المال في عالم السياسة – شرٌّ لا بدّ منه

 

لبنان:  إيلي أنطون شويري

إن المال، كما هو معروف، لا بدّ منه في حياة الإنسان، في كل المجتمعات والعصور. ولكنه، بحدّ ذته، ليس شرّا، أو خيرا. إن نيّة الإنسان من وراء استعماله، هي التي تمنحه إحدى هاتين الصِفتَيْن، فيصبح شرا لا بدّ منه أو خيرا لا بدّ منه. إن معنى مال الإحسان، مثلا، للجمعيات الدينية والخيرية والإجتماعية، من أجل بناء المشاريع الإنسانية والعمرانية والتربوية (مستشفى، مدرسة، ميتم، مأوى عجزة، معمل…)، على مدار السنين، وليس فقط أيام الإنتخابات، دون غاية مشبوهة ودون مِنّة من العاطي، يحمل معنى الخير فيه، ويختلف تماما عن معنى مال الرشوة والإستغلال والخداع والخيانة والفتنة والجريمة والحروب والقتل وشراء الضمائر والإستعباد، الذي لا يحمل فيه إلا معنى الشرّ للمجتمع البشري المسالم، البريء، ومعنى “الخير” للأبالسة فقط، بحسب مفهوم الأبالسة للخير. في كلتا الحالتين، إذًا، المال لا بدّ منه.

لا أحد يجهل سحر المال، ومعنى المال ورمزه وقيمته وفائدته وضرورته، وقوة تأثيره في حياة البشرية جمعاء، اليوم، وفي كل حقبات التاريخ. ولا أحد يجهل أن المال هو المحرّك الأساسيّ والأهمّ لنشاط البشر، وهو غايتهم لاستحقاق عمل منتج، ووسيلتهم من أجل تأمين حياة كريمة، محترمة، مريحة، مقبولة ومُعترَفٌ بها في مجتمع لا شيء فيه مجّانيّ، ومن أجل تجنّب حياة العوَز والفقر والإستعطاء والمذلّة. الإنسان، بلا مال، مُهْمَلٌ ومنبوذٌ من مجتمعه، يموت موتا بطيئا من الإحتقار والشماتة والقهر والبرد والجوع والمرض، وهو ينتظر حسنة محسن ورحمة رحيم من مجتمعٍ قاسي القلب.

هذا السحر الذي لا يُقاوَم، والذي لا يقاوِمه أحد في كل الحالات (باستثناء القديسين والزاهدين في الدنيا)، يستعمله بعض الناس الأثرياء، في مشاريع تُسَمَّى بالإستثمارات، لشراء خدمات الآخرين، من عمال وموظفين، ومكافأتهم على تعبهم وجهدهم، وهؤلاء يمثِّلون أكثرية الناس المكافحين والمحتاجين للعمل والمال من أجل تحصيل لقمة عيشهم واستحقاق أجرهم، والحفاظ على كرامتهم، والبقاء على قيد الحياة.

إن شراء خدمات الآخرين على يد كل ذي مال، يتَّخذُ إجمالا منحى ومعنى الإستغلال والإستعباد. يتمّ ذلك برضى الفريقَيْن، العاطي والآخذ، بحكم الحاجة والمصلحة المشتركة، ولو كانت هذه المصلحة، بالنسبة للآخذ المحتاج، “شرا” لا بدّ منه، إن صحّ التعبير. هذه ظاهرة نراها في كل مرافق العمل والإنتاج والخدمات، وهي ضرورية لاستمرارية الحياة والتطوّر والتاريخ، بصرف النظر عن دوافع أصحاب الرأسمال ومصادر التمويل، ونواياهم السيئة المبيّتة أو الظاهرة الحسنة، وعن حتميّة وجود مَواطِن خَلَل، وفقدان التوازن في ميزان الظلم والعدل في مجالات هذه الظاهرة، بحكم الطبع البشري المحكوم بالنقص، والمسكون والمُوَجَّه، قبل اكتمال التربية الأخلاقية ونموّ العقل، بغرائز الطمع والربح والإستغلال والسيطرة واللّارحمة، وبغريزة الأخذ أكثر من العطاء.

إذًا، إنه المال الذي “يصنع كل شيء” حسب القول الشائع. إنه المال الذي قيل عنه أنه “عصب الحياة”، وأنه “يتكلّم” و”يحرّك” العالم. والإفلاس، أي عدم توفر المال، يعني نهاية الدافع إلى الحركة والإنتاج، ويعني توقف “عجلة” التاريخ وموت أي مشروع. في عالم السياسة، مثلا، الذي يهمّنا هنا، معلوم أنّ المحرّك الأساسيّ لهذا العالم، من وراء الكواليس وعَلَنًا، هو الإقتصاد، أي مال أصحاب رأس المال. إنها حقائق بديهية معروفة.

في لبنان، الحديث عن المال وتداوله أمر شائع بكثرة، خاصة أيام الترشح للإنتخابات، وتأليف اللوائح. يعرف الجميع أن زعماء اللوائح، وهم يعلنون كالمعتاد عن إهتمامهم ب”مصلحة الشعب العليا” وحرصهم على سعادته، يفتشون، في الخفاء، عن الأثرياء لتمويل لوائحهم، ويبدلون، بسهولة فائقة، ثريّا بثريّ أشدّ ثراءًا. وحظّ الأثرياء بالحصول على مقعد نيابي و/أو وزاري كبير جدا في سوق البيع والشراء والعرض والطلب السياسيّ. هذا مصدر تمويل لزعماء الطوائف واللوائح، بالإضافة إلى ما يأتيهم من منابع المال المعروفة خارج لبنان. يستطيع اللبنانيون، بحدسهم السياسيّ وبحاسة شمّهم القوية جدا للمال، أن يحزروا مَنْ يموِّل مَنْ، ومَنْ يُوَجِّه مَنْ، في كل المجالات السياسية والإعلامية.

بالنسبة للبنان، الناحية الجوهرية في موضوع التمويل المهمّ، والذي لا بدّ منه، هي من أين يأتي هذا التمويل، ولأية غاية، وما مدى تأثير هذا التمويل، سلبا أو إيجابا، على الحياة السياسية في لبنان، وعلى حياة الشعب اللبناني.

