‏ثمّة شيء فاسد في وطن الأرز – إسمه “كبرياء”

 

بقلم إيلي أنطون شويري

محاولة تحديد للكبرياء

إن الكبرياء صفة ملازمة للطبيعة البشرية، تولد مع الإنسان وتبرز منذ عمر الطفولة بشكل غرائزيّ، عفويّ، كأنانية غير واعية، تجهل نفسها، ولكنها ضرورية للنموّ والتطوّر والمحافظة على الإستمرارية وإثبات الوجود. في جوّ من تصادم الأنانيات، ومع ازدياد الوعي، تبرز شيئا فشيئا الكبرياء. هي الأنانية الواعية لذاتها، المكتفية بذاتها، والمحتقِرة للآخرين كشركاء في حياة الأرض، وخاصة كشركاء في الوطن الواحد، والمستلشِقة بوجودهم وبحقوقهم. بالكبرياء ينتفخ الإنسان انتفاخا نفسيا غير طبيعيّ، مستغرَبا، هجينا، يلامسُ حدود المرض العصيّ على الشفاء في معظم الأحيان، حين يتحكّم بطبع وشخصيّة وسلوك حامله مدى العمر، وصاحبه في منتهى السعادة، لا يريد الصحوة من سكرته. المتكبّر يرى الناس صغارا، ويتكلم ويتصرّف معهم من علُ، وكأنه من نسل الملائكة والآلهة، وكأنهم، هم، من نسل الأوحال والقرود. المتكبّر يعرفه الناس بالحدس السريع من خلال مظهره وتفكيره وكلامه وصوته وتصرفاته، حتى وهو يمثل دور المتواضع، دون الحاجة إلى الكثير من الدراسة والتمحيص والتحليل.

قال أحد الحكماء القدماء (إبن سيراخ):”الكبرياءُ أمُّ المعاصي”. وقال الإمام عليّ بن أبي طالب: “عجبت لابن آدم يتكبر، وأوّله نطفة، وآخره جيفة”. وثمة أقوال كثيرة حول الكبرياء والمتكبر، وكلها تذمّ هذه الصفة البشعة وحاملها.

كبرياء مرحلة الطفولة

يبدأ التكبّر، إذًا، بشكل عفويّ، بريء، في عمر الطفولة. تبرز الكبرياء في الطفل بصورة “أنا” كبيرة في جسم صغير، هي كل شيء بالنسبة له، تجعله يشعر بأنه مِحوَرُ الكون. هذه ال”أنا” تتطلّب الإنتباه الخاص الدائم لها، ولها وحدها. إنها كبرياء جميلة، إذا صحّ التعبير، تليق بشخصية الطفل البريئة، لا تزعج ولا تؤذي أحدا، وهي ضرورية لنموّ الطفل. إنها كبرياء لا تستدعي التعجُّبَ والحيرة، كما تستدعي ذلك كبرياءُ الكبار الذين لم يتخطوا مرحلة أنانية الطفولة، وظلّوا يحتفظون بكبريائها، وأبدلوا جمالها في الطفل، ببشاعتها فيهم. ومعظم هؤلاء يبقون متكبرين طيلة حياتهم، مهما قرأوا حكما وسمعوا مواعظَ تذمّ الكبرياء وتمدح التواضع، لأن في الكبرياء شعورا لذيذا يعطي الإنسان وَهْمَ الأهمِّية الذاتية والعظمة والتفوق بالنسبة لسائر الناس. هذا الشعور بالعظمة يُغني المتكبّرَ، بطبيعة الحال، عن الشعور بضرورة ممارسة فضيلة التواضع، إذْ إن ذلك يحتّم عليه أن يُقِرّ بأن الكبرياء شيء سيّء، ينبغي تحطيمه، وهذا أمر لا يستسيغه المستمتع بكبريائه. إنّ تحطيمَ الكبرياء لإبدالها بفضيلة التواضع، أمر مؤلم لا يريده أحد من السُّكارى بمجد الكبرياء. نادرون جدا هم الذين يختارون اقتلاع روح الكبرياء من نفوسهم، وسلوك طريق التواضع الموجع، الصعب، المؤدّي إلى اكتساب الحكمة والوداعة ومحبة القريب.

إذًا، إنّ ما يقوّي في نفوس الناس الشعور بالكبرياء، والمناعة ضدّ التواضع والإصغاء إلى صوت الحكمة، هو طغيان سطوة أهمية الذات الشخصية والأصل والفصل والنَّسَب والحَسَب والمال والأملاك والمناصب، على عقولهم وقلوبهم وسلوكهم.

تساؤلات حول تحكم الكبرياء بالطبع البشري

نحن نتساءل دائما، بشيء من المرارة: لماذا وكيف يتملك هذا الشعورُ البشعُ، الخطِرُ، المذمومُ، المؤذي للآخرين، الناسَ، ولماذا يرفضون أن يتخلوا عنه، لا بل يجدون فيه سعادتهم، وهم يعلمون جيدا أن الحياة قصيرة جدا، وباطلة، وأن الموت لا مفرّ منه؟

ونتساءل أيضا، بكثير من الحيرة والمرارة والقلق والحزن والأرق: لماذا القادة هم دائما متكبرون، ولماذا هم دائما يملكون المال ولماذا يسيئون دائما استعماله واستعمال السلطة والقوة، ولماذا هم دائما يستعبدون شعبهم ويسببون الأذى له، ولماذا هم دائما مرتاحو الضمير، وبلا هموم، رغم كل الشرور التي يرتكبونها، ولماذا لا يخافون أبدا من محاسبة شعبهم لهم ولا من الله ولا من الآخرة، ولماذا هم وحدهم يقرّرون مصير الشعوب المُستَضعَفَة، الساكتة، المستسلِمة، ويقودونها دائما من حرب إلى حرب، ومن كارثة إلى كارثة، ومن مأساة إلى مأساة، ومن إستعباد إلى استعباد، ولا أحد يستطيع إيقافهم ولا هم يرعَوون؟ لماذا، بكل بساطة، قلوبهم خالية من بساطة روح المحبة والتواضع؟

في لبنان: تشخيص وتوعية

الأسئلة عينها نوجّهها إلى زعماء الطوائف في لبنان وإلى حلفائهم بالروح، روح الكبرياء والعظمة والقوة والتسلّط والمال، من معظم رجال الأعمال والمال والإعلام والدين، لتذكيرهم، إن هم أحبوا أن يتذكّروا، بأن الحياة، دون كبرياء، أجمل لهم كقادة وكبشر، وأجمل للناس الذين نصّبوهم في مراكزهم وقبلوا بهم حراسا على وجودهم ومصيرهم، من أجل أن يخدموا هؤلاء الناس، لا أن ينصبوا فخاخ الفقر والتعاسة والذلّ والعار لهم.

إننا نحاول أن نفهم واقعا، هو، في الحقيقة، أمر واقع، قد رافق البشرية منذ نشأتها حتى اليوم، لم يغيّره أحد، ولا يبدو أنه سيتغيّر من تلقاء نفسه. إنه واقع يزداد حدّة وسوءًا كل يوم، برغم وجود الصالحين والمتواضعين.

إننا، رغم كل المعاكسات، وبوحي من بصيص أمل وإيمان لا ينطفىء في قلبنا وبصيرتنا، بإمكانية خلاص، نودّ، بكل تواضع، أن نساهم، مع كل الذين حاولوا ويحاولون المساهمة، في عملية وعي هذا الأمر الواقع، ونشر هذا الوعي بكل محبة ليصبح مِلكا لمريدي ومحبّي الوعي والخلاص من شرور المتكبرين، بدءًا بالذات، كبداية ضرورية لعملية تغيير مُلِحّة، متواصلة، لا ينبغي أن تتوقّف، سبيلها وعرٌ، وأُفُقُها بعيد، ومَنالها ليس بالأمر السهل.

إننا نصطدم، كل يوم، وأنّى توجّهنا، بأناس متكبرين، من الإعلاميين الموزَّعين طبقات عدّة في مستوى الفهم والذكاء والإرتباطات بمراكز القوى السياسية والمالية، ومن طبقات السياسيّين المتفاوتة في مستوى الغنى و”العبقرية” و”الوزن” و”الحجم” و”الحيثية”، ومن طبقات أغنياء متغلغلين في طبقات الإعلاميين والساسة واستثماراتهم، بين قديمي النعمة وحديثيها، ومن أبناء الشعب من كل الفئات والطبقات المتفاوتة في مستوى الفقر، وفي نسب الكبرياء وعنفوان الإنتماء العائلي والطائفي والمذهبي والديني والعرقي والقومي. الأمر الطريف هو أنه يُخَيَّلُ إلينا، ونحن نتأمل في موضوع الكبرياء في لبنان، أنها الشيء الوحيد المشترَك بين اللبنانيّين، ويا ليتها تكون عنصرا مهمّا من عناصر الوحدة الوطنية. هذا ممكن لو أنّ الكبرياء هذه هي كبرياء قومية أو وطنية. ولكنها كبرياء شخصية، أنانية، سلبية، فوقية، متفوّقة، موجَّهة ضدّ الشريك الآخر في الوطن، لا كبرياء وطنية تتعدّى وجود المواطن الواحد إلى سائر المواطنين، لتشملهم جميعا وتصهرهم في بوتقة وطنية واحدة.

