات النفط ومناجم الذهب، ومعامل السلاح والأدوية والمياه العذبة، والمصارف وأسواق البورصات في عواصم العالم، وتخلق الحروب وتزرع الفوضى.

عملية جراحية للساسة والشعب

لن نقضيَ وقتنا نتأسّف على الشعب اللبنانيّ المظلوم والمخدوع والمتهكِّم، ولا على الزعماء الظالمين والمخادعين والمتكبرين والعابسين. ولن نكتفيَ بترداد ما يقوله الشعب وما يقوله ويفعله الزعماء إلى ما لا نهاية. الإثنان، الشعب والزعماء، بحاجة إلى عملية جراحية فكرية وأخلاقية وروحية مؤلمة لاستئصال كبريائهما العائلية والطائفية والعرقية السخيفة، وجهلهما، ونفاقهما على بعضهما البعض، ورصانتهما المصطنعة وروح التهكم والسخرية والتذاكي، وقلة الجدّيّة في مواجهة الحقيقة ومعالجة المشاكل وإيجاد الحلول. إذا كانت الحقيقة تجرح وتؤلم كما هو معلوم، فلنبدأ بجرحهما وإيلامهما بقول الحقيقة.

الشعب جبان، لا يجرؤ على التحرك ضدّ ظالميه، ويظلّ يتملقهم ويتودّد إليهم، وفي الوقت عينه يشتمهم ويتهكّم عليهم. الشعب يحبّ ويكره ويخاف جلاديه ويؤلّههم. إنها علاقة مريضة بينه وبين زعمائه. والزعماء وقحون، كذابون، قساة القلوب، أنانيون، متكبّرون، وجَهَلَة. لا بل أكثر من ذلك، الزعماء مجرمون وقتلة بحقّ الشعب. والشعب، بسكوته الغريب العجيب عن أعمال أحبائه وآلهته ومضطهديه السياسيين، يمارس عملية قهر وتعذيب للذات لذيذة، لا بل عملية انتحار بطيئة، مؤلمة، عبثيّة، تافهة.

العملية الجراحية هدفها استئصال قلب وعقل الزعماء والشعب، وزرع عقل وقلب جديدَين، صادقَين، متواضعَين، في روحهما. تبدأ هذه العملية بالدعوة المُلحّة للشعب والسياسيين إلى الإعتراف بنقصهما الفكريّ والأخلاقيّ والروحيّ، والإقتناع بضرورة إحداث وإجراء عملية ولادة روحية جديدة. ولكن، هل يقبل أبناء الشعب؟ وهل يقبل السياسيون؟ ومن تراه يكون الطبيب الجرّاح؟

دور النخب

في أية عملية تغيير جذريّ في المجتمع، تتجه العيون دائما إلى نُخَب الشعب لتبدأ بهذه العملية وتقودها. ولكننا نعلم علم اليقين بأن النُّخَب مشتتة، مضعضعة، فقيرة، وهي، بمعظمها، غير متواضعة، وتحتاج أيضا إلى عملية جراحية. فما العمل، إذا؟

لا يمكن الإتكال إلا على النُّخَب الجيدة، مهما خفّ عددها، أو خفّت هِمَّتُها. النُّخَب الروحية، بنوع خاص، هي، في الحقيقة، المؤهَّلَة أكثر من غيرها، لتلعب دور الطبيب الروحي الجرّاح، كل يوم وكل لحظة، في مجال تحرير الناس وشفائهم من أمراضهم النفسية المزمنة، بالكلام الطيّب والمثال الصالح، وحثِّهم على وعي واكتشاف واستغلال طاقات الخير الهائلة الكامنة في داخلهم. إنها طاقات المحبة لشركاء الوطن ولكل الناس، وطاقات النموّ بالعقل والروح نموّا لا نهاية له، وطاقات الفرح الحقيقيّ باكتشاف الإنسان لكل طاقاته، ومحاولة تنميتها.

