التاريخ يثقل كاهل الشعب وحده بالأحمال

 

 بقلم إيلي أنطون شويري

 

إن تتالي الأحداث في حياة كل شعب، بحسب التسلسل الزمني المحتّم، يتمّ حفظه وتدوينه وتأريخه كتابة وشفهيا لينطبع في ذاكرة الشعب، ويشكل ما يُسْمَّى بالتاريخ. الشعوب تفتخر وتتباهى بتاريخها، وتتغنى بأمجاده في أناشيدها الوطنية وأشعارها وآدابها وفنونها وكتبها. التاريخ المليء بالحروب والإنجازات العلمية والحضارية يصبح “إرثا” ثمينا لكل شعب. وكلما أوغَلَ عمر هذا التاريخ في الماضي السحيق كلما ازداد افتخار الشعب وتباهيه بقدمه وعراقته وأهميته، خاصة بالنسبة إلى سائر الشعوب “الحديثة” التاريخ، نسبيا، والمتفوقة علميا وماليا وعسكريا، والساعية إلى حكم الكرة الأرضية.

إنّ تراكم إرث التاريخ المعيد لنفسه بكل همومه وسيئاته الطاغية، هو في الحقيقة تراكم لأحمال ثقيلة على أكتاف الشعوب وحدها لا قادة الشعوب، ولو لم يعترف أحد بذلك، ومهما افتخر الشعب بتاريخه وتناسى الدماء والجروحات، أكان هذا الشعب عريقا في القدم أم حديث الولادة.

إذا كان التاريخ مجموعة أمجاد هي مدعاة للتغني والإفتخار والرِضى، فلماذا يا ترى لا نرى شعبا واحدا سعيدا اليوم، خاصة الشعوب المُستَضعَفَة، المُضطَّهدة، المظلومة، كالشعب اللبناني، مثلا؟

ولماذا لا نرى، في وطننا لبنان وفي العالم أجمع، إلا المشاكل والحروب والحقد والغضب، ولا نسمع إلا الأخبار السيئة (سياسيا وإقتصاديا وإجتماعيا) تعيد نفسها بشكل مستمرٍّ، مُحْبِطٍ، مُقْرِف؟

ولماذا لا تدومُ العصورُ التي تُسَمّى ب”الذهبية” طويلا في حياة الشعوب، التي سرعان ما تنقلبُ مآسِيَ وأحزانا ومآتمَ وأرَقا؟

ولماذا حدثت حروب كثيرة في كل مكان وزمان، وما تزال تحدث حتى الساعة، وثمة حديث مخيف اليوم يدور حول حرب عالمية ثالثة محتملة، إذا حدثت، في لحظة جنون يسكن القادة “الكبار”، يكون فيها فناء البشرية جمعاء بسبب وجود قوى تدمير هائلة بين أيادي حكّام متكبرين، مُصابين بجنون العظمة، قساة القلوب، غلاظ العقول؟

ولماذا الأرض مليئة بالمجاعات والأمراض والعاهات، وغلاء المعيشة والفقر والبطالة والجريمة، والظلم والإستغلال، والسجون ومعسكرات الإعتقال والتعذيب، والحقد والتجديف واللعن؟

ولماذا هذه الفروقات الهائلة، المتزايدة يوما بعد يوم بين الشعوب والدول من ناحية امتلاك الثروة والقوة؟

ولماذا يسيطرُ سوء تفاهم مخيف يتحوّل الى عداءٍ متزايدٍ مستحكِمٍ بين الشعوب، لا بل وبين أفراد الشعب الواحد، ولماذا لا يتحاور الناس، “كبارا” أو “صغارا”، إن هم قبلوا أن يتحاوروا، إلا في جوّ حذَرٍ شديد وتذاكٍ وشكٍّ وانعدام ثقة؟

ولماذا البشرية في حال فقدان توازن دائم، متزايد، لا تستطيع أبدا ان تحقق إنسانيتها كما هي على حقيقتها السامية وكما ينبغي أن تكون؟

ولماذا يمثِّل قادةُ الشعوب دور الآلهة، آلهة الغرور والشرّ، ولا من يوقفهم عند حدّهم؟