ليس من السهل الخوض، هنا، في مجال هذا المقال، في دراسة كل تفاصيل الكبرياء من خلال دراسة أخلاق كل الناس. نكتفي ببعض الملاحظات لإعطاء فكرة واضحة، قدر الإمكان، ولو غير كافية، عن بعض مظاهر وتجلّيات الكبرياء في طبع اللبنانيّين وسلوكهم. نترك للقارىء المجال لاكتشافاته الشخصية.

مؤشرات كبرياء الشعب اللبناني

يبدو أن كبرياء معظم أبناء الشعب الفقراء قناع أو وسيلة للحفاظ على كرامتهم وعنفوانهم. إنها كبرياء غير مؤذية لأحد، وهي حقّ من حقوقهم. يمكننا أن نورد الكثير من الأمثلة على ما نقول. أعمال التنظيفات، مثلا، لا يرضى اللبنانيون بها، ويستحون أن يشتغلوها، لذلك يتركونها للعمال الأجانب. وأيضا، كل أصحاب المِهَن يحبّون أن يتبجحوا بجودة عملهم، وبتفوقهم على سائر المنافسين، ويتطلبون أجرة عالية يستحقونها، ويتطلبون مستوى لائقا من الحياة لهم ولعيالهم. اللبنانيون لا يرضون بالإجرة الزهيدة وبطريقة العيش غير اللائقة اللتَين يرضى بهما العمال الأجانب. هذا النوع من الكبرياء يبدو مقبولا، وطبيعيا، ومُبَرَّرا، إذ أنه يتعلق بكرامة الوجود والعيش في الوطن، رغم أنه يجبر اللبنانيين على دفع الثمن غاليا، وهجرة وطنهم بحثا عن رزقهم وعن حياة أفضل، ورغم أن معظمهم يعملون أي شيء في الخارج ليُحصّلوا معيشتهم، غير أنهم يخفون ذلك عن معارفهم، لتبقى كرامتهم محفوظة.

وفي التعاطي اليوميّ بين اللبنانيين، يستطيع الإنسان أن يراقب كبرياءًا من نوع آخر، هي أقرب إلى الغرور والشعور العَبثيّ، المضحك والمزعج، معظم الأحيان، بالعظمة الذاتية، في مواقف التحدّي الصامت حينا، والصارخ حينا آخر، والمنافسة، والتسابق على كل شيء، وفي كل المجالات. نورد، هنا، بعض الأمثلة:

-قيادة معظم المواطنين لسياراتهم بشكل جنوني، على كل الطرقات وفي كل الأوقات، وكسر القوانين، وتحدّي رجال الأمن، دون أي حساب واحترام لوجود مواطنين آخرين لا ينبغي تعريض سلامتهم للخطر.

-حوارات المماحكة و”التذاكي” حول أي موضوع (خاصة السياسة)، التي لا تؤدّي إلى أي تفاهم.

-حبّ الكلام والمزايدات والثرثرة، وادعاء التفوّق بالفهم والمعرفة، ورفض الإصغاء إلى آراء الآخرين، وعدم الإعتراف بمواهبهم أو بفضلهم وذكائهم.

-الرصانة المفتَعَلَة المضحكة (خاصة من قبل حملة الشهادات العالية جدا من جامعات الخارج) للتأثير على الآخرين وفرض الإحترام عليهم.

-التباهي والإفتخار بالمظهر والقوة وقيمة وأهمية و”خصوصية” الحَسَب والنَّسَب، وعراقة الملكِيّة والسُّلالة و”الدمّ”.

-الإستعداد الدائم لخلق المشاكل واستعمال العنف والسلاح.

كبرياء السياسيين: من ثمارهم تعرفونهم

أما كبرياء أكثرية السياسيين اللبنانيين، الأغنياء منهم وحلفاء الأغنياء، فهي كبرياء تشبه كبرياء معظم أبناء الشعب اللبناني، غير أنها مُهينة لكرامة الشعب اللبنانيّ ومؤذية لحياته ووجوده ومصيره وسعادته. كيف ولماذا نطلق هذا الحكم القاطع على المسؤولين عن إدارة شؤون الوطن؟ ببساطة، لأن كبرياء الزعماء والساسة (المعطاة لهم والمستمدة من الشعب ذاته) تمنعهم من خدمة الشعب كما ينبغي، وكما تأمرهم به روح الواجب، وكما هو نفسه، أي الشعب، يتوقع ذلك منهم بعد أن سلّمهم الوكالة عنه في الإنتخابات النيابية.

إن إدارة شؤون الوطن كانت، بسبب تكبر معظم الساسة والزعماء واهتمامهم بقيمتهم الذاتية المضخمة جدا وببناء الثروات والمجد، منذ الإستقلال حتى اليوم، إدارة سيئة جدا، لدرجة أن الشعب اللبنانيّ لم يهنأ له يوما عيش بسبب هذه الإدارة. إنها، بالمختصر المفيد، تراكمات إدارية سيّئة قد أوصلتنا إلى ما وصلنا إليه اليوم. وما وصلنا إليه اليوم، هل يستطيع أي إنسان أن يقول عنه أنه شيء حسن؟

قبل كل شيء، إن ما نسمّيه استقلالا وحرية وسيادة غير موجود. حتى عيد الإستقلال هو عيد مزيَّف، باهت، حزين، لا معنى له، ولا أحد يتحمّس لذكراه، وأرضنا وإرادتنا مُحْتَلَّتَان دائما. يسمّيه بعض اللبنانيين الواعين، المستقلي والمستقيمي الرأي، “عيد الإستغلال” (من قِبَل السياسيين)، و”عيد الإحتلال” (من قِبَل الدول الكبرى وممالك المال والعدوّ الصهيوني العنصري). العالم الخارجي يتحكم بحياتنا الوطنية المالية والسياسية والعسكرية مهما كابر بعض الساسة وأنكروا ذلك وادّعوا الإستقلال بالرأي والسلوك. لبنان وطن ضعيف بسبب ذلك التدخل الغريب الدائم في شؤوننا. ما سببه؟ سببه هو تقليد “مقدّس” في خيانة السياسيين المتكبرين للشعب اللبنانيّ (خيانة بالوراثة، بالدم، بالسليقة، بالروح وبالعدوى)، وتعاملهم، دون الخوف من محاسبة أتباعهم لهم، ودون حياء ودون خجل، لا بل بافتخار وفي العلن، مع حكومات الخارج لجنيِ المال والجاه والعظمة والقوة من أجل محاربة أفرقاء آخرين في الوطن الواحد، لبنان.

الكبرياء تُحرّك سلوك السياسيين مع الداخل اللبنانيّ. خلال أربع سنوات في المجلس النيابيّ، لا يتنازل معظم السياسيين، مثلا، من أجل أن يلتقوا بناخبيهم ولو مرة واحدة، ليتشاوروا معهم بخصوص مشاريع إنمائية، ثقافية، حيوية، تهمّ سكان مناطقهم، ويستمعوا إلى مطالبهم وشكاويهم. السياسيّون لا يتواضعون أبدا ليشاركوا الشعب الفقير الذي انتخبهم لقمتَه، وليتحدثوا إليه ببساطة وتواضع، وليشاركوه همومه. إنهم، لفرط كبريائهم وأنانيتهم، يفضلون أن يأكلوا مع رجال الأعمال والمال ورجال الدين وكل أصحاب المراكز العالية. السياسيون لا يستحون من خيانتهم للشعب، وتبعيتهم للخارج والعمل بحسب مشيئته بالنسبة للسياسة الداخلية والخارجية. لا يستحون من الكذب على الشعب، وإغداق الوعود عليه خلال حملاتهم الإنتخابية، وعدم الوفاء بأيّ منها، ومن سرقة مال الضرائب الذي يدفعه الشعب الكادح للدولة، دون أن يحاكَم الفاعلُ ودون أن يرفّ له جفن، ولا يستحون من قبض رواتب خيالية، ومن زيادة رواتبهم، ومن “مخصصات” مالية لإنماء مناطقهم تذهب إلى جيوبهم، ومن إبرام صفقات مربحة لهم وحدهم مع حلفائهم رجال الأعمال والمال، تحت ستار مشاريع لمصلحة الشعب والوطن، دون رقابة ودون محاسبة الدولة أو القضاء. يفعلون كل ذلك وأكثر، بكبرياء وثقة عالية بالنفس، واحتقار للشعب الذي لا يحاسبهم على شيء يوم الإنتخاب، وهنا تكمن خطيئة الشعب الكبرى.

كم ينطبق قول ابن سيراخ: “الكبرياء أمّ المعاصي”، على سياسيّي لبنان. كبرياؤهم لا حدود لها. ومعاصيهم التي تنبع من هذه الكبرياء، لا تُحصى ولا تُعَدّ، ولا حدود لها أيضا.