ثمة ساسة في لبنان، خارج الحكم وداخله (مع إعلامهم الخاص) تأتيهم الأموال من الخارج (المعروف جيدا من الشعب اللبناني، كما أشرنا) ل”شراء” الضمائر، أي رشوة ما أمكن من وسائل الإعلام، ومن أصوات الشعب الفقير المحتاج، في فترة الإنتخابات النيابية، ومن أصوات النواب والوزراء في الحكم، لكي ينفِّذوا سياسة الخارج ويخدموا مصالحه لا مصالح الشعب. ومن أولى مصالح هذا الخارج الواضحة وضوح الشمس، هي خدمة مصالح الكيان العنصري الصهيوني في فلسطين وحماته وداعميه في الغرب وفي “الشرق الأوسط الجديد”. وأجمل خدمة لهذا الكيان، إنما هي، على الأقل، البدء بإضعاف المقاومة القوية في لبنان وتشويه صورتها الناصعة أمام الرأي العام، وجعلها تخسر في الإنتخابات النيابية مع مؤيديها (حاولوا ذلك في الإنتخابات الأخيرة وفشلوا)، لاستحالة ضربها والقضاء عليها، كما يشتهي كارهوها في الداخل اللبناني والخارج، ومحبو العدوّ الصهيوني العنصري.

لذلك، إن الأموال قد تدفقت بسخاء على الزعماء المعروفين المتعاونين، دون أي خجل، مع الخارج، لأجل ربح الإنتخابات ضدّ المقاومة، كما ذكرنا، وإضعافها، على الأقل، سياسيا. أجل، هكذا وبكل بساطة. ويُسَمّون هذا المال ب”المال السياسي”. غايته زرع الفتنة بين اللبنانيين لا خلق مشاريع عمرانية تحسّن حياة الشعب اللبناني، مثلا، أو تسليح قوى الجيش وقوى الأمن الداخلي في مواجهتهما للعدوّ العنصري الصهيوني وإرهابيّيه. ويتحدّث الناس والإعلام عن منّ وسلوى المال النازل على بعض الزعماء من سماء الصحاري، بكل بساطة وحرية، وكأنه أمر عادي. إنه، في الحقيقة “مال الخيانة العظمى” للوطن اللبناني. ألا يستحقّ ما حصل وما سوف يحصل تدخّل الدولة لمحاسبة قابضي المال بتهمة الخيانة، أم أنها تتدخّل فقط وتستقوي وتحرّك القضاء ضدّ أفراد من أبناء الشعب بتهمة الخيانة والتعامل مع العدو،ّ ثم تعود عنها، وضدّ أفراد انتقدوها وعبّروا عن رأيهم ورأي غيرهم بحرية، أو ربما، بوقاحة زائدة؟ هل تحوّل مفهوم ومعنى “الخيانة العظمى” للوطن إلى وجهات نظر عديدة ومختلفة ومتناقضة، تبعا لأمزجة ومصلحة حاملي الألقاب العظيمة، ومطرقة وصولجان السلطة والحكم في الدولة، والمتماهين وحدهم مع الوطن، وكأنّ “الخيانة العظمى” هي فقط، في ظنّهم، خيانة لشخصهم الفريد؟ لقد شوّهوا معنى الوطن الحقيقي ألا وهو الشعب وقادته الصالحون والأرض، لا الزعماء وحدهم. هل تمّ فينا، يا ترى، قولُ الشاعر أديب إسحق:

“قتل امرئٍ في غابةٍ جريمةٌ لا تُغتَفر
وقتل شعبٍ آمنٍ مسأَلةٌ فيها نظر”؟

ثمّ، ما الذي يمنع الدولة من إثبات وجودها “خارجيا” أيضا، في أخذ موقف شجاع وصارم من هذا “الخارج” الوقح، الباطنيّ، الخبيث، المعروف، الذي يتدخل دائما بشؤون الشعب اللبناني (وشؤون الدول العربية وغيرها)، والكفّ عن مداراة خاطره والإعتذار منه واستعطافه لاستدرار “مَكْرُمَاتِهِ”، والكفّ عن عبادة أصنام آلهة الذهب في هيكله الدّنِس، غير المقدس؟

إن سياسة هذا الخارج الخبيث بنواياه وماله، هي إبقاء لبنان وطنا ممزّقا ومنقسما على ذاته، وطنا يستقوي فيه فريق على فريق آخر، وطنا مضروبةٌ فيه روحيّةُ الشراكة الحقيقية التي تعطي لبنان معنى كونه وطن الرسالة والتي هي أساس وجود لبنان، وطنا بلا هوية وبلا سيادة وبلا استقلال، وبلا كرامة، وبلا قرار حرّ، وطنا مشلولا، ضعيفا، لا إرادة له ولا رأي، ولا قيمة، يعيش على فتات زعمائه الذين يعيشون، بدورهم، على فتات أسيادهم في الخارج، وعلى طاعة أوامرهم.

كل ذلك، من أجل ماذا، ومن أجل من؟ وإلى أين؟

إنها شهوة الزعماء اللبنانيين القوية، الجامحة، للمال والعظمة والمجد والقوّة، ولازدهارهم الدائم هم وحدهم مع عائلاتهم وحاشيتهم، على حساب الوطن المنازع. إنه استعدادهم الدائم لإرضاء حكومات الخارج المعروفة، الإقليمية والعالمية، ونسيان الشعب اللبناني واحتقاره، ومحو وجوده. إن هذا الشعب المظلوم ينبغي، في الحقيقة، أن يعني ويمثل ويجسِّد، هو وحده، الوطن اللبناني، وقد احتكر زعماؤه إسم الوطن لوحدهم، واختزلوا وجوده بوجودهم هم، وكأنْ لا شعب.

لا فائدة أبدا للشعب اللبناني من تزلّم وتزلّف وخضوع زعمائه لدول الخارج وخيانتهم للوطن، من أجل استجداء المال. لم يأتِهِ حتى اليوم سوى الأذى والمذلّة من تصرّف زعمائه هذا.