الإعلام الصادق، المتحرر من سلطان المال، يمكنه، إلى جانب النُّخب الروحية، أن يساهم كثيرا في مجال التحرّر من أغلال الذات، ومجال التوعية الدائمة الملحة لكل المواطنين على حقوقهم وواجباتهم، ووجوب وكيفيّة ممارستها على أفضل ما يُرام، خاصة حق وواجب الإقتراع الواعي المتحرر من قيود وسلاسل الطائفية والعائلية والمذهبية والعِرقية والمالية.

المعلِّمون، أيضا، يمكنهم أن يساهموا، بقوة، في بناء شخصية الطلاب من خلال جعلهم يتقنون فنّ القراءة والكتابة والتفكير، وفن التعبير الواضح الصادق عن الذات، وفنّ اللياقة والتهذيب والإحترام في تعاملهم مع كل المواطنين، وفي جعلهم يتعوّدون أن يحترموا القوانين والأنظمة من أجل خيرهم وخير المجتمع، وأن يحبوا وطنهم وأبناء وطنهم، وأن يكونوا، في نهاية الأمر، مواطنين صالحين يصنعون، هم، زعماءهم وتاريخهم، لا العكس.

ونحن لم ننس الدور الأساسيّ للأهل في تربية وتنشئة أولادهم في البيت، على مبادىء الخير والصلاح والسلام والرحمة وحب الآخر والوطن، وفرح الحياة. لم ننسَ أن العائلة هي نواة المجتمع.

على كل النُّخَب في لبنان أن تجتمع وتحزم أمرها (هل تفعل؟) في مسألة العمل معا، وبتواضع، كفريق واحد منسجم، من اجل إجراء عملية جراحية للشعب اللبنانيّ ولزعمائه، عمليّة زرع قلب جديد وعقل جديد. إنها عملية دقيقة وطويلة جدا، وعلى النُّخَّب ألّا تتعب وتقرف وتستقيل من مهمتها وتغادر غرفة العمليات، عند أقل معاكسة أو رفض من قبل المريض. الشعب وزعماؤه يملكان كبرياء هائلة، وهما غير مستعدَّين أبدا للتنازل عنها، كبرياء ليس من السهل خرقها أو تخديرها من أجل استئصالها. القول الطيّب والصادق والمتواصل هو الدواء الوحيد. ثمة دواء آخر، وهو المثال الصالح. إذا اجتمع الدواءان معا في شخص واحد أو أكثر، بشكل كامل (هل هو موجود حقا هذا الشخص؟)، تسهُل حينئذ، وتقصُر مدة العملية الجراحية، عملية إستئصال الكبرياء والجهل، وزرع قلب جديد متواضع وعقل سليم وبَصِير جديد في الإنسان اللبناني.

روح الفكاهة والرصانة

أين صرنا من مسألة روح الفكاهة الحقيقية ومسألة الرصانة الحقيقية الصادقة في لبنان؟

كما رأينا سابقا في هذا المقال، هاتان المسألتان مرتبطتان ارتباطا وثيقا بمبادىء الأخلاق الحسنة الحميدة والتربية الصحيحة. هما ثمرتان جيدتان لهذه الأخلاق وهذه التربية. وكما رأينا أيضا، أن روح الفكاهة لها سموّ في المعنى الحقيقيّ لها وفي الأداء، يرفعها عن مستوى السخرية والتهكم والإنتقاد والتجريح والتهريج والتسلية. هذا السموّ هو وليد عقل ناضج بَصير، وقلب صاف متواضع محبّ، وإرادة حسنة بنّاءة. كذلك روح الرصانة الحقيقية في الإنسان، هي وليدة هذه الشخصية (عقل وقلب وإرادة) المكتملة في الإنسان، وفوق مستوى العبوس الكاذب المصطنع المتكبّر، وتقطيب الجبين، وإطالة التحديق في الناس بقسوة، لخلق وَهْم في نفوسهم بأن لاعب هذا الدور هو إنسان مهمّ جدا، جدّيّ، مسؤول، ومرهوب. هذا هو الدور السخيف والتافه الذي يعشق أن يلعبه، وأن يتقنه خير إتقان، معظم السياسيين وحلفائهم من الطبقات “العليا” وأبناء الشعب في لبنان.