ولماذا لا وجود للرحمة والمحبة والإحترام في علاقات الناس والشعوب بين بعضهم البعض، وكأنه أمر معيب، وغريب، وغير منطقي، وغير واقعي، وكأنه أمر سخيفٌ وغير جدّي أن يكون لهذه الكلمات استعمال ووجود وجدوى في قاموس ومفردات السياسة الباردة الجافة، حيث لا وجود ولا سيطرة إلا لروح القوة والمال والدهاء والكذب والخداع والكبرياء والغرور والمصلحة الأنانية، ولروح عبادة البشرية لذاتها البشعة، التافهة، الفارغة، الجاهلة، عبادةً مدمّرةً لذاتها وللآخرين؟

إن الحمل الثقيل لتراكمات التاريخ بكل أوحال وصخور وأشواك همومه ومآسيه، يحملها الشعب الكادح، المعذب، وحده، الشعب المخدوع بأمجاد ووعود وهمية لا تطعم خبزا، ولا تشفي مرضا، ولا تفرّج عن كربة. وإنه لأمر عجيب أن يدوم هذا الواقع المأساوي إلى ما لا نهاية.

إن ما يُسَمَّى ب”صنّاع التاريخ” المتهافتين تهافتا شَرِها، مجنونا، على دخول هذا التاريخ من بابه العريض، من حكام دول وقادة جيوش، ومن أصحاب مصارف ومناجم ذهب وألماس ومعادن ومعامل وآبار نفط وبورصات، إنما هم يَنفُذون دائما بجلدهم حين يدهمهم الخطر الذي هو من صنع أيديهم، ويخلدون بسرعة، هم وعيالهم وحراسهم، إلى أبراجهم العاجية الفخمة الآمنة، الهانئة، يتفرّجون على ما يجري عن بعد، ويديرون دفّة الأحداث بدم بارد وكبرياء وشعور بالعظمة لما جنت أيديهم، وهم يحتَسون المشروبات الروحية، ويدخّنون السيغار الفاخر، منهمكين بالتنظير والتفلسف بعد أن يكونوا قد أشعلوا نيران الفتنة والشر بين الناس، وزجّوهم في جحيم الصراعات والمشاكل والحروب، بعيدا عن مساكنهم وحياتهم الخاصة. ثم تراهم يتحيّنون الفرص لاقتناصها وإعادة الكرّة من جديد.

الدول الصغيرة الضعيفة هي دائما وحدها الضحية. وشعب لبنان المنقسم دائما على ذاته، كان وما زال (بسبب زعمائه) ضحية لعبة “الكبار” الوسخة، “كبار” الداخل و”كبار” الخارج.

إنه لواقع معروف من الجميع، في لبنان، ولكن لم يستطع أحد تغييره، حتى اليوم، لا بالقول الحسن البنّاء، أو بالقول المنتقِد الجارح، ولا بفعل الثورات الدموية. وإذا كانت الديمقراطية هي السبيل الأفضل والأنجع والأسلم لإحداث تغيير ما في هذا الواقع، بإعطاء الشعب حقه بإختيار ممثليه في الحكم، فخداع الشعب اللبناني وتملّقه واستضعافه واستغباؤه من قبل الحفنة الحاكمة عينها، أو الوريثة، أو الجديدة، يستمرّ دائما بطرق وأساليب وحِيَل مختلفة. أما الشعب، في هذا الجوّ من الديمقراطية المخادعة الكاذبة، فهو يظلّ منهمكا، بمعظمه، في تحصيل لقمة عيشه بعرق جبينه، ويظل، رغم وعيه لمآسيه ومسببيها، خائفا، لامباليا، قرفا، غاضبا، صامتا، وعاجزا عن إصلاح الأمور. الشعب يرفض، بمعظمه، محاولة التأثير على زعمائه، مهما أمعنوا في ظلمه ومهما قصّروا في مجال واجب خدمته، من أجل إجبارهم على تغيير عقليتهم ونهجهم، لأنه ينتخبهم دائما كرموز لطوائفه لا يمكن ولا يجوز إبدالها بأفضل منها. وأما القلة القليلة الواعية فهي تشعر بإحباط شديد لدى عجزها، بواسطة التنبيه والتوعية، عن إحداث أي تغيير سريع بطريقة تفكير وسلوك الشعب والزعماء.