علاقة السياسيين مع زملائهم

ماذا عن تعاطي السياسيين اللبنانيّين اليوميّ مع بعضهم البعض؟

إنه تعاطٍ متكبّر، عدوانيّ، وهو، في أحسن الحالات، تعاطٍ باطنيّ خبيث، يُظهرون فيه غير ما يُضمرون. لا نرى سياسيا واحدا في لبنان يتكلم بصدق وتواضع عن “زملائه” في الحكم، أو معهم. كلهم يجيدون فنّ التباهي بالأوزان والأحجام الشعبية، وفنّ مديح الذات ونفخها، وفنّ الإلحاح العنيد بطلب حصّة الأسد في حصص الحكم (وكلهم أسود شرسة)، وفنّ الهجاء والشتيمة والتهكّم والسخرية والفكاهة السمجة. وهم يجيدون أيضا فن التهديد ب”الشارع” (أي بأزلامهم المسلَّحين)، كلما شعروا بأن كبرياءهم قد مُسَّتْ. أما فنّ إنجاح الحوار الصادق، البنّاء، المثمر، فهذا أمر لا يجيدونه أبدا. يجيدون فنّ إفشال الحوار، وإفشال أي انتخاب لرئيس للجمهورية، وأي تأليف للوزارة، وخلق قانون انتخابيّ جديد خارج القيد الطائفي، والبحث في نظام علماني مدني يلغي سيئات وآفات النظام الطائفي، لأن في ذلك إلغاءا تاما لوجودهم المتكبّر. وأيضا، وبسبب كبريائهم الهائلة وأنانيتهم المتوحشة وأطماعهم الشخصية بالربح والمال وشراهتهم التي لا حدود لها لاقتناص الفرص، فهم يجيدون فنّ إفشال كل المشاريع الإقتصادية والعمرانيّة والصناعية والزراعية والبيئية والصحّية والتربوية التي تفيد الشعب، وتحسّن وتسهِّل طريقة حياته، وتحفظ كرامته، وتوحّده، وكل المشاريع الدفاعية (بناء جيش قويّ بعديده وسلاحه) التي تؤمّن قوة ردع للدفاع عن الشعب اللبنانيّ فيشعر بالحماية والأمان والطمأنينة، ضدّ استضعاف الوطن اللبنانيّ واحتقاره من قِبَل كل الدول الصديقة والعدوّة، وضدّ كل المتطاولين على وجوده وأرضه ولهم تسمية واحدة، ألا وهي “إرهاب الدول المنظّم”.

سبب فشل السياسيين في إدارة الوطن

لماذا هذا الأداء الفاشل لسياسيّي لبنان المتكبرين؟

لأنهم منهمكون جدا ودائما بإرضاء غرورهم وكبريائهم، وبإشباع روح التحدي والتشفي والنكاية التي تسكنهم، والتي تتحكم بعلاقاتهم مع بعضهم البعض، وبإرضاء حكومات الخارج واستحقاق “المكافآت”، و”المكرُمات”، و”الهدايا”، و”الهبات”، و”المساعدات”، و”الودائع”، ولاستدرار عطفها ودعمها لجيوشهم المسلحة الخاصة، ولأملاكهم الشاسعة، وخزناتهم السرية… وكلها ينابيع لا تنضب لديمومة عروش كبريائهم وعظمتهم ومجدهم ووجودهم القويّ من جيل إلى جيل.

“إقتصاد” الكبرياء

الغريب والطريف هو أن اللبنانيين، شعبا وسياسيّين، هم من أكثر الشعوب حبّا للمظاهر، وافتخارا بالذات وبالسُّلالة، ولو كانت طبول الحرب تقرع كل يوم، ونيرانها مشتعلة من كل جانب. في سائر الدول، كل الناس يهتمّون بعملهم، ولا أحد يهمّه أن يضيِّع وقته ليراقب الآخرين بشغف وإعجاب، ويتساءل عن أصلهم وفصلهم، ويتطلب الشيء عينه منهم، أي أن يبادلوه بالمثل، كما يحصل في لبنان. “التبخير”، أي تقدير ومديح الآخر ونفخ كبريائه، في لبنان، عمل مُتَبادَل، والجميع يحبونه ويمارسونه بعفوية وتفوّق. لذلك عملية “تبخير” الذات والآخر “تجارة” رائجة بشكل كبير، وتجارة رابحة، فقط في لبنان. إنه “اقتصاد” العرض والطلب، إذا صحّ التعبير، المزدهر دون انقطاع، في عالم الكبرياء والغرور. إنه “اقتصاد” معنويّ، وهميّ، لا يفيد الشعب اللبنانيّ بشيء. هذا “الإقتصاد” الأنانيّ، المعنويّ، الوهميّ، هو، في الحقيقة، السبب الرئيسيّ لفشل اللبنانيين، حتى اليوم، في بناء وطنهم النهائيّ لبنان، بناءًا قويا، منيعا، رائعا، بوحدة الأخلاق والإرادة والرؤيا والفكر والتواضع والمحبة، وبوحدة الهوية الوطنية والإنسانية بين كل أبناء شعبه وسياسييه، وبجيشه، وباقتصاده، لا بأناشيد الحماس والفخر، ولا ب”التشريفات”، و”المجاملات” و”التبخير”، والمأكولات الشهيّة والمشروبات “الروحية” الوطنية. هذا “الإقتصاد” يجعل من اللبنانيّين مجموعة أنانيات تعبد ذاتها وبعضها البعض، وتمنعهم من الوحدة الحقيقية بالروح، والذوبان في وطن واحد صاحب رسالة محبة وسلام. بدون وحدة ال”أنا” وال”أنت” في بوتقة ال”نحن”، لا وحدة ممكنة للشعب اللبنانيّ، ولا قوة، ولا استقرار، ولا كرامة، ولا استقلال، ولا حرّيّة، ولا ازدهار، ولا رسالة، ولا سعادة، ولا مستقبل، ولا ديمومة، ولا خلاص. إن الموت المحتَّم هو، فقط، بانتظار الشعب اللبناني الغارق، هو وساسته، في معاصيه الكثيرة النابعة من الكبرياء.

درب الخلاص

كيف السبيل إلى التخلص والتحرّر من هذا الواقع في لبنان، واقع الكبرياء التي تسيطر على طبع وسلوك معظم الناس، ومعظم شاغلي مراكز نفوذ مهمّة، مرموقة (في نظر أنفسهم ونظر الرأي العام)، في مجال السياسة، والأعمال، والدين، والإعلام، والكتابة، والفنون “الجميلة” على أنواعها من موسيقى وغناء ورقص ورسم ونحت؟

كيف السبيل إلى التخلص من هذه الكبرياء-الآفة التي تبلبل عقول اللبنانيين وألسنتهم وحياتهم، وتجعلهم يضيِّعون شخصيتهم الوطنية الواحدة الجامعة والحاضنة لكل المذاهب والقوميات والأعراق والأطباع، وتجعلهم يخسرون هويتهم الإنسانية الحقيقية التي بدونها لن يكون لشيء إسمه لبنان “وطن الإنسان” أو “وطن الرسالة” أي أمل بالحياة والبقاء، خاصة وأن الأعداء الكثر، المتربصين بنا شرا، يحيطون بنا دائما ويتغلغلون في صفوفنا؟

طبعا، ممارسة فضيلة التواضع هي سبيل الخلاص، وممارسة فضيلة محبة الآخر لا الذات. التواضع والمحبة يُمهّدان لوحدة وطنية حقيقية. المشكلة الكبرى، هنا، هي:

كيف نقنع المتكبرين في لبنان، وهم كُثُر، أن يتخلوا عن كبريائهم، وهي متأصّلة في نفوسهم وتجري مع الدم في عروقهم؟

كيف نقنع الطاووس ألّا يضيّع وقته وحياته وهو يفتخر بريشه البديع، وبمِشيته “الرائعة”، المغرورة، وأن يتحوّل فجأة إلى يمامة بيضاء، بسيطة، وديعة القلب، متواضعة؟

كيف يحقق المتكبّر، المتلذّذ بكبريائه والمقتنع بها، التواضع؟

كيف يحقق من هو غارق في عبادة ذاته، الخروج من ذاته، ومحبةَ “الآخر”، والإهتمام به، واحترام وجوده، ومحاولة إسعاده؟

مهمة مستحيلة؟

ثمّة من سبقنا إلى قطع الأمل، في حالات الإحباط والقرف والتعب، من تغيير الإنسان لطبعه، كالذي قال هذا القول، مثلا: عادة البدن لا يغيّرها إلا الكفن. أو كالذي قال: النمر لا يغيّر بقع جلده. أو: طبع الإنسان قدَرُهُ.

إننا نصدّق كل ذلك، ونعترف بأن حياة البشرية الأخلاقية والروحية والسياسية، كما يبدو لنا من سير التاريخ القديم والحديث والمعاصر، سائرة، رغم كل التقدم العلميّ الهائل، من سيّء إلى أسوأ، لأن الأطباع السيّئة والمتكبرة، في العالم وفي لبنان، تتكاثر وتنمو وتستقوي على الأطباع الحسنة والمتواضعة. إن أطباع قادة الشعوب والجيوش المتكبرة، بدعم من اثرياء متكبرين طمّاعين، تدفعهم إلى خلق الحروب والمآسي للشعوب. والمشكلة أن كتب التاريخ التي تتربّى عليها الأجيال الطالعة، تُصَنِّف هؤلاء كلهم بالمخطِّطين العباقرة، وبالرجال العظماء، وبصنّاع التاريخ.

مواجهة كبرياء “النظام العالمي الجديد” وأتباعه

ثمة، اليوم، قادة مال وأعمال تلموديون يهود في الغرب، يخطِّطون لحرب عالمية ثالثة (الكيان العنصري في فلسطين رأس حربة لهم)، ويروّجون لها في الإعلام المأجور المسيَّس والمسَيّر، ويهيّئون الراي العام في بلادهم وفي العالم، وبكل وقاحة وبرودة أعصاب، لتقبل فكرة هذه الحرب العالمية النووية الآتية، لا محالة، وضرورتها من أجل السلام وبناء نظام عالمي جديد، والتي ينبغي أن تحدث للتخفيف من سكان الأرض (“الأكلة غير النافعين”، كما يسمونهم)، والسيطرة النهائية على ما يتبقى من السكان واستعبادهم.