إن عملية زرع قلب وعقل في روح اللبنانيين، شعبا وزعماء (والزعماء قبل الشعب)، هي عملية ضرورية ومستعجلة، كون روحهما في حال نزاع دائم، وهي مهدّدة كل لحظة بالموت، وهذا يعني موت الوطن. الموت البطيء لروح الوطن، كل لحظة، هو موت الصدق فيها، والتواضع، والمحبة، والجدّيّة الحقيقية المنتجة، وروح الفكاهة الباسمة، المتفائلة، السمحاء، الفرِحَة. معجزة القيامة من هذا الموت الروحيّ البطيء والمستمر، تتمّ على يد نخبة صالحة تشفي بِلَمْسَةٍ روحية واحدة متواصلة، الأمراض الخبيثة، وتعيد للروح المسكونة بهذه الأمراض عافيتها وحيويتها.

في لبنان، كل الناس تصلّي إلى الله من أجل أن يعطيهم الصحة، والعافية، وجمال الجسد، والمال، والخبز اليومي، ومن أجل أن يحفظ لبنان وينجّيه من الشرور، وهذا شيء حسن. ولكن، في لبنان، عندنا تخمة في عدد المعابد والمزارات، وتخمة في المواظبين على الصلاة، تقابلها تخمة في المشاكل والمصائب والمآسي. ما ليس عندنا هو الإرادة الواحدة، القوية، من أجل ممارسة عملية تأمل صبورة، مستمرّة، بعيدا عن الضجيج والثرثرة، في ذاتنا، تشبه الصلاة، ومن أجل الإتكال، إلى جانب اتكالنا على قوة الله بالصلاة إليه والحوار معه، على أنفسنا نحن أيضا، لنجابه أنفسنا على حقيقتها، بشجاعة، ودون خوف من رهبة صمت العزلة والوحشة، ومن رؤية بشاعات روحنا، لتحقيق وعي الذات لضعفها، ووعيها لإمكانية بناء قوتها المعنوية انطلاقا من ضعفها، ووعيها لحقيقة الواقع السيّء التعيس من حولها، وللحاجة الماسة إلى تغييره. هكذا، نُحْيِي أنفسنا من جديد، ونسير بها، ونحن نبتسم وكلنا أمل ورجاء وتفاؤل بالخير، على طريق الكمال الصعب، الوعر، الشاق، والشيّق.
التأمّل وسيلة فعّالة لبناء العقل والأخلاق لعلّنا نحتاج في لبنان إلى مراكز ومعلمين لتعليم الزعماء والشعب على التأمل السليم المبنيّ على معرفة الذات وبناء الشخصية القوية والأخلاق القويمة، على طريقة “إعرَفْ نفسك بنفسك” للفيلسوف الإغريقي، سقراط، كما تعلّموا القراءة والكتابة والتفكير في المدارس، من قبل. لما لا؟ السؤال العفوي الذي يلتمع في رأسنا فجأة كالبرق، هو: هل يا ترى عندنا معلمون في لبنان مثل سقراط؟

لعله من المفيد أن نذكر، هنا والآن، بإننا نعاني، في لبنان، من أكثر من تخمة:

في عدد الأفران والمطاعم والمقاهي والفنادق والأراغيل و”علب” الليل، وفي عدد العاملين والموظفين (لا تخمة في عدد السائحين)،

وفي عدد نوادي الرياضة والجمال الجسماني وأندية التسلية والترفيه،

وفي عدد السيارات والشاحنات والدراجات النارية، وفي كمّية الضجيج وتلوّث الهواء،

وفي عدد المُجَمَّعات السكنية الضخمة المسكونة والفارغة،

وفي عدد المصارف والصرافين، ومراكز الإعلام والإعلاميين، ودور العبادة،

وفي عدد النواب والوزراء والأحزاب والتيارات والتجمعات والجمعيات، والمراكز والأبنية الحكومية والموظفين الحكوميين،

وفي عدد الأغنياء وقصورهم وسياراتهم المصفحة وطائراتهم ويخوتهم وتضخّم ثرواتهم الهائلة،

وفي عدد الفقراء والمعوِزين، والمرضى، والمعاقين والمشرَّدين والمُتَسَوِّلين على الطرقات.