أجل، الأمر الواقع المرير يعيد نفسه باستمرار في كل مكان، وبنوع خاص في لبنان، الوطن الصغير المستضعَف على الدوام. الإنتصار هو دائما لغرائز وشهوات القوة والعنف والطمع والتعدّي والإستملاك والسيطرة والسلطة والإستعباد والكبرياء والأنانية والكذب والخداع والجنون، المعشِّشة في نفوس الحكام، لا لمبادىء الحكم الصحيح والأخلاق الحميدة، حتى في أعرق الديمقراطيات. لا لزوم هنا لذكر أمثلة أو لدراستها إثباتا لما نقول، فهي متوفرة بكثرة في دول العالم وفي بلادنا بالذات، ومعروفة ومعتَرَف بها بنسب ودرجات متفاوتة من الوعي والجرأة والصدق، من قبل قلة من الإعلاميين وأبناء الشعب المغبون، العاجز، الساكت على مَضَض.

إن الإرث التاريخيَّ الثقيل بمآسيه وأحزانه، إرث مشترك، بنسب متفاوتة، بين جميع الشعوب. بعض “إرثنا” في لبنان هو: نظام طائفي فاسد بفساد حماته ومستغليه، زعماء وساسة متكبرون، أنانيون، يعشقون التبعية للخارج وممارسة الكيدية والنكاية مع بعضهم البعض، وتجميع المال والغنى والعظمة والمجد والرجال والسلاح، خلافات وأحقاد “تاريخية” سخيفة، فساد في الدولة، “هدر” وسرقة لأموال خزينة الدولة-الشعب، فقر مدقع متزايد للشعب، غنى فاحش متزايد للساسة والزعماء وحلفائهم أصحاب المصارف ورجال الأعمال، قضاء مُكَبَّل اليدين، “مُسَيَّس”، نسبة البطالة وغلاء المعيشة والغش والكذب وزيادة الضرائب والجريمة وضحايا وجرحى حوادث السير، والهجرة، في ارتفاع مستمر، بيئة ملوّثة ومشوّهة بكل عناصرها، أمراض سرطانية بكثرة وتضييق من الدولة (البقرة الحلوب فقط للساسة لا للشعب) على منح العلاج والدواء، انعدام الضمانات الصحية والأدوية لجميع المواطنين، موت مبكر، إذلال، إستعباد، حزن، غضب، قرف، إلخ… إن هذا الإرث الثقيل على كاهل الشعب اللبناني قد أنسى معظم هذا الشعب إرثه الروحي والأخلاقي والأدبي والفنّي الغنيّ. غير أنه ما يزال بعض الذين لم يستطع أبالسة السياسة سرقة وعيهم وصدقهم وخطف أرواحهم، ينهلون منه ويتعزَّون به في جوّ طغيان المادة وعجيج أبراج بابل.

هل يعني كل ذلك أنّ الوضعَ ميؤوسٌ منه، وأن التحرّر من وطأته مستحيل، وأنْ لا لزوم لأية محاولة للتحرر؟ طبعا، لا.

إن الإستسلام لثقل حمل التاريخ الظالم إنما هو الموت الحقيقي بعينه، موت لا يستطيع الإنسان الحرّ أن يقبل به. الكفاح حتى التضحية بالذات ضدّ الظالمين، مهما بلغوا من القوة والعتيّ، الكفاح بوعي وثبات وإيمان وصبر، هو خيار الأحرار الوحيد وقدرهم الحتميّ الذي لا يُقاوَم ولا يمكنهم الهرب منه.