إن دول الخارج مستقوية بالمال والسلاح وطموح السيطرة، وهي تتلذّذُ تلذّذا متوحشا مريضا باستعباد الشعوب، وامتصاص دمائها لتتغذّى وتَتَقوّى منها، ولتحيا هي وحدها حياة الرفاهية والصحة والعز والمجد. وهي تنقل باستمرار عدوى مصّ دماء الشعوب إلى كل ساسة العالم الضِّعاف النفوس، الأذلّاء، سحرة القبائل البشرية الخبثاء، الخاضعين خضوعا أعمى لنفوذ سحرة أكبر منهم وأقوى، هم بدورهم مسحورون بسحر شيطان “القوة الخفيّة” التلمودية، التي تملك معظم ثروات الكرة الأرضية، وتعبد الشيطان. إنه سحر التخطيط الجهنّمي، العبقري، لخلق الحروب والمجاعات والأمراض وتدمير أخلاق الشعوب وإفقارها وتنقيص عددها واستعبادها، وسحر المال الذي يشلّ العقل والإرادة، ويقتل روح المحبة والرحمة في قلوب ضحاياه.

هذه الحقائق ليست أسرارا لا يعرفها إلا خارقو الذكاء. إنها حقائق مُتَداوَلة بين بعض أبناء الشعب القلائل الواسعي الإطّلاع، وفي بعض وسائل ومواقع الإعلام المحلية والعالمية، القليلة والجريئة، والمغضوب عليها والمستهدَفَة من آلهة المال والشرّ، لا مجرّد وجهات نظر قابلة للنقاش. أجل، إنها حقائق. وعلى سبيل المثال لا الحصر، ما جرى ويجري حولنا من ثورات وأعمال عنف وإرهاب في بعض الدول العربية، تحت شعار “الربيع العربي”، لم يعد خافيا على أحد أهدافها ونواياها الظاهرة والخفيّة، وأدواتها ومصادر تدريبها وتمويلها، وقد تحوّل هذا “الربيع” في الواقع إلى “جحيم عربي”. ورافق “الربيع العربي” هذا “ربيع” إرهابيّ آخر في سوريا ولبنان والعراق واليمن. إن هذا الواقع المأساوي يشكّل البرهان الكافي على نوايا وأعمال واسلوب نخبة شريرة تحاول السيطرة على الكرة الأرضية بكاملها، هي نخبة فلاسفة بدعة “العولمة” و”الفوضى الخلاقة”، من أجل بناء “النظام العالمي الجديد” لتبرير امتصاص دم الشعوب وحكوماتها وتدمير جيوشها وهويتها وحضارتها. و”الربيع”، في نهاية الأمر، إنما كان وما زال “ربيع” مصّاصي الدماء هؤلاء وحدهم.

هذا هو الأمر الواقع المؤلم، وثمّة عجز كامل عن مواجهته والتخلص منه.

عندنا، في لبنان، العلّة معروفة، والدواء معروف، ولكنّ المريضَ، أي الشعب، وأطباءَه، أي الزعماء، يرفضون الإعتراف بوجود المرض، ويرفضون الدواء والشفاء. هذا وضعٌ، أي إبقاء المريض مريضا، وإبقاء الدواء بعيد المنال، يناسب أطباء الشعب وسَحَرَته الساسة الطفيليّين، مصّاصي الدماء، عبدة المال وعبدة ذواتهم المريضة، ليحافظوا على سلطتهم، ومراكزهم، وعظمتهم، وجيوشهم الخاصة، ونموّ ثرواتهم، وطول عمرهم. وأما الشعب المريض فهو عاجز، لا يستطيع أن يثور في الشارع، لكثرة الطوائف والمذاهب والولاءات العمياء وتناقض المصالح، ولإنعدام الثقة الحقيقية وصعوبة الوحدة الحقيقية بين زعماء وأبناء الشعب الواحد. حتى الجوع لم ينجح في توحيد هذا الشعب، ولا التلوث ولا النفايات، ولا الأمراض، ولا خطر الإرهاب الداهم والدائم، ولا الحروب، ولا الزلازل، ولا العدوّ الصهيوني المشترك، ولا روعة جمال لبنان، ولا شيء.

هل من خلاص؟

يبقى الخلاص بيد الأقلية القليلة العاجزة، الصامتة، المعذّبة، (الموجودة في لبنان) من نُخَبِ الشعب والمسؤولين الواعين والأشراف والصادقين والمخلصين، الذين لا يملكون قصورا ويخوتا وطائرات، مثل الساسة الإسخريوطيّين الذين باعوا أنفسهم وشعبهم لكتبة وفريسيّي الخارج بثلاثين من الفضة وأكثر، ولا يملكون جيوشا سرية تحمي مصالحهم ووجودهم فقط، ووسائل إعلام مأجورة تروّج للباطل وتطمس الحقيقة عن الشعب، والذين لا يملكون المال اللازم للتحرّك، والذين لا يجدون مَنْ يموّل قضاياهم الشريفة دون أن يستعبدهم.

إننا نحلم بقائد عظيم (من تراه يكون؟) يقود هذه الأقلية الواعية الصالحة، بدعم من أقلية صالحة متموّلة، يأخذ المبادرة الشجاعة، فورا، بإعلان حالة طوارىء فكرية وأخلاقية وروحية، ضد شرّ الزحافات البشرية الكونية التي تغلغلت وبشكل غير مسبوق، في دماء بعض ساستنا، بملء إرادتهم، وسيطرت على عقولهم وأرواحهم، وأصبحوا، مثل أسيادهم، زحافات لا يمكنها إلا أن تعيش على امتصاص دم الشعب اللبناني، وتفريغه من حيويته، وإبقائه مريضا فاقد الإرادة والأمل والعقل.

إننا نأمل بقوّة، مهما اشتدّت ظلمات الشر من حولنا، بإعلان حالة طوارىء، تبدأ بحملة قوية، لا من أجل تنظيف وتطهير أرض لبنان من النفايات ومن متسوّلي الطرقات ذوي العاهات في المدن والقرى وحسب، ولا من أجل سلامة الغذاء والماء والدواء وحسب، بل أيضا وقبل كل شيء، من أجل تنظيف وتطهير أرض لبنان من بشاعة ونتن الساسة ذوي العاهات الأخلاقية والنفسية والروحية، الذين هم أصل الشر، والذين يتسوّلون المال زحفا على بطونهم، ولكن برأس مرفوع وب”شرف” وعنفوان، من مصّاصي دماء الخارج، ليمتصّوا هم بدورهم دم الشعب اللبناني، وهم لا يستحون من فعلتهم هذه، ولا الشعب يحاسبهم، حتى لو أصابتهم فجأة، بين ليلة وضحاها، وبسحر ساحر، نفخة وتخمة الغنى والقصور والسيارات الفخمة والطائرات واليخوت، وحتى لو ضُبِطوا بالجرم المشهود، وشهّرت بهم وكالة “ويكيليكس” أكثر من مرّة، بإيعاز (يسمى بال”تسريب”) هو خفيّ وواضح ومُغرِض وخبيث، من قبل أسياد الخارج “المتنوّرين” بالذات، لتحجيم الزعماء المتكبرين، المغرورين، المتذاكين، وإبقائهم عبيدا أذلّاء، تحت رحمة أسيادهم، أو إبدالهم بآخرين ينتظرون دورهم لخدمة إبليس.