بالمختصر، عندنا تخمة في كل شيء تقريبا، إلا في مراكز التأمّل وعدد معلمي وطلاب التأمّل. ما عندنا، في الواقع المرّ، هو الندرة في هذا المجال، مجال التفكير، والتأمل، والصمت، ومعرفة وبناء الذات.

إن النُّخَب الدينية يمكنها، بمساعدة النُّخَب الفكريّة والتربوية، أن تلعب دور الطبيب الجراح لزرع قلب وعقل سليمَين جديدَين للبنانيين، من خلال إنشاء مراكز للتأمل بإشرافها، لتعلِّم الشعب والزعماء (إن قبلوا بالفكرة ولم يستهزئوا بها) على فصيلة التواضع قبل كل شيء، وعلى حبّ سائر الفضائل (محبة، رحمة، صدق، وفاء، إخلاص، كرم، عطاء، شجاعة…) ووجوب ممارستها، بوعي، وتحقيق مَلَكَتِها، وعلى التفكير السليم، البنّاء، الجدّيّ، الذي يتحوّل إلى سلوك جيّد، يُنتج خيرا ماديا ونفسيا وروحيا للمجتمع ولأنفسهم، وعلى الصلاة الجدّيّة العقلانية التي تتخطّى مستوى صلاة الثرثرة العقيمة، والتكرار المُمِلّ، والدقّ على الصدور، والدوران العبثيّ حول مِحوَرِ الذات الأنانية الضيّق، المحدود. كما يمكن لهذه النخب أن تطلب، من أجل تحقيق هذا المشروع الضخم، مساعدات مالية من بعض الأغنياء الصالحين، المتواضعين، الذين لا يثقون بأحد ثقتهم برجال الدّين. إنه مُجرّد إقتراح، ولكنه اقتراح صادق، نبيل الغاية، شريف المقصد، يستحقّ الإهتمام الجدّيّ به والدراسة الرصينة له، ومحاولة تحقيقه، من قِبَلِ من بيدهم أمور الحلّ والرّبط على الأرض وفي السماء.

لا بأس إن ودَدنا، في مسك الختام، أن نُذَكِّرَ أنفسنا، بتعبير آخر، وببساطة واختصار، بأن مشروع تعليم التأمل والصلاة، هو مشروع يساعد على بناء وطن قويّ، مُعافَى، منيع، عصيّ على كل أنواع التجارب القاسية والشرور، وبأن هدف تَعَلُّم التأمل والصلاة والصمت والفضائل، هو مساعدة الإنسان على الممارسة اليومية لفعل الإرادة الصالحة، والتدرّب على أخذ القرارات القويّة الصارمة بتخطّي ضعفه ونقصه، من خلال مواجهة ومعرفة نفسه على حقيقتها البشعة المُنَفِّرَة، بشجاعة وصدق، والسّهَر اليَقِظ الدائم على حسن بنائها وتقويتها وتنميتها بممارسة الفضائل لا الرذائل، وبالإنسلاخ المستمرّ الموجِع عن روح الأنانيّة والكبرياء والغرور والشراهة والطمع والعبوس المصطنع والخبث، وعن روح التهكّم على الناس، والسخرية منهم وعدم احترامهم، والغضب عليهم، واحتقارهم، وإيذائهم، والإستلشاق بقيمة الإنسان المعنوية والروحية، وبروح الله الساكنة فيه. هذه هي بالضبط العملية الجراحية التي يحتاجها الشعب اللبنانيّ والزعماء اللبنانيون.