ولكننا، في الوقت عينه، نؤمن، ورغم طغيان كل الشرور، بأن الإنسان، إلى جانب طاقات الشرّ والتدمير الهائلة فيه، يملك، بالمقابل، في نفسه، طاقات خير وبناء هائلة هو نفسه يجهلها، من أجل أن ينموَ مع الآخرين نموّا صالحا، سليما، بالفكر والأخلاق والروح، ويشاركهم بخيرات الأرض، ومن أجل أن يمارس المحبة ويصنع السلام، ولا يؤذي أحدا خلال حياته القصيرة على وجه الأرض.

أما النمر، مثلا، فهكذا خلقه الخالق، نمرا تقوده الغريزة العمياء المتوحشة، لا يملك إرادة ووعيا مثل الإنسان، ليحقِّقَ أي تغيير في جسمه وطبعه. وهو غير مدعوّ من الخالق أن يكون كاملا كما وُجِهَت الدعوة إلى الإنسان.

إن قطع الأمل من قدرة الإنسان العاقل على تغيير نفسه، هو يأس في غير محله، يُنكر قيمة الإنسان الروحية التي وهبها له الخالق. إيماننا هذا يحدو بنا أن نحتفظ بالأمل والثقة بأن محاولة توعية الإنسان المتكبر أو الشرير على معرفة الحقّ، لا تذهب هدرا إذا كانت متواصلة، محبة، صبورة. وفي حال الفشل، لا نيأس، بل نظل نحاول ما دام فينا نَفَس. في النهاية، هي مسؤولية الواعين المخلصين، المؤمنين بقوة الخير، أن ينبّهوا من هم بحاجة إلى تنبيه على طريق الخير والتواضع والصلاح، ولكنهم، في الوقت عينه، عليهم أن يكونوا هم أنفسهم متواضعين وحكماء بما فيه الكفاية، لكي يعترفوا، وهم يتابعون رسالتهم بروح المحبة والصبر والتضحية، بأنهم بشر ضعفاء، ولكي لا يتوهموا للحظة واحدة بأنهم سوف يحققون المعجزات ويغيّرون أطباع كل الناس ومسيرة التاريخ، بكلمة واحدة وخلال فترة قصيرة جدا. أطباع البشر والقادة المتكبرين السيّئة، التي لم تتغيّر خلال آلاف السنين، هل هناك من يتوهّم، اليوم، أن بإمكانه تغييرها بسرعة البرق؟

إن مواجهة وطن صغير كلبنان لشرّ النوايا والأفعال لبشر أقوياء بالمال والسلاح والجيوش، قد صمّموا أن يكونوا أشرارا ويسيطروا على العالم، يتمّ، إلى جانب قوة السلاح للدفاع عن النفس والمقاومة، بوحدة الشعب اللبناني وسياسييه، وبإيمانهم الواحد بالقيم الروحية والأخلاقية وممارستها، وبالتعامل الليّن، الحكيم، والمتواضع، غير الضعيف، بين بعضهم البعض، ومع الدول المتكبّرة، الطامعة بإضعافنا والسيطرة علينا.

مداراة حَمَلَة الكبرياء في لبنان

إن مهمة توعية اللبنانيين، مهمة شاقة جدا. ومهمّة توعية سكان الكرة الأرضية ليست من شأننا. همّ لبنان وحده يكفينا. إذا حاولنا أن نقنع القادة اللبنانيين فقط، بأن الكبرياء خصلة سيئة تُسبّب الفرقة والتشرذم والضعف والإذلال لشعب الوطن اللبنانيّ، ولا شيء صالح ياتي منها، وعليهم أن يحاولوا المستحيل للتخلّي عنها، ونجحنا في إقناع عدد قليل منهم، نكون قد حققنا إنجازا عظيما، يشبه المعجزة. إننا، في لحظة فورة إيمان صادق، ولحظة سذاجة، ربما، نفكّر بهذه المحاولة. نعود إلى جميع من يُسَمَّون بالنُّخَب، هنا، لندعوَهم كي يحملوا، هُم، ومعا، على عاتقهم، هذا الهمّ وهذه المسؤولية، ويحققوا هذا الإنجاز: ألإعلاميون، الساسة، رجال الدين، النقابات، أساتذة ومديرو المدارس والجامعات، أهل الفكر والعلم والفنّ، وكل الذين يشعرون بأنهم حَمَلة رسالة روحية أو فكرية أو سياسية، ومدعُوّون أن يلعبوا دورا قياديا.

هل يجرؤ أحد من النّخَب، اليوم، أن يقف ويقول بصوت عال لسياسيّ متكبّر واحد، فقط، في لبنان:

أنت متكبّر، وعليك أن تصبح متواضعا، أو أنت كذاب ومخادع، وعليك أن تكون صادقا، أو أنت سارق لمال الشعب وعليك أن تقلع عن هذه العادة الشريرة وأن تعيد ما سرقته، أو أنت خائن للشعب وللوطن، وينبغي أن تتوب وتعتذر من الشعب، أو ينبغي محاكمتك أمام القضاء؟

أجل، من يجرؤ على قول كل ذلك أو بعضه، لرجل السياسة المتكبر، دون التخوّف من ردة فعل إنتقامه؟ لا أحد يتقبّل بسهولة أن يصارحه أحد بعيوبه. والكبرياء، ذلك العيب الكبير، هو بنظر حامله ضرورة ماسة للوقوف على رجليه، والتكلم مع الناس من علُ، وتخويفهم وفرض احترامه فرضا عليهم، والحياة بسكرة العظمة والقوة ووهم الرضى التام على الذات. بعض الإعلاميين الشجعان قد انتقدوا بعض القادة المتكبرين، فيما مضى، وانتهى بهم المطاف في المحكمة، أو في السجن، أو في المستشفى، أو في المقبرة. لذلك، الأمر حسّاس للغاية. ولذلك أيضا، تضافُرُ قِوى النخبة الصادقة، المتواضعة، ضروريّ جدا من أجل خلق مناعة ضدّ عنفوان السياسيّ المتكّبر، وضدّ تطاوله المُحتَمَل والمُتَوَقَّع على من ينتقده ومن يقول الحقيقة ويشهِّر، ولو عن حقّ، بسمعته. على كل حال، لا ضرر ابدا من اتباع بعض أصول اللياقة في موضوع توعية السياسيين والشعب معا، على مَضَارّ صفة الكبرياء على الذات وعلى الوطن، أخلاقيا وروحيا وسياسيا واقتصاديا وحضاريا. هذا أمر ممكن الإتفاق عليه وإيجاد الطريقة الفضلى لإيصال الرسالة الصادقة، القاسية، غير المُستحَبَّة. تبقى هذه الطريقة أفضل من استفزاز الزعماء المتكبرين، الطغاة، بعنف الكلام والحقيقة، دون الوصول إلى أية نتيجة سوى الإنتقام، وأفضل من أن تتطور الأمور إلى ثورة شعبية مجنونة دموية، تقضي على الثائرين وحدهم، وحسب، وتبقي على الساسة المتحكمين بالشعب.

ثمة معجزة ينبغي أن تحصل قبل أن تحصل معجزة توعية السياسيين والشعب على مضارّ الكبرياء، ومعجزة تخليصهم من هذه الآفة، وهي معجزة اتفاق أهل النخبة (غير المتواضعين بمعظمهم) على خوض هذه المغامرة معا، بتواضع، وصبر، وبأسرع وقت ممكن. هل تحصل يا ترى هذه المعجزة لتلحق بها سائر المعجزات؟

نطرح السؤال هنا، ولكن الجواب ليس في يدنا.

رجاء صالح وإرادة حسنة وكفاح مستمر

نعرف جيّدا، في الحقيقة، أن التجمّع من أجل قضية خير، هو، بحدّ ذاته، حدث عظيم وواعد. نتائج هذا التجمّع، إذا دام، لا شك سوف تكون خيّرة، بنسبة كبيرة، بحسب منطق “مهما تزرع تحصُد”، ولكن شرط أن يكون الزرع الجيّد في أرض جيدة، وشرط أن يتابع الزارع عنايته بالزرع بريّه وهو مدفون في ظلمة التراب.

ونعرف جيدا، أيضا، بأن كبرياء الشعب والسياسيين هي أرض صخرية، صلبة، قاسية، عصيّة على الفلاحة والزرع الجيّد والريّ. ولكننا نؤمن إيمانا قويا وأشدّ صلابة من تربة نفوسهم وصخورها، بأنه إذا تمّ التعامل مع هذه المسألة، مسألة كبريائهم، بحكمة ومحبّة وصبر، يصبح مشروع تقبّل الشعب والسياسيّين للبذور الصالحة، بذور النُّصح والتوعية من أجل التخلّي عن كبريائهم فقط، لا عن زعامتهم وثروتهم وكرامتهم، ومشروع إعطائهم ثمار جيدة، ثمار تحقيق واكتساب فضيلة التواضع وإصلاح الذات، أجل، يصبح له، هذا المشروع العظيم، ساعتئذٍ، أمل كبير بالنجاح.

فعلى هذا الرجاء الكبير، نختتم جولتنا، ونحن نحلم بوطن حقيقي، وطن الروح، وطن إسمه لبنان.