إنها، أي حالة الطوارىء وحملة التوعية والتنظيف، الطريقة الوحيدة لتوعية الشعب اللبناني المخدَّر، العاجز، ولإنقاذه من كل الذين يمتصّون دمه وحيويته ليظلوا هم وحدهم أصحّاء وسعداء ومديدي العمر، ويمنعوه من أن يكون له نصيبٌ بحياة كريمة، مشرِّفة، ومستقبل زاهر.

أين هي القلّة القليلة الواعية لتعلنَ حالة الطوارىء بالفعل لا بالكلام والتمنّي؟

أين هو القائد الجريء، الصادق، العظيم، الذي يستطيع أن يقود القلّة الواعية في حملة مقاوَمة روحية وأخلاقية وفكرية شرسة، مستمرّة، لفلول الزحافات المحلية والعالمية ومصّاصي دم الشعوب؟

ولكن، ولكن، ولكن، وهنا نصرخ صرختنا الكبيرة المدوّية:

اين هم الأغنياء الصالحون الذين يعيشون في الظلّ، ليموّلوا حملة التوعية هذه، خاصة في الإعلام، تمويلا داخليا ذاتيا يُغني الشعب اللبناني عن تمويل الخارج الشرير، وليموّلوا أيضا، وبنوع خاص، الجيش اللبناني بعدته وعديده، ضدّ قوى الشرّ المستقوية دائما، والذي لا ينضب أبدا معين تمويلها، ومن هنا سبب نجاحها الدائم والمتنامي بسرعة فائقة في التعدّي والإرهاب والتدمير والسيطرة والإفساد؟

ليت بداية الثورة تحدث اليوم، فيتغيّر كل المشهد السياسيّ الحاليّ، ويرتاح الشعب كله، ويتنفس الصعداء، ولو أُصيبَ (ولا بأس أبدا) معظم ساسته المتكبّرين من أتباع الشيطان وعبدة المال، بنكبة كبرى، ونكسة مُذِلّة، وخيبة أمل قاتلة.

بداية الثورة هي، بكل بساطة، أن يرفض الشعب إعادة إنتخاب الأشخاص أنفسهم الذين أوصلوه إلى وضعه التعيس اليوم، وأن يرفض رشوة مالهم ووعودهم الكاذبة، وأن يرفض تصديق الإعلام المأجور من الخارج والمُسْتَعْبدِ له. وعلى الشعب أيضا أن يرفض الخضوع لأي قانون انتخاب جديد خبيث، يحجّم قدرته على حرية اختيار مرشح واحد أو أكثر، ويجبره على إسقاط لوائح بكاملها في صندوق الإقتراع.

ساعتئذ، تتغير حياة الشعب اللبناني نحو الأفضل، وكل كوابيسه تزول.

إن النُّخَبَ الجيدة لا تستطيع شيئا، والقائد العظيم لا يستطيع شيئا، إذا لم يكن ثمة تمويل وطنيّ ذاتيّ، كافٍ ومستمرّ، لنشاط النخب والقائد ضدّ قوى الشرّ المتزايدة والمستقوية والمُمَوَّلَة بشكل جيّد ودائم. المال ضرورة ملحة في عالم السياسة، خاصة لدعم قضايا الخير. إنه، كما أشرنا في مقدمة المقال، خير لا بدّ منه، لا شرٌّ، إذا استعمله الأغنياء المموِّلون والساسة المُمَوَّلون بنية صافية لغايات وأهداف نبيلة، شريفة.

إن المشكلة المزمنة والمُستحكِمَة التي يعاني منها الأغنياء الصالحون، إجمالا، هي أنهم يتجنبون الإلتزام بتمويل ودعم أية قضيّة عدل وحق، رغم اقتناعهم بجدوى هذا الإلتزام، وإن فعلوا فبتحفظ وتردّد وحذر، وسرعان ما ينسحبون إلى واحة حياة آمنة، هادئة، هانئة، لا يخافون فيها على فقدان مالهم، ولا يقلقون فيها على حياتهم وحياة عيالهم من غدر وانتقام جيوش الزحافات ومصاصي الدماء الأقوياء، الذين لا يرحمون كل من يقاومهم، وكل من يفضح شرّهم، وكل من يرفض التعامل معهم. لذلك، يتكرّر الواقع المأساوي المرير عبر التاريخ، ألا وهو أنّ قوى الشرّ تنشط وتتكاثر باستمرار، وهي دائما أقوى بكثير من قوى الخير المتخاذِلة، المُنكفِئَة على ذاتها. لذلك يصبح المال، جراء استعماله بنوايا شريرة، شرأ لا بدّ منه، في نظر الصالحين. أما بالنسبة للأشرار، فهو دائما “خير” لا بدّ منه.

نكرّر صرختنا، في مسك الختام، وطبول الحرب والإرهاب تقرعها بعنف ودون توقف، من حولنا وفي عقر دارنا، أيدي الشرّ الخبيثة الملطخة بالدماء:

أين هي نخب قوى الخير الشجاعة المموِّلة؟

أين هي نخب قوى الفكر والروح والأخلاق القليلة الواعية؟

أين هي الخميرة الصالحة تفعل فعلها الجيّد في عجين الوطن كله؟

أين هو ذلك القائد الحكيم، الصادق، المخلص، التقيّ، الزاهد، النزيه، العظيم، المتواضع، الملهَم، الذي يستطيع أن يقود الثورة المُمَوَّلَة طَوْعًا من قوى الخير والعدل والنور الوطنية، ضدّ قوى الشرّ والظلم والظلام، ويهزمها؟

