لماذا على مجلس النواب الاستقالة لحساب الحكومة؟

ناصر قنديل

– تدور نقاشات الحكومة حول الموازنة بلا منهجية وتسلسلية تتيح التقدم، فبعد مناقشة كل شيء تعود الحكومة للمرة الثالثة أو الرابعة لمناقشة كل شيء أيضاً، وقد تبقى على هذه الحالة أسابيع إضافية، وذلك يعود لكون ما تم التوافق عليه لا يلبي التطلعات التي وضعت لحجم التخفيض في عجز الموازنة من جهة، ولربط الإيفاء بتعهدات أطراف الحكومة بما التزموه تجاه القطاعات المعنية بالمساهمة في تخفيض العجز بشروط متبادلة كلما تقدم التفاوض حولها يعود التراجع ليظهر من جديد. والتعهدات تطال بشكل رئيسي تخفيضات تطال موظفي الدولة المدنيين والعسكريين من جهة، ومصرف لبنان والمصارف من جهة مقابلة، وفي ظل التفاهم على الحد الأدنى من هذه التعهدات يدور البحث المتواصل على الحد الأقصى فتحضر الشروط الجديدة.

– ما يعترف به الفرقاء المعنيون جميعاُ هو أنهم لم يسيروا على هدى منهج محدد في وضع معادلات الموازنة المالية والاقتصادية تجيب عن اسئلة حول كيفية تحريك عجلة الاقتصاد وزيادة مداخيل الدولة، وترشيق أدائها، بل دخل الجميع مناقشة الموازنة تحت ضغط السعي لتخفيض العجز بالتنقيب عن واردات يمكن تحصيلها، وعن نفقات يمكن تخفيضها، وبالتالي صارت الموازنة بمنهجيتها امتداداً لثنائية اقتصادية سياسية قامت عليها عملية بناء السياسة المالية خلال ثلاثة عقود، عنوانها قيام الدولة بتوفير استثمار مجدٍ مفتوح للمصارف بفوائد مرتفعة في سندات الخزينة تحت شعار تثبيت سعر الصرف، مقابل تمويل مفتوح لإنفاق الدولة بتحديد حجم حاجتها لتنالها عبر المزيد من الديون، والإنفاق هنا على البنى والمشاريع والتلزيمات والتوظيف بحاجة وبدونها، وبمواصفات وبغيابها وبرقابة أو بلا رقابة، والذي يتغيّر الآن هو وجهة الثنائية مع استمرارها، أي تقييد الإنفاق مقابل تقييد أرباح المصارف واستبدال هوامش مصرف لبنان في إدارة الثنائية القديمة لنيل فرصة إدارته للثنائية الجديدة مدعوماً بالجهات المالية الخارجية التي ستتولى تقديم ديون ميسّرة لمنع الانكماش والركود، وتعويض نقص التمويل الناتج عن الثنائية الجديدة لحين استقرارها. والمنطقي أن يؤدي حجم الانكشاف المتراكم لحساب الخارج تحت تأثير الحاجة المتزايدة منذ سنوات لتمويل الديون، إلى نوع من الانتداب المالي الدولي غير المعلن، يتولى مصرف لبنان إدارته بعناية.

– الفرصة الإصلاحية الموعودة ضاعت عملياً، بعدم توظيف الضغط الذي وفرته الحاجة لتخفيض العجز لفتح نقاش جدي حول كيفية تحقيق إصلاح مالي يكون مرتبطاً عضوياً بتفعيل الاقتصاد، ومحاولات إحياء هذه الفرصة مستحيلة من ضمن الثنائية التي تكرّست بمنهج نقاشات الموازنة، وكل سعي لذلك سيستهلك المزيد من الوقت دون جدوى، وسيفرض تسويات تنتهي بأرقام تخفيض للإنفاق وزيادة للواردات على طريقة محاسبي الشركات، ولكن هذه التسويات ستحرم أصحابها من مواصلة النقاش عبر الكتل النيابية التي يمثلونها في الحكومة، وستفرض توفير حماية نيابية لمشروع الموازنة يجعل إقرارها أشبه بالمادة الوحيدة، وستكون الحصيلة موازنة ترقيعية يستطيع الجميع إنكار أبوتها، والادعاء أنهم منعوا من الإصلاح الجدي، فيما يمكن الآن إقرار توافقات الحد الأدنى في مشروع الموازنة وتحويله إلى مجلس النواب، حيث يمكن للكتل النيابية التمايز، وميدان التمايز بين الكتل الممثلة في الحكومة هو مجلس النواب وليس الحكومة، وطبيعة التسويات التي تنتج في مجلس النواب تختلف عن تلك التي تنتج في الحكومة، فهي مفتوحة على الرأي العام وتفاعله بنسبة كبيرة، كما أنها قادرة على الذهاب إلى مدى أبعد في وضع منهجية أكثر قرباً من الحاجة الاقتصادية الاجتماعية، وتحقيق الأهداف المالية المرجوة ضمناً، قبل الدخول في مناقشة الموازنة مادة مادة، واللجوء إلى التصويت عند الضرورة بنصاب الأغلبية، وليس الثلثين كما هو حال التصويت غير المرغوب في الحكومة.

– مَن يملك مثلاً حق تدوير نصف قروض سيدر المرصودة لثلاث سنوات لتحويلها إلى قروض ميسّرة بكفالة الدولة وإشرافها تتولى إدارتها المصارف لتنشيط وتشجيع الإنتاج الوطني، لتخلق المزيد من فرص العمل، وتوفر المزيد من الواردات، وتحرّك الاستهلاك وعائداته الضريبية، وتتيح عبر سياسة ضريبية مدروسة توفير عائدات إضافية للحزينة، بدلاً من حصر كل القروض الخارجية بالإنفاق على بنى تحتية يمكن تأجيل الكثير منها؟

– من يملك مثلاً حق الدعوة لإلغاء التعاقد التجاري لإدارة شركتي الخليوي. وهي ملك للدولة، وتكليف هيئة أوجيرو بعد تصحيح أوضاعها، وتنظيم إنفاقها لتولي إدارة قطاع قادر على تحقيق عائدات هائلة للدولة؟

– أسئلة كثيرة سيكون ممكناً طرحها والسعي لوضع إجابات عليها، وكشف المواقف الحقيقية للكتل النيابية تجاهها، إذا انتقل النقاش بموازنة الحد الأدنى من التوافقات إلى مجلس النواب سعياً لصناعة موازنة الحد الأعلى للتوافق هناك، ولو اقتضى الأمر حسمها بالتصويت، ولا ننسى أن المهمة الرئيسيّة لمجلس النواب وفقاً للدستور لا تزال هي الموازنة.

المصدر: البناء
ن/ع