بقلم إيلي أنطون شويري

محاولة تحديد للكبرياء

إن الكبرياء صفة ملازمة للطبيعة البشرية، تولد مع الإنسان وتبرز منذ عمر الطفولة بشكل غرائزيّ، عفويّ، كأنانية غير واعية، تجهل نفسها، ولكنها ضرورية للنموّ والتطوّر والمحافظة على الإستمرارية وإثبات الوجود. في جوّ من تصادم الأنانيات، ومع ازدياد الوعي، تبرز شيئا فشيئا الكبرياء. هي الأنانية الواعية لذاتها، المكتفية بذاتها، والمحتقِرة للآخرين كشركاء في حياة الأرض، وخاصة كشركاء في الوطن الواحد، والمستلشِقة بوجودهم وبحقوقهم. بالكبرياء ينتفخ الإنسان انتفاخا نفسيا غير طبيعيّ، مستغرَبا، هجينا، يلامسُ حدود المرض العصيّ على الشفاء في معظم الأحيان، حين يتحكّم بطبع وشخصيّة وسلوك حامله مدى العمر، وصاحبه في منتهى السعادة، لا يريد الصحوة من سكرته. المتكبّر يرى الناس صغارا، ويتكلم ويتصرّف معهم من علُ، وكأنه من نسل الملائكة والآلهة، وكأنهم، هم، من نسل الأوحال والقرود. المتكبّر يعرفه الناس بالحدس السريع من خلال مظهره وتفكيره وكلامه وصوته وتصرفاته، حتى وهو يمثل دور المتواضع، دون الحاجة إلى الكثير من الدراسة والتمحيص والتحليل.

قال أحد الحكماء القدماء (إبن سيراخ):”الكبرياءُ أمُّ المعاصي”. وقال الإمام عليّ بن أبي طالب: “عجبت لابن آدم يتكبر، وأوّله نطفة، وآخره جيفة”. وثمة أقوال كثيرة حول الكبرياء والمتكبر، وكلها تذمّ هذه الصفة البشعة وحاملها.

كبرياء مرحلة الطفولة

يبدأ التكبّر، إذًا، بشكل عفويّ، بريء، في عمر الطفولة. تبرز الكبرياء في الطفل بصورة “أنا” كبيرة في جسم صغير، هي كل شيء بالنسبة له، تجعله يشعر بأنه مِحوَرُ الكون. هذه ال”أنا” تتطلّب الإنتباه الخاص الدائم لها، ولها وحدها. إنها كبرياء جميلة، إذا صحّ التعبير، تليق بشخصية الطفل البريئة، لا تزعج ولا تؤذي أحدا، وهي ضرورية لنموّ الطفل. إنها كبرياء لا تستدعي التعجُّبَ والحيرة، كما تستدعي ذلك كبرياءُ الكبار الذين لم يتخطوا مرحلة أنانية الطفولة، وظلّوا يحتفظون بكبريائها، وأبدلوا جمالها في الطفل، ببشاعتها فيهم. ومعظم هؤلاء يبقون متكبرين طيلة حياتهم، مهما قرأوا حكما وسمعوا مواعظَ تذمّ الكبرياء وتمدح التواضع، لأن في الكبرياء شعورا لذيذا يعطي الإنسان وَهْمَ الأهمِّية الذاتية والعظمة والتفوق بالنسبة لسائر الناس. هذا الشعور بالعظمة يُغني المتكبّرَ، بطبيعة الحال، عن الشعور بضرورة ممارسة فضيلة التواضع، إذْ إن ذلك يحتّم عليه أن يُقِرّ بأن الكبرياء شيء سيّء، ينبغي تحطيمه، وهذا أمر لا يستسيغه المستمتع بكبريائه. إنّ تحطيمَ الكبرياء لإبدالها بفضيلة التواضع، أمر مؤلم لا يريده أحد من السُّكارى بمجد الكبرياء. نادرون جدا هم الذين يختارون اقتلاع روح الكبرياء من نفوسهم، وسلوك طريق التواضع الموجع، الصعب، المؤدّي إلى اكتساب الحكمة والوداعة ومحبة القريب.

إذًا، إنّ ما يقوّي في نفوس الناس الشعور بالكبرياء، والمناعة ضدّ التواضع والإصغاء إلى صوت الحكمة، هو طغيان سطوة أهمية الذات الشخصية والأصل والفصل والنَّسَب والحَسَب والمال والأملاك والمناصب، على عقولهم وقلوبهم وسلوكهم.

تساؤلات حول تحكم الكبرياء بالطبع البشري

نحن نتساءل دائما، بشيء من المرارة: لماذا وكيف يتملك هذا الشعورُ البشعُ، الخطِرُ، المذمومُ، المؤذي للآخرين، الناسَ، ولماذا يرفضون أن يتخلوا عنه، لا بل يجدون فيه سعادتهم، وهم يعلمون جيدا أن الحياة قصيرة جدا، وباطلة، وأن الموت لا مفرّ منه؟

ونتساءل أيضا، بكثير من الحيرة والمرارة والقلق والحزن والأرق: لماذا القادة هم دائما متكبرون، ولماذا هم دائما يملكون المال ولماذا يسيئون دائما استعماله واستعمال السلطة والقوة، ولماذا هم دائما يستعبدون شعبهم ويسببون الأذى له، ولماذا هم دائما مرتاحو الضمير، وبلا هموم، رغم كل الشرور التي يرتكبونها، ولماذا لا يخافون أبدا من محاسبة شعبهم لهم ولا من الله ولا من الآخرة، ولماذا هم وحدهم يقرّرون مصير الشعوب المُستَضعَفَة، الساكتة، المستسلِمة، ويقودونها دائما من حرب إلى حرب، ومن كارثة إلى كارثة، ومن مأساة إلى مأساة، ومن إستعباد إلى استعباد، ولا أحد يستطيع إيقافهم ولا هم يرعَوون؟ لماذا، بكل بساطة، قلوبهم خالية من بساطة روح المحبة والتواضع؟

في لبنان: تشخيص وتوعية

الأسئلة عينها نوجّهها إلى زعماء الطوائف في لبنان وإلى حلفائهم بالروح، روح الكبرياء والعظمة والقوة والتسلّط والمال، من معظم رجال الأعمال والمال والإعلام والدين، لتذكيرهم، إن هم أحبوا أن يتذكّروا، بأن الحياة، دون كبرياء، أجمل لهم كقادة وكبشر، وأجمل للناس الذين نصّبوهم في مراكزهم وقبلوا بهم حراسا على وجودهم ومصيرهم، من أجل أن يخدموا هؤلاء الناس، لا أن ينصبوا فخاخ الفقر والتعاسة والذلّ والعار لهم.

إننا نحاول أن نفهم واقعا، هو، في الحقيقة، أمر واقع، قد رافق البشرية منذ نشأتها حتى اليوم، لم يغيّره أحد، ولا يبدو أنه سيتغيّر من تلقاء نفسه. إنه واقع يزداد حدّة وسوءًا كل يوم، برغم وجود الصالحين والمتواضعين.

إننا، رغم كل المعاكسات، وبوحي من بصيص أمل وإيمان لا ينطفىء في قلبنا وبصيرتنا، بإمكانية خلاص، نودّ، بكل تواضع، أن نساهم، مع كل الذين حاولوا ويحاولون المساهمة، في عملية وعي هذا الأمر الواقع، ونشر هذا الوعي بكل محبة ليصبح مِلكا لمريدي ومحبّي الوعي والخلاص من شرور المتكبرين، بدءًا بالذات، كبداية ضرورية لعملية تغيير مُلِحّة، متواصلة، لا ينبغي أن تتوقّف، سبيلها وعرٌ، وأُفُقُها بعيد، ومَنالها ليس بالأمر السهل.

إننا نصطدم، كل يوم، وأنّى توجّهنا، بأناس متكبرين، من الإعلاميين الموزَّعين طبقات عدّة في مستوى الفهم والذكاء والإرتباطات بمراكز القوى السياسية والمالية، ومن طبقات السياسيّين المتفاوتة في مستوى الغنى و”العبقرية” و”الوزن” و”الحجم” و”الحيثية”، ومن طبقات أغنياء متغلغلين في طبقات الإعلاميين والساسة واستثماراتهم، بين قديمي النعمة وحديثيها، ومن أبناء الشعب من كل الفئات والطبقات المتفاوتة في مستوى الفقر، وفي نسب الكبرياء وعنفوان الإنتماء العائلي والطائفي والمذهبي والديني والعرقي والقومي. الأمر الطريف هو أنه يُخَيَّلُ إلينا، ونحن نتأمل في موضوع الكبرياء في لبنان، أنها الشيء الوحيد المشترَك بين اللبنانيّين، ويا ليتها تكون عنصرا مهمّا من عناصر الوحدة الوطنية. هذا ممكن لو أنّ الكبرياء هذه هي كبرياء قومية أو وطنية. ولكنها كبرياء شخصية، أنانية، سلبية، فوقية، متفوّقة، موجَّهة ضدّ الشريك الآخر في الوطن، لا كبرياء وطنية تتعدّى وجود المواطن الواحد إلى سائر المواطنين، لتشملهم جميعا وتصهرهم في بوتقة وطنية واحدة.

ليس من السهل الخوض، هنا، في مجال هذا المقال، في دراسة كل تفاصيل الكبرياء من خلال دراسة أخلاق كل الناس. نكتفي ببعض الملاحظات لإعطاء فكرة واضحة، قدر الإمكان، ولو غير كافية، عن بعض مظاهر وتجلّيات الكبرياء في طبع اللبنانيّين وسلوكهم. نترك للقارىء المجال لاكتشافاته الشخصية.