نحن أبناء الشعب اللبناني الحرّ، الأبيّ، الحيّ، نحن من تحمّلنا الكثير الكثير من المآسي والظلم والقهر والذلّ، نعرف تمام المعرفة أنه لا أحد يقدر أن يجترح المعجزات لنا، وأن يقدم حلولا سريعة سحرية. غير أننا نؤمن بأن خلاصنا بيدنا نحن وحسب، لا بيد سوانا ممن قَبِلنا بهم، أو نصّبوا أنفسهم، في غفلة من الزمن واستغفال للشعب الغافي والغافل عن المطالبة بحقوقه وواجباته، أوصياء غير أمناء علينا، وجلادين مدى العمر، عمر تاريخنا. ونؤمن بأن في الإتحاد القوة، وأنه علينا جميعا أن نسعى، شعبا ونُخَبًا، للعمل الدؤوب الصبور، من أجل تحقيق خلاص هذا الوطن، شيئا فشيئا، من حمله التاريخي الثقيل جدا. إنه أمرٌ يبدو مستحيلا للوهلة الأولى، لهول حجم وثقل الحمل، ولكننا نؤمن إيمانا راسخا بأن لا شيء مستحيل أمام الإرادات الصلبة الموحَّدة، والقلوب المؤمنة الموحَّدة، والعقول النيِّرة الموَحَّدة. أجل، لا شيء مستحيل أمام شعب وُلِدَ حرًّا وقرّر أن يختار، مرّة واحدة وإلى الأبد، بفعل إرادة قويّ ونهائيّ لا رجوع عنه، الحياة الحرّة الكريمة لا موت العبودية والذلّة.

فلنتَّحِدْ، إذًا، الآن، شعبا ونُخَبًا. فلنتَّحِدْ، لنحمل معا حملَنا التاريخي الثقيل الذي، وإن ناءت تحته الجبال، لا تنوء تحته سواعدنا القوية إنِ اتّحدَتْ.

فلنتّحدْ، نحن أبناء الشعب المقهور، أولا، ولنجبر الزعماء المتكبرين، المتردّدين، الخائفين، المرتبطين بما وبمن يُسَمّى “الخارج” (بحكوماته الظاهرة والخفية و”العميقة”)، على الإتحاد، وإن فشِلنا، فلنتابع المحاولة بدونهم الى أن يحين موعد رذلهم رذلا دائما في الإنتخابات النيابية، إن كنا حقا نريد الحياة الكريمة لا حياة الفقر والذلّ.

فلنتّحِدْ في واقع حياتنا اليومية اتحادا حقيقيا بالفكر والقلب والمعاملة الحسنة، ولا نُبْقِيَنَّ هذا الإتحادَ وهمًا لذيذا نطرب له، ونسكر به، في المجاملات الكاذبة، وفي الأغنيات الشعبية الجميلة، وفي النشيد الوطنيّ الرائع، وحسب. وهكذا، نتحرّرُ معًا، إن كنّا، حقًّا، نريد التحرّر، من قبضة كلّ من لا يريدنا، من زعماء الداخل اللبناني ومن الجهات الأربع، أن نكون شعبا واحدا، قويًّا، مزدهرا، مستقلا، حرا، سيّدا، أبيّا، سعيدا.

فهل نقرِّرُ قرارا نهائيا حاسما، ونتحدَّى، معا، ذواتنا الضعيفة، المستسلمة لمشيئة آلِهَةٍ وهميَّة، هي عدوّة لنا، قد قرّرتْ، في خرافاتٍ خلقناها نحن أنفسنا، في مجاهل وعينا المعتمة، أن تعاقبنا، نحن وذرِّيتنا من بعدنا، معاقبة أبدية، على ذنوب عصيانٍ وتحدٍّ وهميّة قد اقترفناها ضدّها، وضدّ آلهة أخرى بشريّة تمثِّلها على الأرض، وأن ترغمنا على الخضوع لأقدار عمياءَ، قاسية، ظالمة، تسيِّرُ حياتنا، وعلى وراثة وتحمّل تراكم الأحمال الثقيلة، وتوريثها، بدورنا، للأجيال القادمة، صاغرين، مُرْغَمين، مخدَّرين، راضين، سعداء، إلى ما لا نهاية؟
القرار بيدنا، وبيدنا وحدنا، نحن الأحرار، في هذه اللحظة بالذات، الآن.