لبنان:  إيلي أنطون شويري

إن المال، كما هو معروف، لا بدّ منه في حياة الإنسان، في كل المجتمعات والعصور. ولكنه، بحدّ ذته، ليس شرّا، أو خيرا. إن نيّة الإنسان من وراء استعماله، هي التي تمنحه إحدى هاتين الصِفتَيْن، فيصبح شرا لا بدّ منه أو خيرا لا بدّ منه. إن معنى مال الإحسان، مثلا، للجمعيات الدينية والخيرية والإجتماعية، من أجل بناء المشاريع الإنسانية والعمرانية والتربوية (مستشفى، مدرسة، ميتم، مأوى عجزة، معمل…)، على مدار السنين، وليس فقط أيام الإنتخابات، دون غاية مشبوهة ودون مِنّة من العاطي، يحمل معنى الخير فيه، ويختلف تماما عن معنى مال الرشوة والإستغلال والخداع والخيانة والفتنة والجريمة والحروب والقتل وشراء الضمائر والإستعباد، الذي لا يحمل فيه إلا معنى الشرّ للمجتمع البشري المسالم، البريء، ومعنى “الخير” للأبالسة فقط، بحسب مفهوم الأبالسة للخير. في كلتا الحالتين، إذًا، المال لا بدّ منه.

لا أحد يجهل سحر المال، ومعنى المال ورمزه وقيمته وفائدته وضرورته، وقوة تأثيره في حياة البشرية جمعاء، اليوم، وفي كل حقبات التاريخ. ولا أحد يجهل أن المال هو المحرّك الأساسيّ والأهمّ لنشاط البشر، وهو غايتهم لاستحقاق عمل منتج، ووسيلتهم من أجل تأمين حياة كريمة، محترمة، مريحة، مقبولة ومُعترَفٌ بها في مجتمع لا شيء فيه مجّانيّ، ومن أجل تجنّب حياة العوَز والفقر والإستعطاء والمذلّة. الإنسان، بلا مال، مُهْمَلٌ ومنبوذٌ من مجتمعه، يموت موتا بطيئا من الإحتقار والشماتة والقهر والبرد والجوع والمرض، وهو ينتظر حسنة محسن ورحمة رحيم من مجتمعٍ قاسي القلب.

هذا السحر الذي لا يُقاوَم، والذي لا يقاوِمه أحد في كل الحالات (باستثناء القديسين والزاهدين في الدنيا)، يستعمله بعض الناس الأثرياء، في مشاريع تُسَمَّى بالإستثمارات، لشراء خدمات الآخرين، من عمال وموظفين، ومكافأتهم على تعبهم وجهدهم، وهؤلاء يمثِّلون أكثرية الناس المكافحين والمحتاجين للعمل والمال من أجل تحصيل لقمة عيشهم واستحقاق أجرهم، والحفاظ على كرامتهم، والبقاء على قيد الحياة.

إن شراء خدمات الآخرين على يد كل ذي مال، يتَّخذُ إجمالا منحى ومعنى الإستغلال والإستعباد. يتمّ ذلك برضى الفريقَيْن، العاطي والآخذ، بحكم الحاجة والمصلحة المشتركة، ولو كانت هذه المصلحة، بالنسبة للآخذ المحتاج، “شرا” لا بدّ منه، إن صحّ التعبير. هذه ظاهرة نراها في كل مرافق العمل والإنتاج والخدمات، وهي ضرورية لاستمرارية الحياة والتطوّر والتاريخ، بصرف النظر عن دوافع أصحاب الرأسمال ومصادر التمويل، ونواياهم السيئة المبيّتة أو الظاهرة الحسنة، وعن حتميّة وجود مَواطِن خَلَل، وفقدان التوازن في ميزان الظلم والعدل في مجالات هذه الظاهرة، بحكم الطبع البشري المحكوم بالنقص، والمسكون والمُوَجَّه، قبل اكتمال التربية الأخلاقية ونموّ العقل، بغرائز الطمع والربح والإستغلال والسيطرة واللّارحمة، وبغريزة الأخذ أكثر من العطاء.

إذًا، إنه المال الذي “يصنع كل شيء” حسب القول الشائع. إنه المال الذي قيل عنه أنه “عصب الحياة”، وأنه “يتكلّم” و”يحرّك” العالم. والإفلاس، أي عدم توفر المال، يعني نهاية الدافع إلى الحركة والإنتاج، ويعني توقف “عجلة” التاريخ وموت أي مشروع. في عالم السياسة، مثلا، الذي يهمّنا هنا، معلوم أنّ المحرّك الأساسيّ لهذا العالم، من وراء الكواليس وعَلَنًا، هو الإقتصاد، أي مال أصحاب رأس المال. إنها حقائق بديهية معروفة.

في لبنان، الحديث عن المال وتداوله أمر شائع بكثرة، خاصة أيام الترشح للإنتخابات، وتأليف اللوائح. يعرف الجميع أن زعماء اللوائح، وهم يعلنون كالمعتاد عن إهتمامهم ب”مصلحة الشعب العليا” وحرصهم على سعادته، يفتشون، في الخفاء، عن الأثرياء لتمويل لوائحهم، ويبدلون، بسهولة فائقة، ثريّا بثريّ أشدّ ثراءًا. وحظّ الأثرياء بالحصول على مقعد نيابي و/أو وزاري كبير جدا في سوق البيع والشراء والعرض والطلب السياسيّ. هذا مصدر تمويل لزعماء الطوائف واللوائح، بالإضافة إلى ما يأتيهم من منابع المال المعروفة خارج لبنان. يستطيع اللبنانيون، بحدسهم السياسيّ وبحاسة شمّهم القوية جدا للمال، أن يحزروا مَنْ يموِّل مَنْ، ومَنْ يُوَجِّه مَنْ، في كل المجالات السياسية والإعلامية.

بالنسبة للبنان، الناحية الجوهرية في موضوع التمويل المهمّ، والذي لا بدّ منه، هي من أين يأتي هذا التمويل، ولأية غاية، وما مدى تأثير هذا التمويل، سلبا أو إيجابا، على الحياة السياسية في لبنان، وعلى حياة الشعب اللبناني.