ليت اللبنانيين جميعا يتقبّلون بتواضع فكرة إجراء عملية زرع قلب وعقل جديدَين في روحهم المريضة، من خلال تعلّمهم لممارسة التأمّل والصلاة والصمت والفضائل ممارسة واعية، صادقة، إلى حين يصبحون هم أنفسهم أصحّاء ومعلمين أطباء يكملون مشروع مساعدة الآخرين على الشفاء الروحيّ، من الذين تثاقلَت خطواتهم وتأخروا على دروب الكمال. نحن بحاجة إلى غرفة طوارىء وعمليات في مستشفى روحيّ. ولكن، قبل كل شيء، نحن بحاجة إلى معلِّمين أطبّاء ماهرين ومُحِبّين، مستعدّين للتضحية وبذل ذواتهم من أجل خدمة أبناء الوطن وشفاء روحهم وإسعادهم، وحمايتهم، وتحصينهم فكريا وأخلاقيا وروحيا ضدّ إعصار تيار “عولمة” طاغ، لا يرحم، يدسّ في دسم حضارته التكنولوجية المتطوّرة، المتفوّقة، سُمَّ ثقافة المال والرذيلة، والخداع والخيانة والغدر، والعنف والتسلط والحقد، والعبودية لكل الشعوب.

بعد محاولتنا هذه لإلقاء بعض الأضواء على مفهومنا لروح الفكاهة ومدى تأثيرها على الأجواء السياسية في لبنان، نودّ أن ننهي موضوعنا بطرح السؤال عينه الذي طرحناه في سياق البحث، دون محاولة الإجابة عليه بالنفي أو بالإيجاب، والسؤال هو:

هل يا ترى عندنا مُعَلِّمون في لبنان مثل سقراط؟

من باب التمنّي، نطرح هذا السؤال، ونعرف، سلفا، أننا لا نطمح، ولا نتوقّع، ولا نحلم أن نكون محظوظين إلى هذا الحدّ. نحن، في الحقيقة، لا نحتاج إلى عقول وشخصيات متفوِّقة في التفكير والأخلاق، كعقل سقراط وشخصيته، من أجل تحقيق مشروع/معجزة بناء عقول اللبنانيين وقلوبهم وشخصيتهم بناءًا جديدا، صلبا. ما نحتاج إليه هو قلوب مُحِبَّة، صادقة، متواضعة، واعية، ناضجة، حكيمة، رحيمة، صبورة، مضحِّية. ما نحتاج إليه هو قلوب عاقلة، إذا صحّ التعبير، تبذل نفسها وتعمل، معا، في مهمّة إنقاذية رسولية، من أجل تحرير وتخليص اللبنانيين، شعبا ومسؤولين، من عقم وتفاهة وعبثية نير الجهل، وعبوس الكبرياء، والأنانية، وروح العظمة، وروح السخرية والتهكم، ومن لبس الأقنعة.

فلنطلب ولنحاول جميعنا، أوّلا، وبإلحاح شديد، أن نخلق فينا قلبا عاقلا، حكيما، نقيا، متواضعا، باسما، خلّاقا، محبا، وإرادة صالحة قوية.

نختم بقول المسيح في إنجيل متى (متى 6: 33):

“أطلبوا ملكوت الله وبرَّه والباقي يُعْطَى لكم ويُزاد”.

المصدر:  النهضة نيوز

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

النهضة موقع عربي إخباري ثقافي إقتصادي, يهتم بقضايا الإنسان العادلة وينتصر لها بأي أرض وميدان كانت, ننشد النهضة لشعوبنا بعدما استوطنت أمية الحرف والفكر فيها وتم إستلاب وعيها, النهضة هي منبر لكل فكر حر يسعى للتنوير ولنشر المعرفة المنشودة لإستعادة الوعي الجمعيِ العربيِ المسلوب.

Copyright © 2018 Alnahda News

Powered BY