 بقلم إيلي أنطون شويري

 

إن تتالي الأحداث في حياة كل شعب، بحسب التسلسل الزمني المحتّم، يتمّ حفظه وتدوينه وتأريخه كتابة وشفهيا لينطبع في ذاكرة الشعب، ويشكل ما يُسْمَّى بالتاريخ. الشعوب تفتخر وتتباهى بتاريخها، وتتغنى بأمجاده في أناشيدها الوطنية وأشعارها وآدابها وفنونها وكتبها. التاريخ المليء بالحروب والإنجازات العلمية والحضارية يصبح “إرثا” ثمينا لكل شعب. وكلما أوغَلَ عمر هذا التاريخ في الماضي السحيق كلما ازداد افتخار الشعب وتباهيه بقدمه وعراقته وأهميته، خاصة بالنسبة إلى سائر الشعوب “الحديثة” التاريخ، نسبيا، والمتفوقة علميا وماليا وعسكريا، والساعية إلى حكم الكرة الأرضية.

إنّ تراكم إرث التاريخ المعيد لنفسه بكل همومه وسيئاته الطاغية، هو في الحقيقة تراكم لأحمال ثقيلة على أكتاف الشعوب وحدها لا قادة الشعوب، ولو لم يعترف أحد بذلك، ومهما افتخر الشعب بتاريخه وتناسى الدماء والجروحات، أكان هذا الشعب عريقا في القدم أم حديث الولادة.

إذا كان التاريخ مجموعة أمجاد هي مدعاة للتغني والإفتخار والرِضى، فلماذا يا ترى لا نرى شعبا واحدا سعيدا اليوم، خاصة الشعوب المُستَضعَفَة، المُضطَّهدة، المظلومة، كالشعب اللبناني، مثلا؟

ولماذا لا نرى، في وطننا لبنان وفي العالم أجمع، إلا المشاكل والحروب والحقد والغضب، ولا نسمع إلا الأخبار السيئة (سياسيا وإقتصاديا وإجتماعيا) تعيد نفسها بشكل مستمرٍّ، مُحْبِطٍ، مُقْرِف؟

ولماذا لا تدومُ العصورُ التي تُسَمّى ب”الذهبية” طويلا في حياة الشعوب، التي سرعان ما تنقلبُ مآسِيَ وأحزانا ومآتمَ وأرَقا؟

ولماذا حدثت حروب كثيرة في كل مكان وزمان، وما تزال تحدث حتى الساعة، وثمة حديث مخيف اليوم يدور حول حرب عالمية ثالثة محتملة، إذا حدثت، في لحظة جنون يسكن القادة “الكبار”، يكون فيها فناء البشرية جمعاء بسبب وجود قوى تدمير هائلة بين أيادي حكّام متكبرين، مُصابين بجنون العظمة، قساة القلوب، غلاظ العقول؟

ولماذا الأرض مليئة بالمجاعات والأمراض والعاهات، وغلاء المعيشة والفقر والبطالة والجريمة، والظلم والإستغلال، والسجون ومعسكرات الإعتقال والتعذيب، والحقد والتجديف واللعن؟

ولماذا هذه الفروقات الهائلة، المتزايدة يوما بعد يوم بين الشعوب والدول من ناحية امتلاك الثروة والقوة؟

ولماذا يسيطرُ سوء تفاهم مخيف يتحوّل الى عداءٍ متزايدٍ مستحكِمٍ بين الشعوب، لا بل وبين أفراد الشعب الواحد، ولماذا لا يتحاور الناس، “كبارا” أو “صغارا”، إن هم قبلوا أن يتحاوروا، إلا في جوّ حذَرٍ شديد وتذاكٍ وشكٍّ وانعدام ثقة؟

ولماذا البشرية في حال فقدان توازن دائم، متزايد، لا تستطيع أبدا ان تحقق إنسانيتها كما هي على حقيقتها السامية وكما ينبغي أن تكون؟

ولماذا يمثِّل قادةُ الشعوب دور الآلهة، آلهة الغرور والشرّ، ولا من يوقفهم عند حدّهم؟