مؤشرات كبرياء الشعب اللبناني

يبدو أن كبرياء معظم أبناء الشعب الفقراء قناع أو وسيلة للحفاظ على كرامتهم وعنفوانهم. إنها كبرياء غير مؤذية لأحد، وهي حقّ من حقوقهم. يمكننا أن نورد الكثير من الأمثلة على ما نقول. أعمال التنظيفات، مثلا، لا يرضى اللبنانيون بها، ويستحون أن يشتغلوها، لذلك يتركونها للعمال الأجانب. وأيضا، كل أصحاب المِهَن يحبّون أن يتبجحوا بجودة عملهم، وبتفوقهم على سائر المنافسين، ويتطلبون أجرة عالية يستحقونها، ويتطلبون مستوى لائقا من الحياة لهم ولعيالهم. اللبنانيون لا يرضون بالإجرة الزهيدة وبطريقة العيش غير اللائقة اللتَين يرضى بهما العمال الأجانب. هذا النوع من الكبرياء يبدو مقبولا، وطبيعيا، ومُبَرَّرا، إذ أنه يتعلق بكرامة الوجود والعيش في الوطن، رغم أنه يجبر اللبنانيين على دفع الثمن غاليا، وهجرة وطنهم بحثا عن رزقهم وعن حياة أفضل، ورغم أن معظمهم يعملون أي شيء في الخارج ليُحصّلوا معيشتهم، غير أنهم يخفون ذلك عن معارفهم، لتبقى كرامتهم محفوظة.

وفي التعاطي اليوميّ بين اللبنانيين، يستطيع الإنسان أن يراقب كبرياءًا من نوع آخر، هي أقرب إلى الغرور والشعور العَبثيّ، المضحك والمزعج، معظم الأحيان، بالعظمة الذاتية، في مواقف التحدّي الصامت حينا، والصارخ حينا آخر، والمنافسة، والتسابق على كل شيء، وفي كل المجالات. نورد، هنا، بعض الأمثلة:

-قيادة معظم المواطنين لسياراتهم بشكل جنوني، على كل الطرقات وفي كل الأوقات، وكسر القوانين، وتحدّي رجال الأمن، دون أي حساب واحترام لوجود مواطنين آخرين لا ينبغي تعريض سلامتهم للخطر.

-حوارات المماحكة و”التذاكي” حول أي موضوع (خاصة السياسة)، التي لا تؤدّي إلى أي تفاهم.

-حبّ الكلام والمزايدات والثرثرة، وادعاء التفوّق بالفهم والمعرفة، ورفض الإصغاء إلى آراء الآخرين، وعدم الإعتراف بمواهبهم أو بفضلهم وذكائهم.

-الرصانة المفتَعَلَة المضحكة (خاصة من قبل حملة الشهادات العالية جدا من جامعات الخارج) للتأثير على الآخرين وفرض الإحترام عليهم.

-التباهي والإفتخار بالمظهر والقوة وقيمة وأهمية و”خصوصية” الحَسَب والنَّسَب، وعراقة الملكِيّة والسُّلالة و”الدمّ”.

-الإستعداد الدائم لخلق المشاكل واستعمال العنف والسلاح.

كبرياء السياسيين: من ثمارهم تعرفونهم

أما كبرياء أكثرية السياسيين اللبنانيين، الأغنياء منهم وحلفاء الأغنياء، فهي كبرياء تشبه كبرياء معظم أبناء الشعب اللبناني، غير أنها مُهينة لكرامة الشعب اللبنانيّ ومؤذية لحياته ووجوده ومصيره وسعادته. كيف ولماذا نطلق هذا الحكم القاطع على المسؤولين عن إدارة شؤون الوطن؟ ببساطة، لأن كبرياء الزعماء والساسة (المعطاة لهم والمستمدة من الشعب ذاته) تمنعهم من خدمة الشعب كما ينبغي، وكما تأمرهم به روح الواجب، وكما هو نفسه، أي الشعب، يتوقع ذلك منهم بعد أن سلّمهم الوكالة عنه في الإنتخابات النيابية.

إن إدارة شؤون الوطن كانت، بسبب تكبر معظم الساسة والزعماء واهتمامهم بقيمتهم الذاتية المضخمة جدا وببناء الثروات والمجد، منذ الإستقلال حتى اليوم، إدارة سيئة جدا، لدرجة أن الشعب اللبنانيّ لم يهنأ له يوما عيش بسبب هذه الإدارة. إنها، بالمختصر المفيد، تراكمات إدارية سيّئة قد أوصلتنا إلى ما وصلنا إليه اليوم. وما وصلنا إليه اليوم، هل يستطيع أي إنسان أن يقول عنه أنه شيء حسن؟

قبل كل شيء، إن ما نسمّيه استقلالا وحرية وسيادة غير موجود. حتى عيد الإستقلال هو عيد مزيَّف، باهت، حزين، لا معنى له، ولا أحد يتحمّس لذكراه، وأرضنا وإرادتنا مُحْتَلَّتَان دائما. يسمّيه بعض اللبنانيين الواعين، المستقلي والمستقيمي الرأي، “عيد الإستغلال” (من قِبَل السياسيين)، و”عيد الإحتلال” (من قِبَل الدول الكبرى وممالك المال والعدوّ الصهيوني العنصري). العالم الخارجي يتحكم بحياتنا الوطنية المالية والسياسية والعسكرية مهما كابر بعض الساسة وأنكروا ذلك وادّعوا الإستقلال بالرأي والسلوك. لبنان وطن ضعيف بسبب ذلك التدخل الغريب الدائم في شؤوننا. ما سببه؟ سببه هو تقليد “مقدّس” في خيانة السياسيين المتكبرين للشعب اللبنانيّ (خيانة بالوراثة، بالدم، بالسليقة، بالروح وبالعدوى)، وتعاملهم، دون الخوف من محاسبة أتباعهم لهم، ودون حياء ودون خجل، لا بل بافتخار وفي العلن، مع حكومات الخارج لجنيِ المال والجاه والعظمة والقوة من أجل محاربة أفرقاء آخرين في الوطن الواحد، لبنان.

الكبرياء تُحرّك سلوك السياسيين مع الداخل اللبنانيّ. خلال أربع سنوات في المجلس النيابيّ، لا يتنازل معظم السياسيين، مثلا، من أجل أن يلتقوا بناخبيهم ولو مرة واحدة، ليتشاوروا معهم بخصوص مشاريع إنمائية، ثقافية، حيوية، تهمّ سكان مناطقهم، ويستمعوا إلى مطالبهم وشكاويهم. السياسيّون لا يتواضعون أبدا ليشاركوا الشعب الفقير الذي انتخبهم لقمتَه، وليتحدثوا إليه ببساطة وتواضع، وليشاركوه همومه. إنهم، لفرط كبريائهم وأنانيتهم، يفضلون أن يأكلوا مع رجال الأعمال والمال ورجال الدين وكل أصحاب المراكز العالية. السياسيون لا يستحون من خيانتهم للشعب، وتبعيتهم للخارج والعمل بحسب مشيئته بالنسبة للسياسة الداخلية والخارجية. لا يستحون من الكذب على الشعب، وإغداق الوعود عليه خلال حملاتهم الإنتخابية، وعدم الوفاء بأيّ منها، ومن سرقة مال الضرائب الذي يدفعه الشعب الكادح للدولة، دون أن يحاكَم الفاعلُ ودون أن يرفّ له جفن، ولا يستحون من قبض رواتب خيالية، ومن زيادة رواتبهم، ومن “مخصصات” مالية لإنماء مناطقهم تذهب إلى جيوبهم، ومن إبرام صفقات مربحة لهم وحدهم مع حلفائهم رجال الأعمال والمال، تحت ستار مشاريع لمصلحة الشعب والوطن، دون رقابة ودون محاسبة الدولة أو القضاء. يفعلون كل ذلك وأكثر، بكبرياء وثقة عالية بالنفس، واحتقار للشعب الذي لا يحاسبهم على شيء يوم الإنتخاب، وهنا تكمن خطيئة الشعب الكبرى.

كم ينطبق قول ابن سيراخ: “الكبرياء أمّ المعاصي”، على سياسيّي لبنان. كبرياؤهم لا حدود لها. ومعاصيهم التي تنبع من هذه الكبرياء، لا تُحصى ولا تُعَدّ، ولا حدود لها أيضا.

