إعلاميون لا أبواق 

ماذا لو كان في الأفق صفقة أخرى غير صفقة القرن؟

سامي كليب

حين يكثر ضجيج الحرب، فكّر بأن ثمة صفقةً تجري في مكان آخر من هذا العالم وان العرب هم دائما على هامشها أو ضحاياها. هكذا تعلّمنا من تجارب شرقنا المُدمّر. الآن يكثر ضجيج الحرب بين إسرائيل وإيران وحزب الله. فهل نسمح لأنفسنا بالتفكير بأن ثمة شيئا آخر يطبخه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين غير صفقة القرن؟

 

في المعلومات أولا: أنه في أول اللقاءات الأميركية الروسية بعد اندلاع الحرب السورية، بادرت موسكو الى طرح صفقة على واشنطن تقول، ان تدمير الدولة السورية سيؤسس لفوضى غير قابلة للضبط لاحقا وأن حلفاء واشنطن في المنطقة سيصبحون في خطر تماما كخصومها، وأنه بدلا من ذلك يُمكن التفكير بوضع حد للحرب مقابل اقناع الطرفين السوري والإسرائيلي بالعودة الى مفاوضات سلام جادة تُنهي الصراع وتضمن أمن إسرائيل الدائم.

 

في المعلومات أيضا : أن ادارة ترامب بعثت في العام الماضي برسالة الى الجانب الايراني تقول فيها انها مستعد للانسحاب من قاعدة التنف الاميركية في سوريا  ومن مناطق اخرى مقابل الحصول على مساعدة ايران في تهدئة الوضع داخل فلسطين بعدما بلغت التظاهرات وانتفاضات الدواليب المحروقة مداها الخطير.

 

في النتائج ثانيا: أنه حين قرر الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما شن حرب على سوريا بذريعة الأسلحة الكيماوية السورية، بادرت موسكو الى سحب البساط عبر نزع كل السلاح الكيماوي السوري واخراجه من المعادلة. كانت هذه رسالة واضحة الى رغبة بوتين بحماية سوريا ولكن ايضا بطمأنة إسرائيل.

 

في النتائج ثالثا: أن بوتين اتفق مع نتنياهو ( كما اتضح في خلال السنوات الأربع الماضية) على ترك الأجواء السورية مفتوحة للعدوان الإسرائيلي شرط أن يقتصر قصف اسرائيل على إيران وحزب الله فقط دون المساس بالدولة السورية أو بالجيش الروسي. وحين كذب نتنياهو مرة على الحليف الروسي، أخرج بوتين مخالبه فأرسل صواريخ S400الى سورية لكنه أبقاها بتصرف الجيش الروسي. وهنا كان الهدف الروسي أبعد من مجرد تأديب إسرائيل، ذلك أنه وجد في الأمر فرصة سانحة لتعزيز الحضور العسكري الروسي في المنطقة في إطار التنافس الأكبر مع الأطلسي.

 

في النتائج رابعا: أن ثمة صفقة حصلت تحت الطاولة وبعيدا عن الأضواء، أدت الى تبادل رفات جندي إسرائيلي مع اسيرين سوريين. من السذاجة المطلقة التفكير بأن بوتين سيقدم على عمل كهذا دون التنسيق مع دمشق.

 

في علم المفاوضات عبر تاريخ البشرية، ينبغي على الأعداء أن يتبادلوا رسائل حسن نية تكون مؤشرا على الرغبة في التفاوض الحقيقي. لا شك أن تبادل الرفات والأسرى يدخل في إطار هذه الرسائل.

 

لنلاحظ أن هذا التبادل حصل بعد أن رفع الرئيس الأميركي دونالد ترامب الضغط الى أقصاه من خلال الاعتراف بسيادة إسرائيل على الجولان المحتل، وتزامن ذلك مع ضغط اقتصادي كبير على سوريا، وتشديد الحصار حتى الخناق على إيران وحزب الله.

 

يجري ذلك وسط تسريع خطوات استكمال تنفيذ ” صفقة القرن” بعدما جرى الاستيلاء على القدس وتهويد إسرائيل وإلغاء حق العودة وضرب الاونروا وانذار نتنياهو بضم الضفة الغربية قريبا، ما يعني تهجير الآف الفلسطينيين باتجاه الأردن او الى المناطق التي قد تؤسس لها المشاريع الاقتصادية العربية الإسرائيلية الجارية على قدم وساق في الغرف المغلقة قبل الإعلان رسميا عن صفقة القرن.

 

يفترض الأمر احتمالين:

• اما حرب شرسة ومدمرة، تمهد للعودة الى التفاوض لاحقا بشروط يعتقد كل طرف أنها ستكون لصالحه.

• أو تجنب الحرب والدخول في مفاوضات مباشرة أو عبر أطراف أخرى تقضي بخروج إيران وحزب الله من سوريا، والاتفاق على مصير الجولان ومزارع شبعا (لذلك نرى كل هذا الضجيج حول المزارع حاليا) مقابل تثبيت دعائم الدولة السورية وتعزيز العلاقات الاستراتيجية السورية الروسية والروسية الايرانية والتركية ومع دول الخليج…

• الجانب الروسي تماما كما الجانب الاميركي يريد انهاء ما بقي من الصراع العربي الإسرائيلي. لكن الفارق الوحيد بين الجانبين ان الفكرة الاميركية تستند الى نزعات دينية تبشيرية تقول بأن لا عودة للسيدة المسيح بلا انتصار إسرائيل على كل اعدائها وإقامة الهيكل، أما الفكرة الروسية فتقول بأن ثمة فرصة فريدة في المنطقة الآن لتسوية سياسية عادلة، نظرا للعلاقات الوطيدة بين موسكو وإسرائيل من جهة ومع إيران وسوريا وحزب الله ومصر وتركيا ودول الخليج من جهة ثانية.

نحن إذاً في سباق بين الفكرتين الاميركية والروسية، ويحاول بوتين كسب نتنياهو الى جانبه لكي يحصل على تأييد اللوبي اليهودي الأميركي. لو اتفقت موسكو وواشنطن على مخرج سياسي، لا يستبعد أحد العودة الى مفاوضات عربية إسرائيلية تشبه ما كان عليه مؤتمر مدريد الاول خصوصا ان الاوروبيين أكثر ميلا الى فكرة التفاوض البوتينية من فكرة الفوضى الترامبية، ولو بقيا على خلافهما، فان بوتين سيحاول التقدم صوب التفاوض، على امل النجاح حيث فشل الأميركيون أو على الأقل منع الحرب، أو في أسوا الأحوال ان تكون حربا محدودة تليها مفوضات…

ربما لهذا، نرى كل هذا الضجيج في المنطقة الآن. لنتذكر أنه بعد حرب ٢٠٠٦، تولت تركيا دور الوسيط للتفاوض السوري الإسرائيلي ابتداء من أواخر العام ٢٠٠٧.

لا تكون الحروب عادة لأجل الحروب، وانما للتفاوض لاحقا، هذا حصل مع سوريا سابقا، وحصل أيضا مع إيران التي انتقلت من “محور الشر” في المنظور الأميركي الى شريك في المفاوضات النووية ٥+١. لكن المشكلة الكأداء الآن تكمن في أن إسرائيل لم تعرف في تاريخها حجم التطرف والتدين الذي تعرفه الآن، وان خلفها تيار تبشيري أميركي ودولي مقلق، وان هذا التطرف هو الذي اغتال اسحق رابين حين قرر الدخول في مفاوضات جدية.