ولماذا لا وجود للرحمة والمحبة والإحترام في علاقات الناس والشعوب بين بعضهم البعض، وكأنه أمر معيب، وغريب، وغير منطقي، وغير واقعي، وكأنه أمر سخيفٌ وغير جدّي أن يكون لهذه الكلمات استعمال ووجود وجدوى في قاموس ومفردات السياسة الباردة الجافة، حيث لا وجود ولا سيطرة إلا لروح القوة والمال والدهاء والكذب والخداع والكبرياء والغرور والمصلحة الأنانية، ولروح عبادة البشرية لذاتها البشعة، التافهة، الفارغة، الجاهلة، عبادةً مدمّرةً لذاتها وللآخرين؟

إن الحمل الثقيل لتراكمات التاريخ بكل أوحال وصخور وأشواك همومه ومآسيه، يحملها الشعب الكادح، المعذب، وحده، الشعب المخدوع بأمجاد ووعود وهمية لا تطعم خبزا، ولا تشفي مرضا، ولا تفرّج عن كربة. وإنه لأمر عجيب أن يدوم هذا الواقع المأساوي إلى ما لا نهاية.

إن ما يُسَمَّى ب”صنّاع التاريخ” المتهافتين تهافتا شَرِها، مجنونا، على دخول هذا التاريخ من بابه العريض، من حكام دول وقادة جيوش، ومن أصحاب مصارف ومناجم ذهب وألماس ومعادن ومعامل وآبار نفط وبورصات، إنما هم يَنفُذون دائما بجلدهم حين يدهمهم الخطر الذي هو من صنع أيديهم، ويخلدون بسرعة، هم وعيالهم وحراسهم، إلى أبراجهم العاجية الفخمة الآمنة، الهانئة، يتفرّجون على ما يجري عن بعد، ويديرون دفّة الأحداث بدم بارد وكبرياء وشعور بالعظمة لما جنت أيديهم، وهم يحتَسون المشروبات الروحية، ويدخّنون السيغار الفاخر، منهمكين بالتنظير والتفلسف بعد أن يكونوا قد أشعلوا نيران الفتنة والشر بين الناس، وزجّوهم في جحيم الصراعات والمشاكل والحروب، بعيدا عن مساكنهم وحياتهم الخاصة. ثم تراهم يتحيّنون الفرص لاقتناصها وإعادة الكرّة من جديد.

الدول الصغيرة الضعيفة هي دائما وحدها الضحية. وشعب لبنان المنقسم دائما على ذاته، كان وما زال (بسبب زعمائه) ضحية لعبة “الكبار” الوسخة، “كبار” الداخل و”كبار” الخارج.

إنه لواقع معروف من الجميع، في لبنان، ولكن لم يستطع أحد تغييره، حتى اليوم، لا بالقول الحسن البنّاء، أو بالقول المنتقِد الجارح، ولا بفعل الثورات الدموية. وإذا كانت الديمقراطية هي السبيل الأفضل والأنجع والأسلم لإحداث تغيير ما في هذا الواقع، بإعطاء الشعب حقه بإختيار ممثليه في الحكم، فخداع الشعب اللبناني وتملّقه واستضعافه واستغباؤه من قبل الحفنة الحاكمة عينها، أو الوريثة، أو الجديدة، يستمرّ دائما بطرق وأساليب وحِيَل مختلفة. أما الشعب، في هذا الجوّ من الديمقراطية المخادعة الكاذبة، فهو يظلّ منهمكا، بمعظمه، في تحصيل لقمة عيشه بعرق جبينه، ويظل، رغم وعيه لمآسيه ومسببيها، خائفا، لامباليا، قرفا، غاضبا، صامتا، وعاجزا عن إصلاح الأمور. الشعب يرفض، بمعظمه، محاولة التأثير على زعمائه، مهما أمعنوا في ظلمه ومهما قصّروا في مجال واجب خدمته، من أجل إجبارهم على تغيير عقليتهم ونهجهم، لأنه ينتخبهم دائما كرموز لطوائفه لا يمكن ولا يجوز إبدالها بأفضل منها. وأما القلة القليلة الواعية فهي تشعر بإحباط شديد لدى عجزها، بواسطة التنبيه والتوعية، عن إحداث أي تغيير سريع بطريقة تفكير وسلوك الشعب والزعماء.

