من وعد بلفور إلى صفقة القرن والتآمر مستمر؟؟

محمد عبد الكريم مصطفى

منذ أن ابتليت الأمة العربية بالاحتلال العثماني الغابر، الذي قتل كل اشكال الحضارة والتنمية البشرية على مساحة الجغرافية العربية، خلال أربعة قرون متواصلة والعرب تائهون بين التمسك بعباءة الخليفة أو التمرد على العادات والتعاليم البالية ومحاولة اللحاق بالعالم المتحضر من خلال إعادة العمل بمقدرات وإمكانات الأمة الذاتية للوقوف بشموخ مرة جديدة بين أمم العالم، بعيداً عن خطابات التمجيد والتغني بالتاريخ الماضي واستحضاره لذر رماد التخلف من جديد على العيون المتطلعة بأمل إلى مستقبل أكثر اشراقاً، ومع نهاية الحرب العالمية الأولى وظهور أحزاب وقوى عالمة تنويرية، وحرصاً على بقاء العرب بعيداً عن قطار حركة التاريخ المحملة بأفكار التطوير الافتراضية، رتب المحور الغربي المنتصر في تلك الحرب خارطة جيوسياسية نوعية لما كان يسمى بالوطن العربي من خلال اتفاقية ” سايكس بيكو ” الشهيرة وتقسيم الأمة العربية إلى دويلات ضعيفة تقودها أنظمة هشة مرتبطة بالاستعمار الغربي الذي غادر المنطقة – نظرياً – تاركاً عملاءً له أشد ولاءً لمصالحه  من مصالحهم الوطنية ومصالح بلدانهم وشعوبهم، موكلاً في الوقت ذاته رعاية تلك العروش العفنة إلى عصابات الكيان الصهيوني التي منحها هي الأخرى حق احتلال فلسطين العربية عبر ما سمي بـ” وعد بلفور المشؤوم ” وإنشاء ” دولة إسرائيل ” على أراضٍ عربية مستباحة، واستمرار مسلسل التآمر على العرب واستنزاف قواهم الذاتية بكل السبل منذ ذاك التاريخ إلى يومنا هذا، حتى أدوات الغرب الامبريالي من الأعراب لم تسلموا من أطماع السيد الأمريكي، وإن ما نسمعه منذ فترة عن ” صفقة القرن ” التي أطلقها الرئيس الأمريكي ” ترامب ” والممولة بأموال النفط العربي لصالح الكيان الصهيوني بالمطلق، ما هو إلا حلقة من حلقات التآمر على العرب، تُحاول عبرها حكومة إسرائيل بلسان أمريكي القضاء التام على القضية الفلسطينية وإنهاء أمل الفلسطينيين الذين وثقوا بالرعاية الأمريكية بتحقيق أي من الوعود التي سمعوها على مدار العقود الماضية وتمسكوا بها كمن يتمسخ بخيوط العنكبوت.

بدأت أولى حلقات الخيانة والعمالة من البحرين ( المنامة )  التي تستقبل مؤتمراً اقتصادياً حول متطلبات إنجاح صفقة العار وإغراء الجانب الفلسطيني بحفنة من الدولارات لقاء التنازل عن القضية وضرب الحائط بكل التضحيات التي قدمها الشعب الفلسطيني على مدى أكثر من قرن من الزمن،  شارك في المؤتمر مندوباً عن الكيان الصهيوني ولو أنه بمستوى منخفض فهو رسالة مزدوجة المعاني والأهداف، هذا المؤتمر تم عقده بالتزامن مع اجتماع آخر في القدس المحتلة ليس أقل خطورة من الأول  بهدف تحديد الأولويات الاقتصادية والسياسية التكتيكية والاستراتيجية في مشروع تنفيذ ” صفقة القرن ”  التي ستموله دول الخليج وترعاه إدارة ” ترامب “وتقطف ثماره حكومة الكيان الصهيوني، الأمر الجيد في هذا الحراك الخبيث هو ردت الفعل الفلسطينية الموحدة التي لم تجتمع يوماً على قواسم موحدة كما اجتمعت اليوم في مواجهة هذه الصفقة التخريبية التي وضعت لضرب البنية الوطنية الأساسية والقضاء على الحلم الفلسطيني، لذلك كان الموقف الرافض الموحد من كل القوى والمنظمات الفلسطينية إضافة إلى أغلب قوى التحرر والتقدم في العالم وعلى رأسها سورية وبلدان المقاومة المعروفة الأخرى، وهذا ما عبر عنه اجتماع الأمانة العامة لمؤتمر الأحزاب العربية الذي عقد في دمشق ضمن دورته العادية تحت عنوان ” من القدس إلى الجولان..الأرض لنا ” حيث عبرت كافة الأحزاب مجتمعة عن وقوفها بكل قوة ضد تلك الصفقة الغادرة وتبنت اسقاطها بكل ما تحمله من تآمر ومشاريع تقسيم وتخريب لفلسطين وللامة بشكل عام.