ثمة ساسة في لبنان، خارج الحكم وداخله (مع إعلامهم الخاص) تأتيهم الأموال من الخارج (المعروف جيدا من الشعب اللبناني، كما أشرنا) ل”شراء” الضمائر، أي رشوة ما أمكن من وسائل الإعلام، ومن أصوات الشعب الفقير المحتاج، في فترة الإنتخابات النيابية، ومن أصوات النواب والوزراء في الحكم، لكي ينفِّذوا سياسة الخارج ويخدموا مصالحه لا مصالح الشعب. ومن أولى مصالح هذا الخارج الواضحة وضوح الشمس، هي خدمة مصالح الكيان العنصري الصهيوني في فلسطين وحماته وداعميه في الغرب وفي “الشرق الأوسط الجديد”. وأجمل خدمة لهذا الكيان، إنما هي، على الأقل، البدء بإضعاف المقاومة القوية في لبنان وتشويه صورتها الناصعة أمام الرأي العام، وجعلها تخسر في الإنتخابات النيابية مع مؤيديها (حاولوا ذلك في الإنتخابات الأخيرة وفشلوا)، لاستحالة ضربها والقضاء عليها، كما يشتهي كارهوها في الداخل اللبناني والخارج، ومحبو العدوّ الصهيوني العنصري.

لذلك، إن الأموال قد تدفقت بسخاء على الزعماء المعروفين المتعاونين، دون أي خجل، مع الخارج، لأجل ربح الإنتخابات ضدّ المقاومة، كما ذكرنا، وإضعافها، على الأقل، سياسيا. أجل، هكذا وبكل بساطة. ويُسَمّون هذا المال ب”المال السياسي”. غايته زرع الفتنة بين اللبنانيين لا خلق مشاريع عمرانية تحسّن حياة الشعب اللبناني، مثلا، أو تسليح قوى الجيش وقوى الأمن الداخلي في مواجهتهما للعدوّ العنصري الصهيوني وإرهابيّيه. ويتحدّث الناس والإعلام عن منّ وسلوى المال النازل على بعض الزعماء من سماء الصحاري، بكل بساطة وحرية، وكأنه أمر عادي. إنه، في الحقيقة “مال الخيانة العظمى” للوطن اللبناني. ألا يستحقّ ما حصل وما سوف يحصل تدخّل الدولة لمحاسبة قابضي المال بتهمة الخيانة، أم أنها تتدخّل فقط وتستقوي وتحرّك القضاء ضدّ أفراد من أبناء الشعب بتهمة الخيانة والتعامل مع العدو،ّ ثم تعود عنها، وضدّ أفراد انتقدوها وعبّروا عن رأيهم ورأي غيرهم بحرية، أو ربما، بوقاحة زائدة؟ هل تحوّل مفهوم ومعنى “الخيانة العظمى” للوطن إلى وجهات نظر عديدة ومختلفة ومتناقضة، تبعا لأمزجة ومصلحة حاملي الألقاب العظيمة، ومطرقة وصولجان السلطة والحكم في الدولة، والمتماهين وحدهم مع الوطن، وكأنّ “الخيانة العظمى” هي فقط، في ظنّهم، خيانة لشخصهم الفريد؟ لقد شوّهوا معنى الوطن الحقيقي ألا وهو الشعب وقادته الصالحون والأرض، لا الزعماء وحدهم. هل تمّ فينا، يا ترى، قولُ الشاعر أديب إسحق:

“قتل امرئٍ في غابةٍ جريمةٌ لا تُغتَفر
وقتل شعبٍ آمنٍ مسأَلةٌ فيها نظر”؟

ثمّ، ما الذي يمنع الدولة من إثبات وجودها “خارجيا” أيضا، في أخذ موقف شجاع وصارم من هذا “الخارج” الوقح، الباطنيّ، الخبيث، المعروف، الذي يتدخل دائما بشؤون الشعب اللبناني (وشؤون الدول العربية وغيرها)، والكفّ عن مداراة خاطره والإعتذار منه واستعطافه لاستدرار “مَكْرُمَاتِهِ”، والكفّ عن عبادة أصنام آلهة الذهب في هيكله الدّنِس، غير المقدس؟

إن سياسة هذا الخارج الخبيث بنواياه وماله، هي إبقاء لبنان وطنا ممزّقا ومنقسما على ذاته، وطنا يستقوي فيه فريق على فريق آخر، وطنا مضروبةٌ فيه روحيّةُ الشراكة الحقيقية التي تعطي لبنان معنى كونه وطن الرسالة والتي هي أساس وجود لبنان، وطنا بلا هوية وبلا سيادة وبلا استقلال، وبلا كرامة، وبلا قرار حرّ، وطنا مشلولا، ضعيفا، لا إرادة له ولا رأي، ولا قيمة، يعيش على فتات زعمائه الذين يعيشون، بدورهم، على فتات أسيادهم في الخارج، وعلى طاعة أوامرهم.

كل ذلك، من أجل ماذا، ومن أجل من؟ وإلى أين؟

إنها شهوة الزعماء اللبنانيين القوية، الجامحة، للمال والعظمة والمجد والقوّة، ولازدهارهم الدائم هم وحدهم مع عائلاتهم وحاشيتهم، على حساب الوطن المنازع. إنه استعدادهم الدائم لإرضاء حكومات الخارج المعروفة، الإقليمية والعالمية، ونسيان الشعب اللبناني واحتقاره، ومحو وجوده. إن هذا الشعب المظلوم ينبغي، في الحقيقة، أن يعني ويمثل ويجسِّد، هو وحده، الوطن اللبناني، وقد احتكر زعماؤه إسم الوطن لوحدهم، واختزلوا وجوده بوجودهم هم، وكأنْ لا شعب.

لا فائدة أبدا للشعب اللبناني من تزلّم وتزلّف وخضوع زعمائه لدول الخارج وخيانتهم للوطن، من أجل استجداء المال. لم يأتِهِ حتى اليوم سوى الأذى والمذلّة من تصرّف زعمائه هذا.

إن دول الخارج مستقوية بالمال والسلاح وطموح السيطرة، وهي تتلذّذُ تلذّذا متوحشا مريضا باستعباد الشعوب، وامتصاص دمائها لتتغذّى وتَتَقوّى منها، ولتحيا هي وحدها حياة الرفاهية والصحة والعز والمجد. وهي تنقل باستمرار عدوى مصّ دماء الشعوب إلى كل ساسة العالم الضِّعاف النفوس، الأذلّاء، سحرة القبائل البشرية الخبثاء، الخاضعين خضوعا أعمى لنفوذ سحرة أكبر منهم وأقوى، هم بدورهم مسحورون بسحر شيطان “القوة الخفيّة” التلمودية، التي تملك معظم ثروات الكرة الأرضية، وتعبد الشيطان. إنه سحر التخطيط الجهنّمي، العبقري، لخلق الحروب والمجاعات والأمراض وتدمير أخلاق الشعوب وإفقارها وتنقيص عددها واستعبادها، وسحر المال الذي يشلّ العقل والإرادة، ويقتل روح المحبة والرحمة في قلوب ضحاياه.