أجل، الأمر الواقع المرير يعيد نفسه باستمرار في كل مكان، وبنوع خاص في لبنان، الوطن الصغير المستضعَف على الدوام. الإنتصار هو دائما لغرائز وشهوات القوة والعنف والطمع والتعدّي والإستملاك والسيطرة والسلطة والإستعباد والكبرياء والأنانية والكذب والخداع والجنون، المعشِّشة في نفوس الحكام، لا لمبادىء الحكم الصحيح والأخلاق الحميدة، حتى في أعرق الديمقراطيات. لا لزوم هنا لذكر أمثلة أو لدراستها إثباتا لما نقول، فهي متوفرة بكثرة في دول العالم وفي بلادنا بالذات، ومعروفة ومعتَرَف بها بنسب ودرجات متفاوتة من الوعي والجرأة والصدق، من قبل قلة من الإعلاميين وأبناء الشعب المغبون، العاجز، الساكت على مَضَض.

إن الإرث التاريخيَّ الثقيل بمآسيه وأحزانه، إرث مشترك، بنسب متفاوتة، بين جميع الشعوب. بعض “إرثنا” في لبنان هو: نظام طائفي فاسد بفساد حماته ومستغليه، زعماء وساسة متكبرون، أنانيون، يعشقون التبعية للخارج وممارسة الكيدية والنكاية مع بعضهم البعض، وتجميع المال والغنى والعظمة والمجد والرجال والسلاح، خلافات وأحقاد “تاريخية” سخيفة، فساد في الدولة، “هدر” وسرقة لأموال خزينة الدولة-الشعب، فقر مدقع متزايد للشعب، غنى فاحش متزايد للساسة والزعماء وحلفائهم أصحاب المصارف ورجال الأعمال، قضاء مُكَبَّل اليدين، “مُسَيَّس”، نسبة البطالة وغلاء المعيشة والغش والكذب وزيادة الضرائب والجريمة وضحايا وجرحى حوادث السير، والهجرة، في ارتفاع مستمر، بيئة ملوّثة ومشوّهة بكل عناصرها، أمراض سرطانية بكثرة وتضييق من الدولة (البقرة الحلوب فقط للساسة لا للشعب) على منح العلاج والدواء، انعدام الضمانات الصحية والأدوية لجميع المواطنين، موت مبكر، إذلال، إستعباد، حزن، غضب، قرف، إلخ… إن هذا الإرث الثقيل على كاهل الشعب اللبناني قد أنسى معظم هذا الشعب إرثه الروحي والأخلاقي والأدبي والفنّي الغنيّ. غير أنه ما يزال بعض الذين لم يستطع أبالسة السياسة سرقة وعيهم وصدقهم وخطف أرواحهم، ينهلون منه ويتعزَّون به في جوّ طغيان المادة وعجيج أبراج بابل.

هل يعني كل ذلك أنّ الوضعَ ميؤوسٌ منه، وأن التحرّر من وطأته مستحيل، وأنْ لا لزوم لأية محاولة للتحرر؟ طبعا، لا.

إن الإستسلام لثقل حمل التاريخ الظالم إنما هو الموت الحقيقي بعينه، موت لا يستطيع الإنسان الحرّ أن يقبل به. الكفاح حتى التضحية بالذات ضدّ الظالمين، مهما بلغوا من القوة والعتيّ، الكفاح بوعي وثبات وإيمان وصبر، هو خيار الأحرار الوحيد وقدرهم الحتميّ الذي لا يُقاوَم ولا يمكنهم الهرب منه.