علاقة السياسيين مع زملائهم

ماذا عن تعاطي السياسيين اللبنانيّين اليوميّ مع بعضهم البعض؟

إنه تعاطٍ متكبّر، عدوانيّ، وهو، في أحسن الحالات، تعاطٍ باطنيّ خبيث، يُظهرون فيه غير ما يُضمرون. لا نرى سياسيا واحدا في لبنان يتكلم بصدق وتواضع عن “زملائه” في الحكم، أو معهم. كلهم يجيدون فنّ التباهي بالأوزان والأحجام الشعبية، وفنّ مديح الذات ونفخها، وفنّ الإلحاح العنيد بطلب حصّة الأسد في حصص الحكم (وكلهم أسود شرسة)، وفنّ الهجاء والشتيمة والتهكّم والسخرية والفكاهة السمجة. وهم يجيدون أيضا فن التهديد ب”الشارع” (أي بأزلامهم المسلَّحين)، كلما شعروا بأن كبرياءهم قد مُسَّتْ. أما فنّ إنجاح الحوار الصادق، البنّاء، المثمر، فهذا أمر لا يجيدونه أبدا. يجيدون فنّ إفشال الحوار، وإفشال أي انتخاب لرئيس للجمهورية، وأي تأليف للوزارة، وخلق قانون انتخابيّ جديد خارج القيد الطائفي، والبحث في نظام علماني مدني يلغي سيئات وآفات النظام الطائفي، لأن في ذلك إلغاءا تاما لوجودهم المتكبّر. وأيضا، وبسبب كبريائهم الهائلة وأنانيتهم المتوحشة وأطماعهم الشخصية بالربح والمال وشراهتهم التي لا حدود لها لاقتناص الفرص، فهم يجيدون فنّ إفشال كل المشاريع الإقتصادية والعمرانيّة والصناعية والزراعية والبيئية والصحّية والتربوية التي تفيد الشعب، وتحسّن وتسهِّل طريقة حياته، وتحفظ كرامته، وتوحّده، وكل المشاريع الدفاعية (بناء جيش قويّ بعديده وسلاحه) التي تؤمّن قوة ردع للدفاع عن الشعب اللبنانيّ فيشعر بالحماية والأمان والطمأنينة، ضدّ استضعاف الوطن اللبنانيّ واحتقاره من قِبَل كل الدول الصديقة والعدوّة، وضدّ كل المتطاولين على وجوده وأرضه ولهم تسمية واحدة، ألا وهي “إرهاب الدول المنظّم”.

سبب فشل السياسيين في إدارة الوطن

لماذا هذا الأداء الفاشل لسياسيّي لبنان المتكبرين؟

لأنهم منهمكون جدا ودائما بإرضاء غرورهم وكبريائهم، وبإشباع روح التحدي والتشفي والنكاية التي تسكنهم، والتي تتحكم بعلاقاتهم مع بعضهم البعض، وبإرضاء حكومات الخارج واستحقاق “المكافآت”، و”المكرُمات”، و”الهدايا”، و”الهبات”، و”المساعدات”، و”الودائع”، ولاستدرار عطفها ودعمها لجيوشهم المسلحة الخاصة، ولأملاكهم الشاسعة، وخزناتهم السرية… وكلها ينابيع لا تنضب لديمومة عروش كبريائهم وعظمتهم ومجدهم ووجودهم القويّ من جيل إلى جيل.

“إقتصاد” الكبرياء

الغريب والطريف هو أن اللبنانيين، شعبا وسياسيّين، هم من أكثر الشعوب حبّا للمظاهر، وافتخارا بالذات وبالسُّلالة، ولو كانت طبول الحرب تقرع كل يوم، ونيرانها مشتعلة من كل جانب. في سائر الدول، كل الناس يهتمّون بعملهم، ولا أحد يهمّه أن يضيِّع وقته ليراقب الآخرين بشغف وإعجاب، ويتساءل عن أصلهم وفصلهم، ويتطلب الشيء عينه منهم، أي أن يبادلوه بالمثل، كما يحصل في لبنان. “التبخير”، أي تقدير ومديح الآخر ونفخ كبريائه، في لبنان، عمل مُتَبادَل، والجميع يحبونه ويمارسونه بعفوية وتفوّق. لذلك عملية “تبخير” الذات والآخر “تجارة” رائجة بشكل كبير، وتجارة رابحة، فقط في لبنان. إنه “اقتصاد” العرض والطلب، إذا صحّ التعبير، المزدهر دون انقطاع، في عالم الكبرياء والغرور. إنه “اقتصاد” معنويّ، وهميّ، لا يفيد الشعب اللبنانيّ بشيء. هذا “الإقتصاد” الأنانيّ، المعنويّ، الوهميّ، هو، في الحقيقة، السبب الرئيسيّ لفشل اللبنانيين، حتى اليوم، في بناء وطنهم النهائيّ لبنان، بناءًا قويا، منيعا، رائعا، بوحدة الأخلاق والإرادة والرؤيا والفكر والتواضع والمحبة، وبوحدة الهوية الوطنية والإنسانية بين كل أبناء شعبه وسياسييه، وبجيشه، وباقتصاده، لا بأناشيد الحماس والفخر، ولا ب”التشريفات”، و”المجاملات” و”التبخير”، والمأكولات الشهيّة والمشروبات “الروحية” الوطنية. هذا “الإقتصاد” يجعل من اللبنانيّين مجموعة أنانيات تعبد ذاتها وبعضها البعض، وتمنعهم من الوحدة الحقيقية بالروح، والذوبان في وطن واحد صاحب رسالة محبة وسلام. بدون وحدة ال”أنا” وال”أنت” في بوتقة ال”نحن”، لا وحدة ممكنة للشعب اللبنانيّ، ولا قوة، ولا استقرار، ولا كرامة، ولا استقلال، ولا حرّيّة، ولا ازدهار، ولا رسالة، ولا سعادة، ولا مستقبل، ولا ديمومة، ولا خلاص. إن الموت المحتَّم هو، فقط، بانتظار الشعب اللبناني الغارق، هو وساسته، في معاصيه الكثيرة النابعة من الكبرياء.

درب الخلاص

كيف السبيل إلى التخلص والتحرّر من هذا الواقع في لبنان، واقع الكبرياء التي تسيطر على طبع وسلوك معظم الناس، ومعظم شاغلي مراكز نفوذ مهمّة، مرموقة (في نظر أنفسهم ونظر الرأي العام)، في مجال السياسة، والأعمال، والدين، والإعلام، والكتابة، والفنون “الجميلة” على أنواعها من موسيقى وغناء ورقص ورسم ونحت؟

كيف السبيل إلى التخلص من هذه الكبرياء-الآفة التي تبلبل عقول اللبنانيين وألسنتهم وحياتهم، وتجعلهم يضيِّعون شخصيتهم الوطنية الواحدة الجامعة والحاضنة لكل المذاهب والقوميات والأعراق والأطباع، وتجعلهم يخسرون هويتهم الإنسانية الحقيقية التي بدونها لن يكون لشيء إسمه لبنان “وطن الإنسان” أو “وطن الرسالة” أي أمل بالحياة والبقاء، خاصة وأن الأعداء الكثر، المتربصين بنا شرا، يحيطون بنا دائما ويتغلغلون في صفوفنا؟

طبعا، ممارسة فضيلة التواضع هي سبيل الخلاص، وممارسة فضيلة محبة الآخر لا الذات. التواضع والمحبة يُمهّدان لوحدة وطنية حقيقية. المشكلة الكبرى، هنا، هي:

كيف نقنع المتكبرين في لبنان، وهم كُثُر، أن يتخلوا عن كبريائهم، وهي متأصّلة في نفوسهم وتجري مع الدم في عروقهم؟

كيف نقنع الطاووس ألّا يضيّع وقته وحياته وهو يفتخر بريشه البديع، وبمِشيته “الرائعة”، المغرورة، وأن يتحوّل فجأة إلى يمامة بيضاء، بسيطة، وديعة القلب، متواضعة؟

كيف يحقق المتكبّر، المتلذّذ بكبريائه والمقتنع بها، التواضع؟

كيف يحقق من هو غارق في عبادة ذاته، الخروج من ذاته، ومحبةَ “الآخر”، والإهتمام به، واحترام وجوده، ومحاولة إسعاده؟

مهمة مستحيلة؟

ثمّة من سبقنا إلى قطع الأمل، في حالات الإحباط والقرف والتعب، من تغيير الإنسان لطبعه، كالذي قال هذا القول، مثلا: عادة البدن لا يغيّرها إلا الكفن. أو كالذي قال: النمر لا يغيّر بقع جلده. أو: طبع الإنسان قدَرُهُ.

إننا نصدّق كل ذلك، ونعترف بأن حياة البشرية الأخلاقية والروحية والسياسية، كما يبدو لنا من سير التاريخ القديم والحديث والمعاصر، سائرة، رغم كل التقدم العلميّ الهائل، من سيّء إلى أسوأ، لأن الأطباع السيّئة والمتكبرة، في العالم وفي لبنان، تتكاثر وتنمو وتستقوي على الأطباع الحسنة والمتواضعة. إن أطباع قادة الشعوب والجيوش المتكبرة، بدعم من اثرياء متكبرين طمّاعين، تدفعهم إلى خلق الحروب والمآسي للشعوب. والمشكلة أن كتب التاريخ التي تتربّى عليها الأجيال الطالعة، تُصَنِّف هؤلاء كلهم بالمخطِّطين العباقرة، وبالرجال العظماء، وبصنّاع التاريخ.

مواجهة كبرياء “النظام العالمي الجديد” وأتباعه

ثمة، اليوم، قادة مال وأعمال تلموديون يهود في الغرب، يخطِّطون لحرب عالمية ثالثة (الكيان العنصري في فلسطين رأس حربة لهم)، ويروّجون لها في الإعلام المأجور المسيَّس والمسَيّر، ويهيّئون الراي العام في بلادهم وفي العالم، وبكل وقاحة وبرودة أعصاب، لتقبل فكرة هذه الحرب العالمية النووية الآتية، لا محالة، وضرورتها من أجل السلام وبناء نظام عالمي جديد، والتي ينبغي أن تحدث للتخفيف من سكان الأرض (“الأكلة غير النافعين”، كما يسمونهم)، والسيطرة النهائية على ما يتبقى من السكان واستعبادهم.