هذه الحقائق ليست أسرارا لا يعرفها إلا خارقو الذكاء. إنها حقائق مُتَداوَلة بين بعض أبناء الشعب القلائل الواسعي الإطّلاع، وفي بعض وسائل ومواقع الإعلام المحلية والعالمية، القليلة والجريئة، والمغضوب عليها والمستهدَفَة من آلهة المال والشرّ، لا مجرّد وجهات نظر قابلة للنقاش. أجل، إنها حقائق. وعلى سبيل المثال لا الحصر، ما جرى ويجري حولنا من ثورات وأعمال عنف وإرهاب في بعض الدول العربية، تحت شعار “الربيع العربي”، لم يعد خافيا على أحد أهدافها ونواياها الظاهرة والخفيّة، وأدواتها ومصادر تدريبها وتمويلها، وقد تحوّل هذا “الربيع” في الواقع إلى “جحيم عربي”. ورافق “الربيع العربي” هذا “ربيع” إرهابيّ آخر في سوريا ولبنان والعراق واليمن. إن هذا الواقع المأساوي يشكّل البرهان الكافي على نوايا وأعمال واسلوب نخبة شريرة تحاول السيطرة على الكرة الأرضية بكاملها، هي نخبة فلاسفة بدعة “العولمة” و”الفوضى الخلاقة”، من أجل بناء “النظام العالمي الجديد” لتبرير امتصاص دم الشعوب وحكوماتها وتدمير جيوشها وهويتها وحضارتها. و”الربيع”، في نهاية الأمر، إنما كان وما زال “ربيع” مصّاصي الدماء هؤلاء وحدهم.

هذا هو الأمر الواقع المؤلم، وثمّة عجز كامل عن مواجهته والتخلص منه.

عندنا، في لبنان، العلّة معروفة، والدواء معروف، ولكنّ المريضَ، أي الشعب، وأطباءَه، أي الزعماء، يرفضون الإعتراف بوجود المرض، ويرفضون الدواء والشفاء. هذا وضعٌ، أي إبقاء المريض مريضا، وإبقاء الدواء بعيد المنال، يناسب أطباء الشعب وسَحَرَته الساسة الطفيليّين، مصّاصي الدماء، عبدة المال وعبدة ذواتهم المريضة، ليحافظوا على سلطتهم، ومراكزهم، وعظمتهم، وجيوشهم الخاصة، ونموّ ثرواتهم، وطول عمرهم. وأما الشعب المريض فهو عاجز، لا يستطيع أن يثور في الشارع، لكثرة الطوائف والمذاهب والولاءات العمياء وتناقض المصالح، ولإنعدام الثقة الحقيقية وصعوبة الوحدة الحقيقية بين زعماء وأبناء الشعب الواحد. حتى الجوع لم ينجح في توحيد هذا الشعب، ولا التلوث ولا النفايات، ولا الأمراض، ولا خطر الإرهاب الداهم والدائم، ولا الحروب، ولا الزلازل، ولا العدوّ الصهيوني المشترك، ولا روعة جمال لبنان، ولا شيء.

هل من خلاص؟

يبقى الخلاص بيد الأقلية القليلة العاجزة، الصامتة، المعذّبة، (الموجودة في لبنان) من نُخَبِ الشعب والمسؤولين الواعين والأشراف والصادقين والمخلصين، الذين لا يملكون قصورا ويخوتا وطائرات، مثل الساسة الإسخريوطيّين الذين باعوا أنفسهم وشعبهم لكتبة وفريسيّي الخارج بثلاثين من الفضة وأكثر، ولا يملكون جيوشا سرية تحمي مصالحهم ووجودهم فقط، ووسائل إعلام مأجورة تروّج للباطل وتطمس الحقيقة عن الشعب، والذين لا يملكون المال اللازم للتحرّك، والذين لا يجدون مَنْ يموّل قضاياهم الشريفة دون أن يستعبدهم.

إننا نحلم بقائد عظيم (من تراه يكون؟) يقود هذه الأقلية الواعية الصالحة، بدعم من أقلية صالحة متموّلة، يأخذ المبادرة الشجاعة، فورا، بإعلان حالة طوارىء فكرية وأخلاقية وروحية، ضد شرّ الزحافات البشرية الكونية التي تغلغلت وبشكل غير مسبوق، في دماء بعض ساستنا، بملء إرادتهم، وسيطرت على عقولهم وأرواحهم، وأصبحوا، مثل أسيادهم، زحافات لا يمكنها إلا أن تعيش على امتصاص دم الشعب اللبناني، وتفريغه من حيويته، وإبقائه مريضا فاقد الإرادة والأمل والعقل.

إننا نأمل بقوّة، مهما اشتدّت ظلمات الشر من حولنا، بإعلان حالة طوارىء، تبدأ بحملة قوية، لا من أجل تنظيف وتطهير أرض لبنان من النفايات ومن متسوّلي الطرقات ذوي العاهات في المدن والقرى وحسب، ولا من أجل سلامة الغذاء والماء والدواء وحسب، بل أيضا وقبل كل شيء، من أجل تنظيف وتطهير أرض لبنان من بشاعة ونتن الساسة ذوي العاهات الأخلاقية والنفسية والروحية، الذين هم أصل الشر، والذين يتسوّلون المال زحفا على بطونهم، ولكن برأس مرفوع وب”شرف” وعنفوان، من مصّاصي دماء الخارج، ليمتصّوا هم بدورهم دم الشعب اللبناني، وهم لا يستحون من فعلتهم هذه، ولا الشعب يحاسبهم، حتى لو أصابتهم فجأة، بين ليلة وضحاها، وبسحر ساحر، نفخة وتخمة الغنى والقصور والسيارات الفخمة والطائرات واليخوت، وحتى لو ضُبِطوا بالجرم المشهود، وشهّرت بهم وكالة “ويكيليكس” أكثر من مرّة، بإيعاز (يسمى بال”تسريب”) هو خفيّ وواضح ومُغرِض وخبيث، من قبل أسياد الخارج “المتنوّرين” بالذات، لتحجيم الزعماء المتكبرين، المغرورين، المتذاكين، وإبقائهم عبيدا أذلّاء، تحت رحمة أسيادهم، أو إبدالهم بآخرين ينتظرون دورهم لخدمة إبليس.