نحن أبناء الشعب اللبناني الحرّ، الأبيّ، الحيّ، نحن من تحمّلنا الكثير الكثير من المآسي والظلم والقهر والذلّ، نعرف تمام المعرفة أنه لا أحد يقدر أن يجترح المعجزات لنا، وأن يقدم حلولا سريعة سحرية. غير أننا نؤمن بأن خلاصنا بيدنا نحن وحسب، لا بيد سوانا ممن قَبِلنا بهم، أو نصّبوا أنفسهم، في غفلة من الزمن واستغفال للشعب الغافي والغافل عن المطالبة بحقوقه وواجباته، أوصياء غير أمناء علينا، وجلادين مدى العمر، عمر تاريخنا. ونؤمن بأن في الإتحاد القوة، وأنه علينا جميعا أن نسعى، شعبا ونُخَبًا، للعمل الدؤوب الصبور، من أجل تحقيق خلاص هذا الوطن، شيئا فشيئا، من حمله التاريخي الثقيل جدا. إنه أمرٌ يبدو مستحيلا للوهلة الأولى، لهول حجم وثقل الحمل، ولكننا نؤمن إيمانا راسخا بأن لا شيء مستحيل أمام الإرادات الصلبة الموحَّدة، والقلوب المؤمنة الموحَّدة، والعقول النيِّرة الموَحَّدة. أجل، لا شيء مستحيل أمام شعب وُلِدَ حرًّا وقرّر أن يختار، مرّة واحدة وإلى الأبد، بفعل إرادة قويّ ونهائيّ لا رجوع عنه، الحياة الحرّة الكريمة لا موت العبودية والذلّة.

فلنتَّحِدْ، إذًا، الآن، شعبا ونُخَبًا. فلنتَّحِدْ، لنحمل معا حملَنا التاريخي الثقيل الذي، وإن ناءت تحته الجبال، لا تنوء تحته سواعدنا القوية إنِ اتّحدَتْ.

فلنتّحدْ، نحن أبناء الشعب المقهور، أولا، ولنجبر الزعماء المتكبرين، المتردّدين، الخائفين، المرتبطين بما وبمن يُسَمّى “الخارج” (بحكوماته الظاهرة والخفية و”العميقة”)، على الإتحاد، وإن فشِلنا، فلنتابع المحاولة بدونهم الى أن يحين موعد رذلهم رذلا دائما في الإنتخابات النيابية، إن كنا حقا نريد الحياة الكريمة لا حياة الفقر والذلّ.

فلنتّحِدْ في واقع حياتنا اليومية اتحادا حقيقيا بالفكر والقلب والمعاملة الحسنة، ولا نُبْقِيَنَّ هذا الإتحادَ وهمًا لذيذا نطرب له، ونسكر به، في المجاملات الكاذبة، وفي الأغنيات الشعبية الجميلة، وفي النشيد الوطنيّ الرائع، وحسب. وهكذا، نتحرّرُ معًا، إن كنّا، حقًّا، نريد التحرّر، من قبضة كلّ من لا يريدنا، من زعماء الداخل اللبناني ومن الجهات الأربع، أن نكون شعبا واحدا، قويًّا، مزدهرا، مستقلا، حرا، سيّدا، أبيّا، سعيدا.

فهل نقرِّرُ قرارا نهائيا حاسما، ونتحدَّى، معا، ذواتنا الضعيفة، المستسلمة لمشيئة آلِهَةٍ وهميَّة، هي عدوّة لنا، قد قرّرتْ، في خرافاتٍ خلقناها نحن أنفسنا، في مجاهل وعينا المعتمة، أن تعاقبنا، نحن وذرِّيتنا من بعدنا، معاقبة أبدية، على ذنوب عصيانٍ وتحدٍّ وهميّة قد اقترفناها ضدّها، وضدّ آلهة أخرى بشريّة تمثِّلها على الأرض، وأن ترغمنا على الخضوع لأقدار عمياءَ، قاسية، ظالمة، تسيِّرُ حياتنا، وعلى وراثة وتحمّل تراكم الأحمال الثقيلة، وتوريثها، بدورنا، للأجيال القادمة، صاغرين، مُرْغَمين، مخدَّرين، راضين، سعداء، إلى ما لا نهاية؟
القرار بيدنا، وبيدنا وحدنا، نحن الأحرار، في هذه اللحظة بالذات، الآن.

المصدر:  النهضة نيوز

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

النهضة موقع عربي إخباري ثقافي إقتصادي, يهتم بقضايا الإنسان العادلة وينتصر لها بأي أرض وميدان كانت, ننشد النهضة لشعوبنا بعدما استوطنت أمية الحرف والفكر فيها وتم إستلاب وعيها, النهضة هي منبر لكل فكر حر يسعى للتنوير ولنشر المعرفة المنشودة لإستعادة الوعي الجمعيِ العربيِ المسلوب.

Copyright © 2018 Alnahda News

Powered BY