التهديدات الأمريكية المتصاعدة على طهران وتطبيق عقوبات مشددة على قيادات إيرانية ما هي  إلا ضمن سياق التمهيد لما سمي بصفقة القرن وإنهاء القضية الفلسطينية وإلهاء إيران بمفاوضات جديدة من تحت الطاولة ومن فوقها احياناً أخرى ضمن سياسة العصا والجزرة التقليدية، لكن طهران تراها مجرد عربدة سياسية في زمن قوة السلاح  وتنامي المشروع المقاوم بكل أبعاده الذي صلب عوده وأصبح في موقع سياسي وعسكري يؤهله لمواجهة طويلة الأمد ومضمونة النتائج، وإن اسقاط طائرة التجسس الأمريكية فوق المياه الإقليمية لإيران وعدم التعرض للطائرة المحملة بالجنود والتي كانت قريبة من الأولى هو رسالة لطيفة وهادئة ن قبل الطرف الإيراني إلى الجانب الأمريكي أكثر بعداً من رفض استلام رسالة ترامب والاكتفاء بالتعبير عن رفض التفاوض مع رئيس لا يمتلك أدنى حد من الالتزام الأخلاقي بالتعهدات الأمريكية تجاه القانون الدولي والمنظمات الدولية  أو تجاه الاتفاقات التي تبرمها مع دول العالم حتى العظمى منها ” كما حصل بين وزير خارجية أمريكا السابق، والوزير الروسي بشأن الحرب في سورية “، إضافة إلى انسحاب إدارة ترامب من الاتفاق النووي مع إيران، وأخرها منح الكيان الصهيوني حق ضم الجولان السوري المحتل بما يُخالف كل الشرائع والقوانين الدولية وميثاق الأمم المتحدة، لذلك لم يعد أحد في هذا العالم يثق بالولايات المتحدة الأمريكية إلا الواهمون الأغبياء من الأعراب المرتبط مصيرهم برضى الولايات المتحدة عنهم.

من المؤكد بأن الحسابات الأمريكية الاستراتيجية تجري ضمن سلسلة واسعة من الحلقات والمفاصل قبل السير في أية مغامرة كبرى ضد أية دولة صغيرة كانت أم كبيرة، وللحرب دراساتها الخاصة لدى الأمريكان وغيرهم، وان سحب الرئيس ” ترامب ” قراره بضرب إيران قبل عشرة دقائق من موعد الضربة هو من ضمن تلك الأجندة، رغم كل ما قيل عن مواقف من داخل الولايات المتحدة او من حلفائها في المنطقة وهي تُعارض الرئيس ” ترامب ” وتؤيد توجيه ضربة سريعة ومؤثرة لإيران بعيداً عن مواجهة طويلة الأمد كما صورتها وسائل الإعلام المطلعة، بينما نرى بأن الرئيس الأمريكي توقف عن توجيه ضربة إلى إيران بناءً على معلومات دقيقة وردته من جهة ما ذات علم ومعرفة، بأن هذه المواجهة ستكون نتائجها كارثية على الولايات المتحدة وأدواتها في المنطقة ومن ضمنها الكيان الصهيوني، ووفقاً للنصيحة التي تقول : أنه سيتمكن الرئيس الأمريكي من تحديد لحظة الصفر لكنه بكل تأكيد لن يستطيع تحديد ساعة النهاية والنتائج النهائية ؟؟

البعث ميديا

مشرق نيوز