إنها، أي حالة الطوارىء وحملة التوعية والتنظيف، الطريقة الوحيدة لتوعية الشعب اللبناني المخدَّر، العاجز، ولإنقاذه من كل الذين يمتصّون دمه وحيويته ليظلوا هم وحدهم أصحّاء وسعداء ومديدي العمر، ويمنعوه من أن يكون له نصيبٌ بحياة كريمة، مشرِّفة، ومستقبل زاهر.

أين هي القلّة القليلة الواعية لتعلنَ حالة الطوارىء بالفعل لا بالكلام والتمنّي؟

أين هو القائد الجريء، الصادق، العظيم، الذي يستطيع أن يقود القلّة الواعية في حملة مقاوَمة روحية وأخلاقية وفكرية شرسة، مستمرّة، لفلول الزحافات المحلية والعالمية ومصّاصي دم الشعوب؟

ولكن، ولكن، ولكن، وهنا نصرخ صرختنا الكبيرة المدوّية:

اين هم الأغنياء الصالحون الذين يعيشون في الظلّ، ليموّلوا حملة التوعية هذه، خاصة في الإعلام، تمويلا داخليا ذاتيا يُغني الشعب اللبناني عن تمويل الخارج الشرير، وليموّلوا أيضا، وبنوع خاص، الجيش اللبناني بعدته وعديده، ضدّ قوى الشرّ المستقوية دائما، والذي لا ينضب أبدا معين تمويلها، ومن هنا سبب نجاحها الدائم والمتنامي بسرعة فائقة في التعدّي والإرهاب والتدمير والسيطرة والإفساد؟

ليت بداية الثورة تحدث اليوم، فيتغيّر كل المشهد السياسيّ الحاليّ، ويرتاح الشعب كله، ويتنفس الصعداء، ولو أُصيبَ (ولا بأس أبدا) معظم ساسته المتكبّرين من أتباع الشيطان وعبدة المال، بنكبة كبرى، ونكسة مُذِلّة، وخيبة أمل قاتلة.

بداية الثورة هي، بكل بساطة، أن يرفض الشعب إعادة إنتخاب الأشخاص أنفسهم الذين أوصلوه إلى وضعه التعيس اليوم، وأن يرفض رشوة مالهم ووعودهم الكاذبة، وأن يرفض تصديق الإعلام المأجور من الخارج والمُسْتَعْبدِ له. وعلى الشعب أيضا أن يرفض الخضوع لأي قانون انتخاب جديد خبيث، يحجّم قدرته على حرية اختيار مرشح واحد أو أكثر، ويجبره على إسقاط لوائح بكاملها في صندوق الإقتراع.

ساعتئذ، تتغير حياة الشعب اللبناني نحو الأفضل، وكل كوابيسه تزول.

إن النُّخَبَ الجيدة لا تستطيع شيئا، والقائد العظيم لا يستطيع شيئا، إذا لم يكن ثمة تمويل وطنيّ ذاتيّ، كافٍ ومستمرّ، لنشاط النخب والقائد ضدّ قوى الشرّ المتزايدة والمستقوية والمُمَوَّلَة بشكل جيّد ودائم. المال ضرورة ملحة في عالم السياسة، خاصة لدعم قضايا الخير. إنه، كما أشرنا في مقدمة المقال، خير لا بدّ منه، لا شرٌّ، إذا استعمله الأغنياء المموِّلون والساسة المُمَوَّلون بنية صافية لغايات وأهداف نبيلة، شريفة.

إن المشكلة المزمنة والمُستحكِمَة التي يعاني منها الأغنياء الصالحون، إجمالا، هي أنهم يتجنبون الإلتزام بتمويل ودعم أية قضيّة عدل وحق، رغم اقتناعهم بجدوى هذا الإلتزام، وإن فعلوا فبتحفظ وتردّد وحذر، وسرعان ما ينسحبون إلى واحة حياة آمنة، هادئة، هانئة، لا يخافون فيها على فقدان مالهم، ولا يقلقون فيها على حياتهم وحياة عيالهم من غدر وانتقام جيوش الزحافات ومصاصي الدماء الأقوياء، الذين لا يرحمون كل من يقاومهم، وكل من يفضح شرّهم، وكل من يرفض التعامل معهم. لذلك، يتكرّر الواقع المأساوي المرير عبر التاريخ، ألا وهو أنّ قوى الشرّ تنشط وتتكاثر باستمرار، وهي دائما أقوى بكثير من قوى الخير المتخاذِلة، المُنكفِئَة على ذاتها. لذلك يصبح المال، جراء استعماله بنوايا شريرة، شرأ لا بدّ منه، في نظر الصالحين. أما بالنسبة للأشرار، فهو دائما “خير” لا بدّ منه.

نكرّر صرختنا، في مسك الختام، وطبول الحرب والإرهاب تقرعها بعنف ودون توقف، من حولنا وفي عقر دارنا، أيدي الشرّ الخبيثة الملطخة بالدماء:

أين هي نخب قوى الخير الشجاعة المموِّلة؟

أين هي نخب قوى الفكر والروح والأخلاق القليلة الواعية؟

أين هي الخميرة الصالحة تفعل فعلها الجيّد في عجين الوطن كله؟

أين هو ذلك القائد الحكيم، الصادق، المخلص، التقيّ، الزاهد، النزيه، العظيم، المتواضع، الملهَم، الذي يستطيع أن يقود الثورة المُمَوَّلَة طَوْعًا من قوى الخير والعدل والنور الوطنية، ضدّ قوى الشرّ والظلم والظلام، ويهزمها؟

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة تعبّر عن رأي صاحبها حصراً

المصدر:  النهضة نيوز

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

النهضة موقع عربي إخباري ثقافي إقتصادي, يهتم بقضايا الإنسان العادلة وينتصر لها بأي أرض وميدان كانت, ننشد النهضة لشعوبنا بعدما استوطنت أمية الحرف والفكر فيها وتم إستلاب وعيها, النهضة هي منبر لكل فكر حر يسعى للتنوير ولنشر المعرفة المنشودة لإستعادة الوعي الجمعيِ العربيِ المسلوب.

Copyright © 2018 Alnahda News

Powered BY