ولكننا، في الوقت عينه، نؤمن، ورغم طغيان كل الشرور، بأن الإنسان، إلى جانب طاقات الشرّ والتدمير الهائلة فيه، يملك، بالمقابل، في نفسه، طاقات خير وبناء هائلة هو نفسه يجهلها، من أجل أن ينموَ مع الآخرين نموّا صالحا، سليما، بالفكر والأخلاق والروح، ويشاركهم بخيرات الأرض، ومن أجل أن يمارس المحبة ويصنع السلام، ولا يؤذي أحدا خلال حياته القصيرة على وجه الأرض.

أما النمر، مثلا، فهكذا خلقه الخالق، نمرا تقوده الغريزة العمياء المتوحشة، لا يملك إرادة ووعيا مثل الإنسان، ليحقِّقَ أي تغيير في جسمه وطبعه. وهو غير مدعوّ من الخالق أن يكون كاملا كما وُجِهَت الدعوة إلى الإنسان.

إن قطع الأمل من قدرة الإنسان العاقل على تغيير نفسه، هو يأس في غير محله، يُنكر قيمة الإنسان الروحية التي وهبها له الخالق. إيماننا هذا يحدو بنا أن نحتفظ بالأمل والثقة بأن محاولة توعية الإنسان المتكبر أو الشرير على معرفة الحقّ، لا تذهب هدرا إذا كانت متواصلة، محبة، صبورة. وفي حال الفشل، لا نيأس، بل نظل نحاول ما دام فينا نَفَس. في النهاية، هي مسؤولية الواعين المخلصين، المؤمنين بقوة الخير، أن ينبّهوا من هم بحاجة إلى تنبيه على طريق الخير والتواضع والصلاح، ولكنهم، في الوقت عينه، عليهم أن يكونوا هم أنفسهم متواضعين وحكماء بما فيه الكفاية، لكي يعترفوا، وهم يتابعون رسالتهم بروح المحبة والصبر والتضحية، بأنهم بشر ضعفاء، ولكي لا يتوهموا للحظة واحدة بأنهم سوف يحققون المعجزات ويغيّرون أطباع كل الناس ومسيرة التاريخ، بكلمة واحدة وخلال فترة قصيرة جدا. أطباع البشر والقادة المتكبرين السيّئة، التي لم تتغيّر خلال آلاف السنين، هل هناك من يتوهّم، اليوم، أن بإمكانه تغييرها بسرعة البرق؟

إن مواجهة وطن صغير كلبنان لشرّ النوايا والأفعال لبشر أقوياء بالمال والسلاح والجيوش، قد صمّموا أن يكونوا أشرارا ويسيطروا على العالم، يتمّ، إلى جانب قوة السلاح للدفاع عن النفس والمقاومة، بوحدة الشعب اللبناني وسياسييه، وبإيمانهم الواحد بالقيم الروحية والأخلاقية وممارستها، وبالتعامل الليّن، الحكيم، والمتواضع، غير الضعيف، بين بعضهم البعض، ومع الدول المتكبّرة، الطامعة بإضعافنا والسيطرة علينا.

مداراة حَمَلَة الكبرياء في لبنان

إن مهمة توعية اللبنانيين، مهمة شاقة جدا. ومهمّة توعية سكان الكرة الأرضية ليست من شأننا. همّ لبنان وحده يكفينا. إذا حاولنا أن نقنع القادة اللبنانيين فقط، بأن الكبرياء خصلة سيئة تُسبّب الفرقة والتشرذم والضعف والإذلال لشعب الوطن اللبنانيّ، ولا شيء صالح ياتي منها، وعليهم أن يحاولوا المستحيل للتخلّي عنها، ونجحنا في إقناع عدد قليل منهم، نكون قد حققنا إنجازا عظيما، يشبه المعجزة. إننا، في لحظة فورة إيمان صادق، ولحظة سذاجة، ربما، نفكّر بهذه المحاولة. نعود إلى جميع من يُسَمَّون بالنُّخَب، هنا، لندعوَهم كي يحملوا، هُم، ومعا، على عاتقهم، هذا الهمّ وهذه المسؤولية، ويحققوا هذا الإنجاز: ألإعلاميون، الساسة، رجال الدين، النقابات، أساتذة ومديرو المدارس والجامعات، أهل الفكر والعلم والفنّ، وكل الذين يشعرون بأنهم حَمَلة رسالة روحية أو فكرية أو سياسية، ومدعُوّون أن يلعبوا دورا قياديا.

هل يجرؤ أحد من النّخَب، اليوم، أن يقف ويقول بصوت عال لسياسيّ متكبّر واحد، فقط، في لبنان:

أنت متكبّر، وعليك أن تصبح متواضعا، أو أنت كذاب ومخادع، وعليك أن تكون صادقا، أو أنت سارق لمال الشعب وعليك أن تقلع عن هذه العادة الشريرة وأن تعيد ما سرقته، أو أنت خائن للشعب وللوطن، وينبغي أن تتوب وتعتذر من الشعب، أو ينبغي محاكمتك أمام القضاء؟

أجل، من يجرؤ على قول كل ذلك أو بعضه، لرجل السياسة المتكبر، دون التخوّف من ردة فعل إنتقامه؟ لا أحد يتقبّل بسهولة أن يصارحه أحد بعيوبه. والكبرياء، ذلك العيب الكبير، هو بنظر حامله ضرورة ماسة للوقوف على رجليه، والتكلم مع الناس من علُ، وتخويفهم وفرض احترامه فرضا عليهم، والحياة بسكرة العظمة والقوة ووهم الرضى التام على الذات. بعض الإعلاميين الشجعان قد انتقدوا بعض القادة المتكبرين، فيما مضى، وانتهى بهم المطاف في المحكمة، أو في السجن، أو في المستشفى، أو في المقبرة. لذلك، الأمر حسّاس للغاية. ولذلك أيضا، تضافُرُ قِوى النخبة الصادقة، المتواضعة، ضروريّ جدا من أجل خلق مناعة ضدّ عنفوان السياسيّ المتكّبر، وضدّ تطاوله المُحتَمَل والمُتَوَقَّع على من ينتقده ومن يقول الحقيقة ويشهِّر، ولو عن حقّ، بسمعته. على كل حال، لا ضرر ابدا من اتباع بعض أصول اللياقة في موضوع توعية السياسيين والشعب معا، على مَضَارّ صفة الكبرياء على الذات وعلى الوطن، أخلاقيا وروحيا وسياسيا واقتصاديا وحضاريا. هذا أمر ممكن الإتفاق عليه وإيجاد الطريقة الفضلى لإيصال الرسالة الصادقة، القاسية، غير المُستحَبَّة. تبقى هذه الطريقة أفضل من استفزاز الزعماء المتكبرين، الطغاة، بعنف الكلام والحقيقة، دون الوصول إلى أية نتيجة سوى الإنتقام، وأفضل من أن تتطور الأمور إلى ثورة شعبية مجنونة دموية، تقضي على الثائرين وحدهم، وحسب، وتبقي على الساسة المتحكمين بالشعب.

ثمة معجزة ينبغي أن تحصل قبل أن تحصل معجزة توعية السياسيين والشعب على مضارّ الكبرياء، ومعجزة تخليصهم من هذه الآفة، وهي معجزة اتفاق أهل النخبة (غير المتواضعين بمعظمهم) على خوض هذه المغامرة معا، بتواضع، وصبر، وبأسرع وقت ممكن. هل تحصل يا ترى هذه المعجزة لتلحق بها سائر المعجزات؟

نطرح السؤال هنا، ولكن الجواب ليس في يدنا.

رجاء صالح وإرادة حسنة وكفاح مستمر

نعرف جيّدا، في الحقيقة، أن التجمّع من أجل قضية خير، هو، بحدّ ذاته، حدث عظيم وواعد. نتائج هذا التجمّع، إذا دام، لا شك سوف تكون خيّرة، بنسبة كبيرة، بحسب منطق “مهما تزرع تحصُد”، ولكن شرط أن يكون الزرع الجيّد في أرض جيدة، وشرط أن يتابع الزارع عنايته بالزرع بريّه وهو مدفون في ظلمة التراب.

ونعرف جيدا، أيضا، بأن كبرياء الشعب والسياسيين هي أرض صخرية، صلبة، قاسية، عصيّة على الفلاحة والزرع الجيّد والريّ. ولكننا نؤمن إيمانا قويا وأشدّ صلابة من تربة نفوسهم وصخورها، بأنه إذا تمّ التعامل مع هذه المسألة، مسألة كبريائهم، بحكمة ومحبّة وصبر، يصبح مشروع تقبّل الشعب والسياسيّين للبذور الصالحة، بذور النُّصح والتوعية من أجل التخلّي عن كبريائهم فقط، لا عن زعامتهم وثروتهم وكرامتهم، ومشروع إعطائهم ثمار جيدة، ثمار تحقيق واكتساب فضيلة التواضع وإصلاح الذات، أجل، يصبح له، هذا المشروع العظيم، ساعتئذٍ، أمل كبير بالنجاح.

فعلى هذا الرجاء الكبير، نختتم جولتنا، ونحن نحلم بوطن حقيقي، وطن الروح، وطن إسمه لبنان.

المصدر:   النهضة نيوز

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

النهضة موقع عربي إخباري ثقافي إقتصادي, يهتم بقضايا الإنسان العادلة وينتصر لها بأي أرض وميدان كانت, ننشد النهضة لشعوبنا بعدما استوطنت أمية الحرف والفكر فيها وتم إستلاب وعيها, النهضة هي منبر لكل فكر حر يسعى للتنوير ولنشر المعرفة المنشودة لإستعادة الوعي الجمعيِ العربيِ المسلوب.

Copyright © 2018 Alnahda News

Powered BY